شباب عرب يتمادون بالتحرش: نفتخر ولا نخجل

تفسيرات دينية مشوهة تمنح المتحرش صكوك غفران وتعزز ثقته.
الأحد 2018/09/09
ظاهرة مرضية تجد من يبررها

خرجت ظاهرة التحرش في بعض المجتمعات العربية عن كونها فعلا منافيا للأخلاق والقانون والقيم، وأضحت بطولة يتفاخر بها الشاب المتحرش بذريعة أن الفتاة تعرض مفاتنها، ووصل الأمر بالبعض إلى اعتبار التحرش نوعا من أنواع النهي عن المنكر.

القاهرة - لم يعد الحديث عن ظاهرة التحرش التي تنتشر في بعض الدول العربية يحمل جديدا عند تشخيصها أو توصيفها والأسباب التي تفضي إليها، لكن الخطر الجديد يكمن في اعتزاز قطاع من الشباب بتصرفاته المشوهة والتفاخر بها، بل ومحاولة تعميم الفوائد السلبية من خلال التوسع في نشرها والترويح لها باعتبارها من الممارسات العادية.

والمثير أن بعض الحكومات تنفخ فيها عمدا من باب إلهاء الشباب والفتيات بقضايا جانبية قد تشغلهم عن قضاياهم السياسية والاقتصادية الحقيقية.

من هنا تأتي الخطورة، لأن التحرش لم يعد ظاهرة اجتماعية وأخلاقية تقض مضاجع المسؤولين من كثرة ترديدها، لكنها أصبحت مثل النغمات المشروخة المكررة، عندما تحدث واقعة ينتفض الخبراء في التفسير والتحليل، ويفزع المسؤولون ويتوعدون الشباب المتحرشين، ويتعمدون تكثيف إلقاء الضوء عليهم إلى أن تهدأ العاصفة ويرجع كل فرد إلى جدول الأعمال السابق، لذلك لم تجد الظاهرة حلولا أو رؤية تعليمية وثقافية في بلد كبير مثل مصر بات التحرش فيه ظاهرة يشار إليها بالبنان في الكثير من التقارير المحلية والدولية.

لم يعد التحرش مرتبطا باستفحاله في أوساط الشباب وانتشاره بين الفئات العمرية الصغيرة منهم، لكن روافده تمثل أزمة أشد بعد أن تجاوزت مسألة التحرر والانفتاح العشوائي، لأن بعض الشباب يستندون إلى فتاوى دينية تبيح لهم التحرش بالفتيات. ومهما كانت مبررات هؤلاء، فقد أضحت تُكأة لدى البعض ليمارسوا هوايتهم أو شهوتهم في التحرش بالفتيات في الشارع أو مراكز العمل.

كشف الخلاف حول تحرش شاب بفتاة في منطقة التجمع الخامس في شمال شرق القاهرة مؤخرا، عن مسألة جديدة تتعلق بعدم خجل المتحرشين من أفعالهم، فعندما أذاعت الفتاة فيديو للواقعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تعامل معها الشاب المتهم بكل استخفاف، وحوله لصالحه، اعتمادا على سياسة تبرير الفعل وأسبابه وإلقاء التهمة على المتحرّش بها.

عكست واقعة الفتاة التي تعمدت تصوير الشاب الذي قام بمعاكستها في الشارع  اختلالا كبيرا في وعي الكثير من الشباب بقضية التحرش، حيث تفاخر الشاب بأنه ارتكب فعله لأن الفتاة كانت مثيرة في مفاتنها، وعلى سبيل التسلية أيضا، وكان لافتا للانتباه أنه تحول بعد ذلك إلى نجم تلفزيوني، حيث استضافته بعض المحطات الفضائية المصرية ليروي قصته وهو في غاية السعادة، دون أن يبدي ندما على تصرفه.

حالة هذا الشاب ليست الوحيدة في مصر، فهناك آخرون من المراهقين يتسابقون في من يستطيع ملامسة كتف فتاة تمر في الشارع، ويدخل بعضهم في رهانات مادية سخية، منهم من يربحها وغالبيتهم يخسرونها لأن المارة يطاردونهم. لذلك يبدو الانفصام واضحا بين نظرة البيئة المحيطة وقطاع من الشباب، وتؤدي النظرة المتفاوتة في التقدير إلى تكرار التحرش.

يرفض الكثير من الشباب اتهامات السيدات بأنهم يخترقون خصوصياتهن ويقوضون حرياتهن ويرهبون تحركاتهن في الشارع عن طريق التعدي اللفظي والجسدي. ويبرر البعض بأن هناك سيدات “يتحن الفرصة للتحرش بهن، لأن ذلك يشعرهن بالزهو والسعادة والجمال”.

هي مفارقة تبدو غريبة للبعض، لكنها تحدث في بعض الأماكن، والأكثر من ذلك أن بعض الشباب يتعرض لتحرش لفظي من فتيات مراهقات، وهي عملية لم يتطرق إليها كثيرون لأنها تبدو ضد السياق العام المدفون في وجدان المجتمع.

أحمد مراد، إعلامي مصري على مشارف الخمسينات، قال لـ“العرب”، “هناك ظلم يقع على الشباب عندما نحصر التحرش فيهم فقط، لأن البعض من الكبار يقدمون عليه، ومنهم من يستغل وظيفته أو شهرته ليمارس هذا الفعل مستغلا نفوذه المادي أو المعنوي”.

تحدث مراد عن موقف يكاد يكون معروفا لمن في مثل سنه بمصر، عندما كان أحد الفنانين الكبار يحلو له أن يمشي ليلا في ميدان شهير بوسط القاهرة لمعاكسة الفتيات والتحرش بهن.

تواصل لا تحرش

الضحية في مواجهة الاتهام
الضحية في مواجهة الاتهام

 مؤخرا، أي مع التحول غير المتوقع في ردة الفعل العامة تجاه الشاب المتحرش بالفتاة في حي التجمع الخامس الراقي، الذي جاء عكس غاية الفتاة في فضحه ومحاسبته، فقد أصبح شخصية مشهورة وجذابة، شجعه البعض بحرارة على تصرفه والتقط معه آخرون صورا تذكارية، لأنه تفاخر بتحرشه ودافع عنه بجرأة نادرة.

تجمع نظرة المجتمع للمتحرش بين رأيين، الأول أنه يتسق مع حالة التردي والانفلات الأخلاقي التي طالت فئات كثيرة من الشباب والفتيات، المتحرش والمتحرش بها، والآخر أن إقدام الشاب على التحرش تصرف منطقي مع تراجع معدلات الزواج وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

يلتقط أحمد. ز، شاب في العشرينات من العمر، ذلك الخيط ليفسر نظرة الكثير من الشباب إلى قضية التحرش بشكل عام، رافضا أن التحرش مرتبط بعمق أو ضعف النسق الأخلاقي والثقافي، لأن الكثير من الشباب المتعلم والناضج يتحرشون بالسيدات كنوع من التسلية وتجديد نمط الحياة وكسر الملل الذي يشوبها بسبب البطالة.

ويبرر في حديثه لـ“العرب”، مساندة المتحرش قائلا  “البعض يحاول التواصل مع فتاة أعجبته في الشارع فيحاول الحديث معها للتعارف، فتعتبر ذلك نوعا من التحرش، رغم أن تلك طريقة متبعة في الكثير من الأماكن، لكن لأننا مجتمع خجول يتم فهم هذا التصرف على أنه تحرش، ونطارد صاحبه”.

يتابع “يبحث الشاب عن فتاة للزواج، وتشتكي الفتيات من عزوف الشباب عن الارتباط بهن وعندما يسعى البعض للاقتراب والتعارف تسارع الفتاة بالصراخ والشكوى والاتهام بالتحرش، فكيف سأتعرف عليها ما لم أقتحم حياتها بمعاكسة أو كلمة لطيفة تجذب انتباهها”.

يرتبط تقدير أحمد بما يشير إليه بعض الخبراء بشأن علاقة التحرش بالأزمة الاقتصادية التي عصفت بالشباب الراغبين في الزواج، وباتوا مجبرين على الانتظار كثيرا، ليصبحوا قادرين على تلبية احتياجات الحياة الزوجية، وقبلها متطلبات الزواج نفسه.

تتجه أصابع الاتهام إلى الكبت الجنسي لدى الشباب، خاصة في المجتمعات التي ترى أن عدم قدرة الشباب على إخراج تلك الطاقة في شكلها الطبيعي يسفر عن انطلاق ظواهر غير صحية في المجتمع، منها الرغبة في الاحتكاك بأجساد السيدات وملامستهن.

على النقيض، يرى إبراهيم السراج، شاب في بداية عقد الثلاثينات، أن الرجال ليسوا حيوانات لا تستطيع التحكم في رغباتها، “فالتحرش مرفوض، وأمر يسرق من الفتاة شعورها بالأمان، والتدهور الأخلاقي وانتشار الجهل والبطالة من الأسباب الحقيقية وراء انتشاره”.

فراغ وعجز

متحرش: الفتيات يشتكين من عزوف الشباب عن الزواج وعندما يقترب أحدهم منهن للتعارف يسارعن بالصراخ والشكوى
متحرش: الفتيات يشتكين من عزوف الشباب عن الزواج وعندما يقترب أحدهم منهن للتعارف يسارعن بالصراخ والشكوى

يرتبط التحرش اللفظي من قبل البعض بمساحة الفراغ لدى الشباب والعجز عن سدها، وسبب ذلك زيادة نسبة البطالة التي تصطحب معها غيابا في الوعي والتربية السليمة، ما يجعل إقدام شاب على فعل مشين أمرا لا يخجل منه.

يقول السراج لـ“العرب”، “الأزمة تكمن في أن الشاب المتحرش يرى أن الفتاة التي تقف في الشارع أو تتجول في متجر أو ترتدي ملابس ضيقة تسعى للتحرش بها، وتدعو الشباب لملامستها، وهو اعتقاد خاطئ وساذج إلى حد كبير”.

وتشير سوسن فايد، أستاذة علم النفس السياسي بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية في القاهرة، إلى أن انتشار المخدرات في أوساط الشباب من الدوافع الرئيسية إلى تنامي ظاهرة التحرش، فقد تكون تصرفات الشاب في تلك الحالة لا شعورية ويعاني في معظم الأوقات من عدم اتزان، ينعكس على تفشي التحرش بأساليب عنيفة مستحدثة.

وتضيف لـ“العرب” أن قطاعا كبيرا من الشباب يعاني فراغا فكريا وحياتيا يدفعه إلى ارتكاب سلوكيات تثير انتباه الآخرين، كما أن الزحام الذي تكتظ به بعض المدن يشكل بيئة جاذبة للتحرش، ويساعد المتحرشين على ارتكاب جرائمهم بسهولة ويتمكنون من الهرب.

وتوضح أن غياب الأهداف القومية والاهتمامات الثقافية والفكرية ومعاناة غالبية الشباب من التهميش لهما تأثير مباشر على ارتكاب جرائم وأفعـال غيـر سـوية للتعبير عـن أنفسهـم، وتلك المشكـلات لا تـواجه بمعالجة دينية وتعليمية ومجتمعية سليمة.

تبرير ديني

كشف صياح البعض ضد فتاة التجمع في مصر، بعد أن امتلكت شجاعة سرد واقعة التحرش بها، عن تحميلها مسؤولية التحرش بها بسبب طبيعة ملابسها المتحررة. وهو ما طرحه شاب يدعى سمير فرج على حسابه على فيسبوك بعد أن نشر للفتاة ذاتها صورة بملابس البحر، وقال “بالله عليكم، أليس التحرش بتلك البنت واجبا وطنيا ودينيا، فأحيانا يحتاج البعض إلى التحدث معهن بشكل غير لائق كي يستيقظن من سباتهن العميق ويعدن إلى شرع الله ودينه”.

ربط هذا الشاب والكثير من رفاقه بين التحرش والفتاة غير الملتزمة بالزي الديني، وأشاروا إلى أن مواجهتها بجميع الأشكال نوع من أنواع النهي عن المنكر.

ورصدت هيئات مختصة بمواجهة ظاهرة التحرش في مصر، منها المجلس القومي للمرأة، أن النسبة وصلت إلى نحو 80 بالمئة بين السيدات، ولا يقتصر على الفتيات اللاتي يرتدين ملابس قصيرة، لكن النسبة شملت محجبات ومنتقبات، ما يشي بأن التحرش في حقيقته لا يرتبط بالفتاة نفسها أو دينها، فهو جزء من سيكولوجية فكرية للشباب الذين يرون في ما يفعلونه متعة.

وقلب البعض من الشباب الصورة، وقالوا إن تلك الظاهرة تعبر عن رغبة في إصلاح المجتمع، فإذا وجدت الفتاة التي ترتدي ملابس قصيرة أو تمارس تصرفا مثيرا للغرائز أنها سوف تتعرض للتحرش فقد تكف عن تكرار هذه التصرفات.

التدين الظاهر يمثل عاملا مشتركا بين العديد من الشباب يدفعهم إلى إلقاء اللوم على الفتيات لتبرير أفعالهم بحجة أنهن سافرات
التدين الظاهر يمثل عاملا مشتركا بين العديد من الشباب يدفعهم إلى إلقاء اللوم على الفتيات لتبرير أفعالهم بحجة أنهن سافرات

هذا التطور دعا مؤسسة الأزهر لأول مرة مؤخرا إلى إصدار بيان حرّمت فيه التحرش بكافة أنواعه، مشددة على رفض تبرير التحرش بأي سياق أو شرط، وعدم إلقاء اللوم على النساء، وهو ما “يعبر عن فهم مغلوط لما في التحرش من اعتداء على خصوصية المرأة وحريتها وكرامتها”.

وتشير هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، إلى أن التدين الظاهر يمثل عاملا مشتركا بين العديد من الشباب يدفعهم إلى إلقاء اللوم على الفتيات لتبرير أفعالهم بحجة أنهن سافرات.

وتؤكد لـ“العرب” أن غياب الأخلاق يجعل الشباب يقتدون بنماذج تشجع على التطرف والعنف والإقدام على تصرفات كبيرة تبرر أخطاء صغيرة، ما يؤكد أن تأثير المؤسسات الدينية يكاد يكون معدوما، ويسير هؤلاء الشباب وراء آخرين لهم أفكار ومعتقدات تصل إلى حد الشذوذ الفكري.

تحاول جميع التبريرات التي يقدمها الشباب إلقاء المسؤولية على الآخرين وعدم الشعور بالذنب أو الاهتمام بمنظور الحرية الشخصية وانتهاك الخصوصية.

يقول جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن التربية الأسرية المختلة تساهم بشكل رئيسي في تصرفات الشباب غير السوية، كما أن التساهل في تنفيذ طلبات الطفل يدفعه في ما بعد إلى الذهاب باتجاه ارتكاب أفعال غير أخلاقية للوصول إلى الفتاة باعتبارها هدفا لا يستطيع الوصول إليه.

ويشير لـ“العرب” إلى أن هناك جملة من المؤثرات النفسية تؤدي إلى تشكيل وعي الشاب وتصرفاته تجاه الفتيات، منها التربية والخبرات الحياتية، لافتا إلى أن تكرار حوادث التحرش يؤدي إلى زيادة معدلاتها، إلى أن تتحول إلى فعل عادي، ما ينعكس على نظرة المجتمع إلى تلك الحوادث، حتى أضحت تمر كأنها مشكلة حياتية يومية عادية.

ويوضح أن البعض من الشباب المتحرش يعانون من اضطرابات نفسية تدفعهم إلى إلحاق الإيذاء الجسدي واللفظي بالطرف الآخر من دون أن يعير اهتماما بالآثار السلبية المترتبة على ذلك، وظهرت تلك الاضطرابات من خلال ردة فعل الشاب الذي تحرش بفتاة وحاول إيهام الرأي العام بأن ما قام به يعد أمرا طبيعيا، وبرهن على ذلك بفيديو آخر نشره بصحبة فتيات أجانب بمدينة الغردقة السياحية على البحر الأحمر.

وما لم يتم التخلي عن النظرات التقليدية إلى التحرش سوف تظل الظاهرة عبئا على كاهل المجتمع، ومن الضروري مراعاة التطورات التي لحقت بنظرة الشباب المتحرشين وعدم تجاهلها، فالتأمل بعمق في مكوناتها يؤدي إلى التمكن من وضع رؤية ناجحة للعلاج.

19