شباب تونس فريسة لعقود العمل الوهمية بالخارج

في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة تعيشها تونس في السنوات الأخيرة، ومع ارتفاع نسبة البطالة أصبح الحصول على فرصة عمل بالخارج حلما يراود العديد من التونسيين.
السبت 2017/01/28
الحلم يتحول إلى كابوس

تونس - قالت وزارة الداخلية في بيان أصدرته، الجمعة، إنه على إثر تعرض 5 أشخاص لعملية تحيّل مقابل تمكينهم من عقود عمل بالخارج، باشرت إحدى الفرق التابعة للإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية بإدارة الشرطة العدلية أبحاثها في الموضوع وأمكن إيقاف امرأة مورطة في القضية.

وأكدت الداخلية أن المشتبه بها اعترفت، بعد التحري معها، بإسنادها عقود عمل وهمية منسوبة إلى شركتين أجنبيتين كانتا متعاقدتين مع شركة والدتها وسلمتها للمتضررين بدعوى استغلالها في الحصول على تأشيرات سفر وتحصلت منهم على مبلغ مالي جملي قدره 6500 دينار.

ويبدو الحصول على فرصة عمل خارج تونس حلما يراود العديد من أبناء هذا البلد الذي يعيش وضعا مترديا اقتصاديا واجتماعيا وتنمويا، وتنحصر أغلب هذه الأحلام في تأمين المستقبل من خلال الحصول على وظيفة قارة وبمعاش شهري محترم يمكن صاحبه من توفير حياة مرفهة.

ويرى التونسيون في بلدان الخليج والبلدان الأوروبية الوجهات الأمثل التي يطمحون إلى الاستقرار بها بهدف العمل، ولكن الحياة ليست وردية بالنسبة إلى جميع من يغادرون تونس بحثا عن جنة منشودة، فالعديد منهم يقع بين مخالب الشركات الوهمية ويتم استغلالهم اقتصاديا أو مهنيا.

وقال أيمن (اسم مستعار)، وهو شاب تونسي في الثلاثين من عمره، غادر إلى قطر منذ أكثر من سنة، في تصريح لـ”العرب”، إنه تحصل على عرض عمل في مجال المبيعات، حيث يشمل العقد توفير التنقل والسكن كأمر مستقل عن مرتبه، مع توفير نسبة على المبيعات التي ينجزها.

وواصل أيمن حديثه قائلا “عندما وصلت إلى الدوحة تم عرضي على الفحص الطبي وأخذوا مني جواز سفري كي يستكملوا إجراءات إقامتي هناك”.

وأضاف قائلا إنه عندما قدموا له عقد العمل اكتشف أنه يختلف كثيرا عما تم الاتفاق عليه في البداية قبل مغادرته تونس، ليدخل في دوامة من الوساوس خصوصا وأن جواز سفره ليس بحوزته.

“انتابتني أحاسيس غريبة حينها أشبه بالوساوس ففي حال ضياع جواز السفر هنا إجراءات الحصول على آخر جديد معقدة وتستغرق الكثير من الوقت”، وأكد أنه فضل أن يوقع العقد حتى يتمكن من استرجاع جوازه وبالتالي يمكنه البحث عن حلول أخرى.

ويتمثل الاختلاف بين الاتفاق الأول وما يوجد على العقد في الحصول على أجر شهري كامل دون توفير بدل السكن والتنقل، حيث يؤكد محدثنا أن ذلك يحدث فرقا في حال أراد ترك العمل والحصول على تعويض حيث سيتم احتساب المرتب الأساسي الذي سيكون عندها دون القيمة الكبيرة.

وأكثر ما يثير استياء أيمن هو ضرورة أخذ إذن الكفيل أو “عدم ممانعة” من قبله في كل تحركاته، حسبما يضبطه قانون الكفالة هناك، مثل السفر أو طلب الحصول على قرض بنكي أو الرغبة في الحصول على رخصة قيادة السيارة “وجدت نفسي تحت رحمته في كل شيء”.

وأضاف “حتى طبيعة العمل اختلفت فأصبحت أشتغل حتى بالمهام التي لا تدخل في اختصاص المبيعات”، ويؤكد أن من يتعرضون إلى التحيل أو الاستغلال أو يحصلون على عقود وهمية إذا أرادوا التقدم بشكوى لدى المصالح الرسمية يتلقون اللوم في كل مرة لأنهم وقعوا على هكذا عقود من البداية.

ويتجنب العديد من الذين تحصلوا على عقود عمل في الخليج والتي لا تتناسب مع توقعاتهم وما تم الاتفاق عليه مسبقا التقدم بشكاوى وإثارة مشكلات في البلد المضيف وذلك خوفا من أن تثور حفيظة الكفيل فيلغي مسألة الكفالة وهو ما يعني ترحيل العامل إلى بلده الأصلي ويمنع من دخول قطر لمدة سنتين.

فرصة عمل خارج تونس حلم يراود العديد من أبناء هذا البلد الذي يعيش وضعا مترديا اقتصاديا واجتماعيا وتنمويا

ويسافر البعض إلى بلدان الخليج بما يسمى “تأشيرة سفر حرة”، تباع عن طريق شركات خاصة ليبحث المتحصل عليها عن فرصة عمل بمفرده عند وصوله إلى البلد المضيف، كما يتم نقل الكفالة إذا سويت الأمور.

ويشتري تونسيون عقود عمل في بلدان الخليج من تونس وعند الوصول إلى مطار البلد المضيف يكتشفون أن الشركة وهمية ولم تعد تمارس نشاطها. كما يسافر آخرون بتأشيرة سياحية حيث توهمهم الشركات التي سهلت إجراءات السفر لهم أنهم سيحصلون على عمل في ما بعد ولكن شيئا من ذلك لا يحدث، ويجدون أنفسهم في إقامة غير شرعية مما يترتب عنه دفع خطايا مالية.

وتستغل الشركات الوهمية السمعة التي تحظى بها البلدان الخليجية بخصوص توفيرها لمرتبات مرتفعة والطاقة التشغيلية التي تتمتع بها لتصطاد في المياه العكرة، فقطر ليست سوى أحد الأمثلة عن البلدان المضيفة التي تحدث بها مثل هذه التجاوزات.

ويبدو أن بلدان الخليج تحظى بالنصيب الأكبر من قطاع العقود التشغيل الوهمية مقارنة بالبلدان الأوروبية، وتعود أسباب ذلك إلى اختلاف قوانين الهجرة بين بلدان الخليج وبلدان أوروبا إضافة إلى الشروط الصعبة والإجراءات المشددة لمنح التأشيرات بالنسبة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي وغيرها من البلدان المتقدمة.

وتعمل الحكومة التونسية على تنظيم قطاع الوساطة وحماية طالبي الشغل من التواجد غير القانوني للبعض من المكاتب الناشطة في مجال التوظيف بالخارج، حيث وضعت إطارا قانونيا للمؤسسات الخاصة للتوظيف بالخارج.

وتهدف هذه المؤسسات إلى الاستفادة من إمكانيات التوظيف المتاحة لفائدة اليد العاملة التونسية واستكشاف عروض الشغل بالخارج سواء بالأسواق التقليدية كفرنسا وإيطاليا وبلدان الخليج العربي وكذلك بالأسواق الجديدة على غرار كندا وأستراليا والنمسا وألمانيا وبلجيكا.

وتحذر وزارة التكوين المهني والتشغيل كل طالبي الشغل الراغبين في العمل بالخارج إلى عدم التعامل مع المكاتب الخاصة للتوظيف بالخارج غير المتحصلة على الترخيص القانوني المسلم من الوزارة والتي تتولى نشر عروض شغل وهمية ومغلوطة وتحمل طالبي الشغل مبالغ مالية، خاصة وأن الإطار القانوني يمنع منعا باتا تحميل المرشحين للعمل بالخارج أعباء مالية.

وتوفر الحكومة على موقع الوزارات المتدخلة في مجال التوظيف بالخارج قائمة المكاتب المرخص لها للعمل في هذا المجال، حيث يبلغ عددها 20 مؤسسة.

4