شباب فلسطين.. من انتفاضات التحرر إلى حلم الهجرة

لا يمكن معاملة ظاهرة الهجرة لدى الفلسطينيين كمعاملة نفس الظاهرة لدى مجتمعات أخرى، ذلك أن للمسألة بعدا يتعلق بمستقبل فلسطين بالمعنى الجغراسياسي وبموقع الدولة الفلسطينية في ما يرسم للمنطقة برمتها. فإذا ما كانت حدود دول المنطقة مهددة وقابلة للتبدل وفق ما ستؤول إليه موازين القوى، فإن تراجع الوزن الديموغرافي الفلسطيني عن طريق الهجرة، الاختيارية هذه المرة، سيلقي بثقل مباشر على تقويض مناعة الدولة الفلسطينية العتيدة. فبعد أن كان الاحتلال يمارس تسلطه من أجل قضم الأراضي وإقامة دولته، أًصبح الفلسطينيون أنفسهم اليوم يميلون نحو ترك تلك الأراضي والمغادرة نحو أوروبا أو أميركا، وهذا ما تؤكده الأرقام والإحصاءات كل يوم.
السبت 2016/08/13
رؤية مقلوبة لمستقبل فلسطيني غامض

رام الله - منذ أن كانت القضية الفلسطينية مركزا لاهتمام العديد من الحركات السياسية والشعبية والاجتماعية العربية طيلة العقود التي مرت منذ نكبة 1948، فإن فلسطين الآن أصبحت “قضية طاردة لشبابها” في هذه الأيام حسب مراقبين، نظرا إلى التحولات العميقة التي شملت الداخل الفلسطيني والمحيط القريب والبعيد المؤثر في مسار السلام بالمنطقة.

وتظهر إشكالية تحول فلسطين من قضية تحرير إلى قضية هجرة في عدد من المؤشرات التي أصبحت ملموسة وصادرة عن مؤسسات فلسطينية بذاتها، من بينها ما صدر مؤخرا عن مركز إحصاء رسمي بمناسبة اليوم العالمي للشباب. حيث أظهر تقرير رسمي، عشية اليوم العالمي للشباب 12 أغسطس الجاري، أن 24 بالمئة من الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، يرغبون بالهجرة من بلادهم بشكل دائم أو مؤقت.

وجاء في تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (حكومي) الخميس الماضي، أن ربع الشباب الذي يترواح عمره بين 15 و29 عاما لديه الرغبة في الهجرة إلى الخارج “ويبدو أن للأوضاع السائدة في قطاع غزة دورا في زيادة نسبة الرغبة في الهجرة للخارج”. فقد أكدت العديد من التقارير أن ارتفاع نسبة الجريمة والاعتداءات في القطاع تؤكد حدوث تغيرات عميقة داخل التركيبة الاجتماعية بداية من تراجع نسبة الطبقة الوسطى المكونة من الموظفين والعناصر الحكومية وغيرها لتعود أغلبها إلى مستوى دون ما كانت عليه، فعمّ الشعور باليأس من التمدرس والقيام بمشاريع ذاتية وفتح المؤسسات الصغرى والمتوسطة نظرا إلى العطل في الدورة الاقتصادية بشكل عام، وهذا ما خلق شعورا عاما بعدم الرضا والرغبة في الخروج.

وبلغت نسبة الشباب الراغبين في الهجرة بقطاع غزة 37 بالمئة، مقابل 15 بالمئة في الضفة الغربية، فيما لا يفكر 63 بالمئة من الشباب الذين يرغبون في الهجرة بأن تكون هجرتهم دائمة، (73 بالمئة في الضفة الغربية و56 بالمئة في قطاع غزة).

بطالة

وتعود النسب المتفاوتة بين قسمي فلسطين (الضفة والقطاع) إلى طبيعة السياسة التي تدير المنطقتين، فحركة فتح التي تدير الحياة في الضفة الغربية تحاول أكثر ما يمكن أن تعيد الاستقرار إلى الحياة في المناطق التي تحت نفوذها وذلك عبر التركيز على التوزيع الدقيق للإعانات الدولية والتحكم في المشاريع الاقتصادية بطريقة تزيد من نسبة الدخل العام وتطبيق برامج معقولة في المستوى التعليمي والصحة والخدمات. لكن في غزة، إن نسبة الذين يرغبون في الهجرة أكبر بالنظر إلى قصور حاد في كوادر حركة حماس التي تحكم القطاع، وتنفيذها لبرامج اقتصادية واجتماعية لا يمكن أن تكون بناءة اليوم نظرا لكون الحركة إسلامية بالأساس.

أسباب التحول في الهجرة المؤقتة يتم لاعتبارات عديدة يقع على رأسها العمل من أجل تحسين الوضع المادي

ودخلت غزة خلال وقت سابق من العام الجاري، عامها الـ11 من الحصار الذي تفرضه إسرائيل عليها، عقب سيطرة حركة حماس على القطاع، وأغلقت المعابر كافة، بينما تواصل مصر إغلاق معبر رفح البري باستثناء أيام معدودة سنويا. وقد شكل هذا بالأساس نوعا من الاختناق لدى سكان غزة بشكل مكثف، جعل من الشباب يحاولون الخروج حتى بطرق أخرى غير تلك المتفق عليها.

وأظهرت النتائج أيضا أن ثلاثة من كل 10 شباب من الذكور مدخنون، بواقع 30 بالمئة في الضفة الغربية و14 بالمئة في قطاع غزة، مع اختلاف كبير على مستوى الجنس إذ بلغت 41 بالمئة في أوساط الذكور مقابل 5 بالمئة في أوساط الإناث، ومن ضمن النتائج الإيجابية أظهر المسح أن سبعة من كل عشرة شبان في فلسطين يستخدمون الكومبيوتر، وأن الشباب الذكور أكثر معرفة واستخداما للإنترنت من الشابات.

ومن ناحية أخرى فإن وجود وسائل التواصل الاجتماعي ودخولها إلى الحياة اليومية للشباب فتح أمامهم نوعا من الحلم لملامسة تطور العالم وتغيراته والعيش في مناخات أخرى غير مناخ الاحتلال والحصار والعيش في ظل حركة إسلامية. وتعرض القطاع منذ 2007 إلى ثلاثة حروب شنتها إسرائيل، كان آخرها حرب صيف 2014، أدت إلى مقتل نحو 2300 فلسطيني وإصابة 16 ألفا، وهدم 150 ألف منزل بشكل كلي أو جزئي.

من جهة أخرى، بلغ معدل البطالة بين الشباب الذي يتراوح عمره بين 17 و29 عاما حوالي الـ37 بالمئة، وبين الخريجين الشباب 51 بالمئة خلال الربع الأول من العام الجاري، ليسجل الخريجون من تخصص العلوم التربوية وإعداد المعلمين أعلى معدل بطالة بلغ 64 بالمئة، بينما سجل الخريجون من تخصص القانون أدنى معدل بطالة بنسبة 25 بالمئة. وبلغت نسبة الشباب بين 15 و29 عاما في فلسطين 30 بالمئة من إجمالي السكان، الذي وصل نحو 4.82 مليون نسمة، حتى منتصف 2016، حسب إحصاءات رسمية.

لغة الأرقام قد تشير إلى مستويات دقيقة في عدد المعطلين عن العمل ونسبة الرغبة في الهجرة وعدد من المؤشرات الأخرى، لكن العديد من الشهادات والمحادثات تؤكد أن الوضع لم يعد يتحمل فكرة أن يبقى الفلسطينيون في فلسطين، وهذا خطر كبير على نسبة التوزع السكني في فلسطين المحتلة والخزان البشري الذي يجب أن يحافظ على الحد الأدنى من المسألة الفلسطينية في أذهان الناس.

وتحت وقع الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة وضغط جيش الاحتلال على المعابر الرئيسية التي تؤدي من وإلى الضفة الغربية والحدود مع الأردن، أصبحت الحياة شديدة التعقيد من دون أن يكون لدى الفلسطينيين أي أمل في واقع نقيض في المستقبل، لذلك أصبحت الهجرة السلبية من فلسطين إلى خارجها (وهذا لا يتعلق باللجوء خارج البلاد) متزايدة باطراد وإذا لم يكن فعل الهجرة قد تم فإن الحلم بالهجرة يراود أغلب الشباب.

إلى جانب الحصار فإن أسباب التحول في الهجرة المؤقتة (في غالبيتها) يتم لاعتبارات عديدة:

◄ الاقتصاد: لا تخفي البيانات الإحصائية ارتفاع نسب الفقر والبطالة في المجتمع الفلسطيني، لا سيما لدى الشريحة الشابة. تتحدث الدراسات عن أن أكثر من ثلث الشباب يعاني من البطالة، حيث ترتفع نسبتها لدى الأعلى تعليما، ذلك أن حوالي نصف الخريجين عاطلين عن العمل. وتضيف الإحصاءات أن ثلث المجتمع الفلسطيني يعاني الفقر٬ مع ارتفاع في معدلات الفقر في قطاع غزة بشكل أكبر منه في الضفة الغربية.

◄ المجتمع: وأمر ذلك ليس بعيدا عن عامل الفقر، ذلك أن فقدان الفاعلية داخل الأسرة والمجتمع تدفع الفرد باتجاه تحري خلاص ما عن طريق طرق أبواب الهجرة سعيا وراء الانتقال من البيئة الأسرية والمجتمعية نحو بيئات أوسع يخالها مخرجا له ولأسرته. ويرى علماء النفس أن التوتر النفسي يرتفع لدى القلقين على مستقبلهم ولا سيما الخريجين الجدد، بحيث يتداخل الاجتماعي بالنفسي لتعظيم الحاجة إلى التغيير الكلي.

◄ الوضع الفلسطيني: يلحظ المتخصصون أن رواج المشاعر الوطنية في السنوات الأولى التي تلت تنفيذ اتفاقات أوسلو وصولا إلى تفجّر الانتفاضات كانت تشكل عامل جذب للشباب الفلسطينيين لعدم التفكير بترك مناطقهم والهجرة نحو الخارج. واعتبر الخبراء أن العصبية التي أحدثها الشعور الوطني المواجه للاحتلال، إضافة إلى الإيمان بقرب التوصل إلى شكل من أشكال الدولة أنتج معادلات صمود وبقاء، فيما أدى الانقسام الفلسطيني السياسي بين فتح وحماس وما ترتب عنه من انقسام جغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية إلى حالة من إحباط عامة ساهم العقم السياسي الذي تعانيه كل التيارات السياسية في تعميقها والإمعان في شدتها.

◄ التعليم: ولا يجب إهمال حاجة الشباب الفلسطيني إلى التطلع نحو مستويات تعليمية صلبة وذات صدقية دولية للولوج في سوق العمل العربي والدولي. ويرصد علماء الاجتماع ميلا جماعيا لدى الأسر الفلسطينية إلى إرسال أبنائهم إلى خارج فلسطين، مستفيدين أيضا من المنح الدراسية التي ترصدها دول العالم كما الدول العربية، ومنذ عقود، للطلاب الفلسطينيين.

ووفق معلومات مؤكدة، تشير التقديرات بأن أربعة آلاف فلسطيني بالمتوسط يهاجرون من الضفة الغربية سنويا في السنوات الأخيرة. وحسب معطيات وزارة الخارجية الفلسطينية تم التقدم بـ15 ألف طلب للهجرة منذ أواسط 2006 إلى حد اليوم للممثليات الدبلوماسية الأجنبية في الضفة الغربية، وتشير المعلومات إلى أن أغلبية المهاجرين من المواطنين الفلسطينيين المسيحيين، ولكنها اتسعت بعد ذلك لتشمل المسلمين منهم وحتى بعض الكوادر في السلطة الوطنية الفلسطينية وبعض المفكرين والتجار ورجال الأعمال، والمثقفين وأصحاب رؤوس الأموال.

حرب الديموغرافيا

تشهد فلسطين الآن بعد هذه الأرقام والإحصاءات والبيانات موجة من الإفراغ، قد يكون للاحتلال دور فيها ولكن أيضا لفقدان الارتكاز العربي الحقيقي الذي يضمن الحد الأدنى من بقاء “الرؤوس فوق الماء” كما كان يقول الرئيس الراحل ياسر عرفات، دورا أيضا، وهذا ما يجب أن يطرح العديد من التساؤلات حول مدى “عربية” القضية الفلسطينية.

وبغضّ النظر عن التفاصيل الاحصائية فإن أمر الهجرة في فلسطين يؤثر مباشرة على “حرب الديموغرافيا” ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين داخل حدود فلسطين التاريخية. وقد سبق لمؤتمرات الأمن في إسرائيل (لاسيما في هرتسيليا) أن اعتبرت أن القنبلة الديموغرافية الفلسطينية هي أخطر من القنبلة النووية الإيرانية، فيما حذر استراتيجيو إسرائيل من أن التفوّق العددي الفلسطيني سيتأكد خلال العقد المقبل.

7