شباب العراق في قبضة الطائفية والإرهاب

شعارات عديدة حملتها القوات الأميركية خلال احتلالها العراق عام 2003 أهمها نشر الديمقراطية والحرية غير أن الديمقراطية الأميركية التي بشرت بها العالم كانت لها تبعات وخيمة على الشباب العراقي الذي عانى من ويلات الحروب ومن الاضطرابات السياسية نتيجة مساعي طهران التوسعية التي تستهدف وحدة أمن العراق والعالم العربي، وهو ما استوجب ضرورة اعتماد نهج جديد في التنشئة السياسية للشباب تركز فيه أساسا على مفهوم المواطنة.
الأربعاء 2016/12/28
من سيء إلى أسوأ

تعد دراسة “كيفية صناعة التطرف.. التنشئة السياسية ودورها” للباحث حازم العقيدي أول دراسة ميدانية عراقية في حقل التنشئة السياسية داخل العراق في ظل الاحتلال الأميركي.

واعتمد الباحث على عينة من الشباب العراقيين في محافظة نينوى ممن تتراوح أعمارهم ما بين 17 و25 سـنة، الذين نشأوا خلال فترى حرب الخليج الأولى، ثم أجواء حرب الخليج الثانية، ثم أطبق عليهم ليل الحصار الطويل الذي تسبب في موت المئات من الألوف منهم. وتبع الحصار عدوان شرس شنته الولايات المتحدة الأميركية وقضى على ما أنجزه آباؤهم وأجدادهم، ثم أفضى هذا العدوان إلى احتلال وطنهم.

وفي ظل هذا الاحتلال تعرض أولئك الشباب إلى انتهاكات جسدية ونفسية مروعة، وممارسات لاأخلاقية بشعة من قبل المحتل وأعوانه، ثم وجدوا أنفسهم ووطنهم وشعبهم في قبضة سياسيين يسكنهم الحقد الطائفي والمذهبية المقيتة والفساد المستشري، حيث عمد المحتل إلى توزيع الأدوار بين الكتل والشخصيات السياسية التي ترعرعت في أحضان أميركا وأعداء العراق، ليتم عرضها كواجهات ضرورية للمشهد السياسي المصطنع.

تبعات الاحتلال الأميركي

يرى العقيدي في دراسته، التي صدرت عن دار العربي للنشر، أن الاحتلال الأميركي نجح في خلق أزمة هوية بين الشباب العراقي من خلال الأزمات السياسية بين الأطياف السياسية العراقية وزرع الفتنة الطائفية.

وعمد الاحتلال إلى تخريب العقول وتدمير القيم الوطنية والقومية، عبر تغيير مناهج التعليم الابتدائي والثانوي وإلغاء كل ما له صلة بالوحدة القومية والعروبة والعالم العربي والتضامن العربي، وفسح المجال للدعوات الانفصالية والانهزامية والخضوع والاستسلام.

وأوجد الاحتلال أحزابا هامشية بهدف تمزيق النسيج الوطني، وتحويل طاقة العمل الحزبي الإيجابية إلى مسارب طائفية فئوية ضيقة تشغل الجماهير عن المطلب الرئيسي وهو إخراج قوات الاحتلال واستعادة السيادة الوطنية، فتلك الأحزاب لا تملك العقيدة والتجربة وليس في أجندتها سوى التهويل والاتكاء على مفردة “الديمقراطية” وإشغال الساحة السياسية بصراعات بعيدة عن الأهداف الوطنية.

ولم تفلح الأحزاب السياسية العراقية الحالية في إثبات نواياها الوطنية في قيادة العملية السياسية، فضلا عن فقدانها للكفاءة السياسية والأيديولوجية الفكرية، القادرة على إحداث تحول جذري في التوجهات والميول لدى الشباب باتجاه قبول طروحاتها السياسية والانتماء إلى صفوفها وتبني قيمها واتجاهاتها السياسية المتمثلة بالدستور الجديد الذي يكرس الطائفية ويمهد لتقسيم العراق.

ويلاحظ أن للاحتلال الأميركي منهجية صارخة لاجتثاث القيم والمبادئ والميول القومية والوطنية في العراق وغرس قيم الطائفة والمذهب والتعصب باستخدام الإعلام الموجه وسياسة الترغيب والترهيب، والعقوبات الاقتصادية ووسائل القوة والعنف والإرهاب، غير أن الشباب العراقي مازال صامدا أمام محاولات إخضاعه وتزييف وعيه وإفراغه من محتواه القيمي والأخلاقي.

ويقول الباحث إن “الواقع العراقي أثبت أن المحتل لم يفلح إلى حد الآن في تحقيق معظم أهدافه المرسومة بل على العكس واجه صعوبات عدة في العثورعلى من يوافقه في مشاريعه”.

ويضيف “تحاول الولايات المتحدة الأميركية وإيران والقوى السياسية المتعاونة معهما التسريع في استكمال المخطط المرسوم لتقسيم المنطقة وتحقيق المصالح المشتركة من خلال إذكاء المواجهة بين الطوائف في العراق من خلال لعبة الكر والفر بين المجاميع المسلحة التي تلعب على وتر الطائفية والنزاعات المذهبية، فتارة تقوي بعض المجاميع الإرهابية المسلحة على حساب إضعاف الحكومة وقواتها الأمنية، وتحاول تارة أخرى جعل المبادرة بيد الميليشيات المسلحة الموالية للحكومة ومعها الجيش في عملية صراع دائم لاستنزاف قوة العراق ومواردها ودماء شعبه”.

ضرورة التنشئة السياسية

تستدعي مقاربة الباحث للرؤية المستقبلية لعناصر التنشئة السياسية المطلوبة في العراق الدور الصحيح للتنشئة السياسية في تعزيز المواطنة وأبعادها القيمية والأخلاقية والمبدئية، التي لن تتحقق في ظل الاحتلال أو القوى المتعاونة معه والمعزولة عن مفهوم المواطنة والمتوارية خلف شعارات مستوردة ومتناغمة مع ما يدعو إليه الاحتلال، ولا بد من ترافق مفهوم مقاومة المحتل مع قيم المواطنة لكي تعاد صياغة الموقف الصحيح تجاه مفهوم المواطنة.

لذلك، فإن دور التنشئة السياسية، لا ينحصر في المفاهيم التقليدية عن دورها في الحياة السياسية والتنمية، بل يتعدى ذلك إلى فاعلية إعادة تأسيس مفهوم المواطنة لوقف إرث مرحلة الاحتلال وإفرازاتها في الحياة السياسية والاجتماعية.

وهذه العملية ينبغي أن يشترك فيها رجال الحركة الوطنية العراقية والمدافعون عن سيادة العراق وقادة الرأي والنخب المثقفة والمتعلمة، وتبني مرحلة وطنية شاملة تؤسس لمفاهيم جديدة في بيئة ديمقراطية وآفاق من المشاركة الشعبية.

وانطلاقا من هذه الرؤية خلص العقيدي إلى أنه تأتي في مقدمة الإجراءات المطلوبة للانتقال بالعراق إلى مرحلة سياسية جديدة يساهم فيها أبناء الشعب العراقي لتغيير الواقع الذي خلفه الاحتلال وإزالة آثاره، ضرورة تعزيز النظام التعليمي في العراق بزيادة الجرعات الوطنية والقومية في المناهج والمقررات الدراسية، وكذلك في وسائل الإعلام والخطاب الرسمي وممارسات السياسيين وبرامج الأحزاب السياسية وتحصين الشباب ضد التغريب السياسي وفقدان الهوية.

ويحتاج الواقع الجديد إلى إعادة غرس المفاهيم للتمييز بين الخيانة والإخلاص، وبين الوطنية والعمالة، بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، التركيز على غرس القيم السياسية الوطنية والتي من شأنها الإرتقاء بالسلوك السياسي للشباب وتنقيته من ممارسة العنف ورفض الرأي الآخر.

كاتب مصري

6