شباب المدينة المنورة يحيون الأكلات الشعبية في رمضان

يعتبر الكثير من الشباب شهر رمضان مصدر رزق لهم فيعرضون على البسطات الأكلات الشعبية مثل البليلة والتيمكاتيك (الآيس كريم) والأكلات السريعة المختلفة مثل الذرة والبطاطس المسلوقة، وغيرها من البضائع المختلفة كتلك التي يعرضها تجار لعبة الفريفرة التي يعشقها الشباب.
الأربعاء 2017/06/21
لكل بائع بليلة أسراره

المدينة المنورة (السعودية) - تنتعش أحياء منطقة المدينة المنورة خلال شهر الصيام بحركة تجارية تقودها الأسر التي تستثمر خبراتها في صناعة شتى الأكلات الشعبية المعروفة في المنطقة مثل البليلة والبطاطس والترمس والسوبيا وبعض المعجنات، وبيعها طازجة إلى المارة من زوّار المدينة المنورة الذين يحرصون على تذوق نكهتها المدنية.

وتحرص الأسر على سلامة وجودة ما تقدمه من أكلات شعبية، ناهيك عن عرضها أمام المتسوقين بطريقة آمنة من خلال تغليفها أو وضعها في أوان حافظة تمنع تعرضها لأي ملوثات، في حين تكون أوقات البيع إما قبيل الإفطار أو بعد التراويح حيث الأجواء المناخية المعتدلة التي تجعل الزائر يسعد وهو يتجول بين البسطات والعربات الممتلئة بمختلف الأكلات الشعبية المشهورة في المدينة المنورة.

وجنبا إلى جنب تتوزع في أحياء المدينة المنورة بسطات رمضانية يبيع أصحابها من الشباب السعودي مأكولات رمضانية أخرى متنوعة ذات طابع مديني وحجازي مثل الكبدة والمعجنات والحلى والسمبوسة واللقيمات والمنتو والبطاطس المسلوقة.

على الرغم من تنوع أصناف المأكولات الرمضانية إلا أن محلات بيع البليلة تزدحم في هذا الشهر الفضيل بروادها من أهالي المدينة وزوارها الذين يقبلون على هذه الوجبة ذات الطابع الرمضاني، فيما تتزين العربات الخاصة بالبليلة بمختلف الإضاءات والفوانيس والأجراس لجذب الزبائن في جو تنافسي تغلب عليه الحميمية والمودة بين البائعين.

السلطات والمخللات المتنوعة تعطي البليلة نكهة ومذاقا مميزين يستهويان الزبائن

ومما يلفت نظر الزائر إلى هذه الحركة التجارية مشاركة أفراد الأسرة في بيع منتجاتهم، فتجد الأب مع أبنائه، أو الأم مع أحد أطفالها، في صورة من صور التكاتف الأسري التي تعود بالنفع على الجيل الصغير الذي يرتفع لديه حس استثمار الوقت في الأشياء المفيدة، إلى جانب تأهيل الشباب لإدارة العمل الحر، وتحمل مسؤوليات الحياة.

تقول أم عمار وهي إحدى الأمهات اللاتي حرصن على إدخال أطفالهن إلى هذه السوق المفتوحة للاستفادة والتعلم من الحياة “لا أنشغل خلال شهر الصيام عن أسرتي وأبنائي الذين أحرص عليهم، وأهتم بهم من خلال توجيههم لاستثمار عظمة هذه الأيام في التقرب إلى المولى، وأجعلهم يقضون الوقت المتبقي لهم في ما يفيدهم، من خلال بيع الأكلات الشعبية الخفيفة التي لا يكلفنا إعدادها الشيء الكثير، ولها مردود مادي مقبول، وتساعد الجيل الصاعد على الارتقاء بثقافة العمل لديه واكتساب ميزة الصبر، والتعلم من الآخرين”.

وأشارت أم عمار إلى أن أحد أبنائها شعر بالحرج في بداية مزاولته بيع الأكلات التي تطبخها، لكن عندما شاهد أبناء الجيران يتسابقون مع آبائهم للبيع وهم يشعرون بالفخر، تغيرت وجهة نظره، وبدأ يطلب منها أن تنوّع الأكلات حتى يتمكن من تلبية ذائقة الزبائن، إلى أن أفرد بسطة له تحمل أكلات متنوعة تخرج طازجة من المنزل.

أم إبراهيم، تؤكد أن أبناءها يبيعون ما تطبخه على البسطة بكل فخر، ويرددون أهازيج شعبية لاستقطاب الزبائن كما يرددون عند بيع البليلة منشدين “بليلة بللوكي.. بالطرشي والخل زينوكي”، مبينة أنها تحرص على اقتناء مكونات البليلة من السوق، وتطبخ يوميا ما يقارب سعة أربع من الأواني الكبيرة.

يعتقد بائع البليلة الشاب الصغير محمد هاني أبوربيعة أن البسطة تمثل موروثا جميلا للعائلة وارتباطا وثيقا للأجيال جيلا بعد جيل، ليس لدى الشباب فقط بل وحتى النساء في المنازل لأنهن يقمن بإعداد البليلة، بينما يعتبر المواطن عادل الحيسوني البليلة وجبة خفيفة على المعدة وسهلة الهضم.

رمضان شهر الرزق والبركة

وبوسع الموجودين في بعض الساحات المحيطة بالمسجد النبوي أو مختلف أحياء المدينة القديمة والحديثة سماع أصوات باعة البليلة وهم يرددون الأهازيج التي تجلب الزبائن إلى بضاعتهم.

ويرى العديد من المواطنين أن للبليلة مذاقا خاصا في شهر رمضان، إذ يؤكد المواطن خالد اللقماني حرصه على تناولها باستمرار بعد أداء صلاة التراويح إلى جانب اقتنائها لأفراد أسرته في المنزل.

من جهتها قالت الأم حميدة حسن “لقد تخصصنا في بيع البليلة التي ورثناها عن والدي حيث كان يبيعها في رمضان، ويتراوح سعر الوعاء الصغير منها في المتوسط من ثلاثة ريالات إلى خمسة ريالات، بينما الكبير يصل إلى عشرة ريالات، وفقا لنوع الخلطات التي تحتوي عليها”.

العمة أم عبدالرحمن قالت “لدي ثلاثة أبناء يعملون على بسطة في أحد أحياء المدينة المنورة، يبيعون، البليلة والفشار والبطاطس ولعبة الفرافير، ومع دخول شهر رمضان زادت حركة بيع البسطة وأصبحت تدر علينا الدخل المعقول”.

ولكل صاحب بسطة بليلة سر خاص في طهيها ليجذب بمذاقها الزبائن إليه، وتشير أم عبدالرحمن إلى أن مكونات البليلة هي حمص مسلوق لكن السر في طبخها وإعداد السلطات والمخللات المتنوعة التي يتم وضعها على البليلة لتعطي نكهة ومذاقا مميزين حتى تستهوي الشباب وكبار السن على حد سواء.

الشاب سعد الحجيلي الذي يدرس في المرحلة الثانوية بمنطقة بئر عثمان يقول، إنه يبيع البليلة على بسطته التي تزينت بزينة جميلة وبأنوار فوانيس رمضان. وبيّن أن البسطات الشعبية في المدينة المنورة ظاهرة قديمة، وأبرز ما يقدم من خلالها البليلة التي يتم إعدادها من الحمص اليابس، وكربونات وزيت الزيتون، ثم يسلق الحمص مع ملح وليمون على نار مرتفعة، وعندما يغلي يُترك مغطى على نار هادئة لمدة ساعة، ثم يصفى من الماء وينقل إلى القدر المخصص للعرض.

يقول الحجيلي “أقوم بطبخ البليلة بنفسي من أول رمضان، والبيع في هذه الأجواء الرمضانية الجميلة من بعد التراويح إلى قبيل الفجر لا يعادله شيء، حيث يكثر الزبائن من مختلف الجنسيات والأعمار”، مفيدا أن بيع البليلة يعلم الإنسان الصبر، وحرفية التجارة، وكيفية التعامل مع الناس، ناهيك عن فوائدها الاقتصادية.

ويقول البائع فهد الجهنمي إن من بين الباعة شبابا في المرحلة الجامعية، ويوجد موظفون حكوميون يأتون كل عام لأجل التكسب والاستمتاع بالسهرات الرمضانية في شوارع المدينة القديمة والحديثة.

ويضيف أن المدينة المنورة تتميز بأجواء رمضانية حيث يتناول الساهرون ما تعرضه البسطات في الهواء الطلق على إيقاع الأواني وأدوات الطهي بالتزامن مع الأهازيج الحجازية التي تذكر بتاريخ المدينة العريق، وقد صارت البسطات من الثقافة الشعبية حيث يرتدي أصحابها الملابس التقليدية القديمة التي تحاكي باعة أيام زمان.

20