شباب المغرب في مواجهة الجهل

الاثنين 2014/06/30

أستغربُ هذا التألق الفكري الذي بدأ يتراءى في أوساط الشباب المغربي خلال الآونة الأخيرة، وهو تألق غير معهود، كما لو بزغ على حين غرّة دون سابق ترقّب، أو كما لو انفجر فجأة كالسيل الجارف على أرض أوشكت أن تصير قاحلة. نعم، يحقّ لنا أن نستغرب هذا التألق الذي منح للحضور المغربي في منتديات التواصل الاجتماعي ميسماً عقلانياً خاصّاً ومشهوداً به.

وجه الاستغراب أنّ هذا الحضور المتألّق الذي يزعج البعض ويسعد الكثيرين لا يتناسب مع أحوال البلد، ولا هو يلائم المناخ المغربي العام كما نحياه ونحيا فيه: لدينا تعليم في الحضيض، وإعلام فارغ من الثقافة، ورئيس حكومة لا يعرف من العالم سوى مواقيت الصلاة، ووزراء وقادة وبرلمانيون لا يكتبون رأياً، لا يقرؤون كتاباً، لا ينشرون شيئاً يُقرأ أو يُذكر، وإسلاميّون لا تسمع منهم إلا لغوا وتأثيما، وجوههم عابسة مكفهرة كأنهم ينتظرون قيام الساعة، ويساريون يمضون معظم أوقاتهم في الحانات يعربدون وأساتذة جامعيون يتاجرون في رسائل الماجستير، وأحيانا مقابل وجبات غداء وعشاء، ومراكز بحث نادرة وفقيرة إلى “رحمة الله”، ورؤساء صحف يكتبون بالتوصيات، ويصمتون بالتوصيات، لا يصنعون رأيا، لا يثيرون نقاشا، ولا ينتجون موقفاً.

لم يبلغ تحقير العقل النقدي وتهميش المعرفة العلمية وتتفيه الثّقافة التنويرية وتبخيس الذّكاء الإنساني مثل هذا المبلغ، لم يبلغ تعطيل الخلايا الدماغية مثل هذا القدر من الفظاعة، علماً بأنّنا في عصر أصبحت فيه المادة الرّمادية (الدماغ) هي المادّة الأولية.

هكذا، يبدو السؤال مبرراً ومشروعاً: ما سرّ التألّق الفكري لهؤلاء الشباب المغربي المكافح في وقت تراجعت فيه نسبة القراءة عندنا إلى مراتب متأخرة دوليا، وبلغت منظومتنا التعليمية الدّرك الأسفل من الحضيض، ولم تعد كلمة المعرفة ضمن منطوقات النقاش العمومي؟

كيف نفهم هذه المبادرات المتألقة، من قبيل «الفلسفة في الزنقة»، و«نوضو تقراو»، و«القراءة للجميع»، وتركيز عدد من الفصائل الطلابية على المسألة الثقافية، في وقت لا توجد فيه أيّة مؤسسة أو هيئة رسمية أو شبه رسميّة تعنى بالحق في التّفكير؟

تذكرني هذه المفارقة بمقولة سمعتها قبل سنوات من أحد الناشطين الإيرانيين: عندما كانت الدّولة في عهد الشاه تمنع الصلاة في الشّارع وتشجع على الرّقص، كنا نرقص في بيوتنا ونخرج إلى الشارع للصلاة، كشكل من أشكال الاحتجاج السياسي على “حداثة” مفروضة، وعندما أصبحت الدولة في عهد الخميني تمنع الرّقص في الشارع وتشجع على الصلاة، بدأنا نصلي في بيوتنا ونخرج إلى الشارع للرقص، كشكل من أشكال الاحتجاج السياسي على «تديّن» مفروض. قياسا على ذلك، ألا تكون هذه المبادرات الثقافية للشباب المغربي نوعاً من الاحتجاج على سياسة تصرّ على نشر الجهل وإشهار الجهالة؟ لربّما الأمر كذلك، أو هكذا نأمل.


كاتب مغربي

8