شباب "كفرنبل" يرسم الواقع السوري بالسخرية وخفة الدم

اختار شباب الثورة السورية في “كَـفْرَنْبِل” اعتماد الأسلوب الساخر اللاذع، في التعبير عن مجريات الأحداث الدموية التي يتعرض لها أبناء الشعب السوري كل يوم. واستطاعوا أن يرسموا الابتسامات على وجوه الصغار والكبار في مختلف المناطق السورية الجريحة، ابتسامات متشحة بالحزن والألم والسخرية من الواقع اليومي.
الجمعة 2015/11/20
رسوم ساخرة من الواقع المرير

دمشق - أدهش أبناء قرية كفرنبل السورية بذكائهم وأفكارهم المبدعة وفرادة لافتاتهم وخصوصية رساميهم وموهبتهم الفطرية، العالم بأسره للتعبير عن مواقفهم من الانتفاضة السورية، حتى أن هناك من أطلق على هذه القرية اسم “القرية العالمية”.

ومنذ بدايات الإنتفاضة في سورية سنة2011 على النظام السوري، باتت قرية كَـفْرَنْبِل السورية تُعرف بمدينة الفكاهة وخفّة الدم، والمعروف أن الكثير من أهالي القرية يتقنون أكثر من لغة، وقد ساعد هذا على التنوع الفكري والانفتاح على الثقافات العالمية، ولعل هذا من أهم مصادر الإلهام لدى فتية وشباب القرية، فمنذ الأيام الأولى للأحداث السورية انخرطت كَـفْرَنْبِل، والواقعة بالقرب من “معرّة النعمان” في محافظة إدلب، في المظاهرات الاحتجاجية ضد النظام.

في اليوم الأول من شهر أبريل 2011 خرجت أول مظاهرة في كَـفْرَنْبِل، ويومها خط شباب القرية أول كتاباتهم على قبة جامعها الكبير مطالبين بإسقاط النظام. ومنذ ذلك اليوم وأهالي القرية يواجهون قمع قوات النظام المدججة بالسلاح، بالفرشاة والألوان لتخط ردودا بالرسوم الكاريكاتيرية واللافتات المميزة، التي كتبت باللغتين العربية والإنكليزية، والتي اشتهرت بذكائها وحدّتها وظرفها.

لافتات كـفرنبل المحتلة تزرع البسمة على الوجوه الحزينة

ومع مرور الأيام عرف شباب القرية بمهاراتهم في مختلف فنون الثورة من أناشيد ولافتات تحمل عبارات تحكي تفاصيل ثورتهم النازفة يوما بيوم، ولوحات إبداعية تجسد الواقع المرير والمؤلم، وتلخص الواقع السوري بكل سلبياته وتناقضاته.

وقدوراح عموم السوريين والعرب والأجانب، والكتاب والفنانون التشكيليون والنقاد، يتابعون هذه اللافتات من خلال صفحات الموقع الاجتماعي فيسبوك التي حملت اسم “لافتات كَـفْرَنْبِل”، ومن أشهر تلك الصفحات، صفحة حملت اسم “لافتات كَـفْرَنْبِل المحتلة”، وثانية باسم “تنسيقية كَـفْرَنْبِل”، وثالثة باسم “كَـفْرَنْبِل الإخبارية”، وغيرها من الصفحات.

وبسؤالنا الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي، عن رأيه بهذه اللافتات “الكَـفْرَنْبِلية”، قال “أطلق الربيع العربي روح الحرية لأجيال الشباب، وأطلقت معها العنان لمبادراتهم وأحلامهم ومخيّلاتهم. هكذا شهدنا من البدايات ولادة جيل جديد أدهشنا بأفكاره المبتكرة، التي لا تتقيد بالأفكار الجاهزة، ولا بالبديهيات السائدة، وقد ساعد على ذلك انتشار وسائط الاتصال الاجتماعي، ذات الصيغة التفاعلية، التي جعلت من كل شخص كائنا مفكرا ومبادرا وكاتبا وصحفيا وناشطا سياسيا، ومن دون أي تراتبية.

شباب كفرنبل: نحن نخاطب العالم بالإنكليزية لأنها لغة عالمية، وحتى الذين لا يفقهون القراءة رسمنا لهم رسومات لكي يفهموا
وقد كان لافتا لجوء الشباب إلى سلاح النقد والسخرية. وكان مثيرا أن هذين الأمرين (النقد والسخرية) لم يقتصرا على السلطات السائدة وانفصامها عن الواقع، إذ هما يشملان، أيضا، نقد الثورات ذاتها والسخرية من ثغراتها ومن تخبط أحوالها”.

ويضيف كيالي “بعيدا عن السياسة، أضفت خفّة دم أهالي كَـفْرَنْبِل، وحلاوة روحهم ولهجتهم المحببة، نوعا من نكهة خاصة على هذه اللافتات، وبات الجميع ينتظرها، بالكثير من التعاطف والشغف، لاسيما أنها استطاعت تطويع السياسة لروح النكتة، وفي إطار من النقد”.

وفي العموم "فقد اطّلعت لافتات كَـفْرَنْبِل بدور كبير في نقد واقع الأحداث، مؤكدة على طابعها السلمي والشعبي. كما أن هذه اللافتات ساعدت في تفنيد الترويج للطابع الطائفي أو الديني، مع تشديد نقدها للجماعات الإسلامية المتطرفة والمسلحة، وبتأكيدها على الطابع الوطني والديمقراطي لثورة السوريين، وباعتبارها ثورة من أجل الحرية والكرامة والمساواة. لا أعرف كيف كانت ستبدو هذه الثورة، من دون أمثال شباب كَـفْرَنْبِل، ولافتاتهم وروح الحرية والإبداع عندهم”.

خطاب نقدي كشف عن الروح العالية التي يتسم بها شباب البلدة

ويقول أحد شباب كَـفْرَنْبِل، إن “هذه اللافتات ليست موجهة للنظام فحسب بل للعالم، ونحن نخاطب العالم بالإنكليزية لأنها لغة عالمية، وحتى لهؤلاء الذين لا يفقهون القراءة رسمنا لهم رسومات علّهم يفهمون”.

ويضيف “من لافتاتنا ما هو مستلهم من قصص وثقافات عالمية، هنا كان لقيامة السوريين وقع آخر، حيث رفع شباب القرية لافتات هزّت ضمائر من اطلع على مضامينها، وشكّلت عبر حوالي خمس سنوات حالة شديدة الخصوصيّة في الخطاب الفكري -اللغوي البصري- من أجل الحرية”.

ويختم الشاب الذي رفض الكشف عن هويته، “نحن حتى الآن نؤمن بشعارات مطالبنا السلمية وبأنّ الشعب السوري واحد وبأنّ سوريا للسوريين وليست لعائلة مُعينة أو لطائفة بعينها، أو لدين معين. لقد باتت هذه اللافتات تشكل بمجملها شريطا متحركا يوثق للأحداث ومعاناة السوريين على مدى الأعوام الخمسة الماضية، إلى درجة يمكن معها أن نتصور ملخصا مكثفاً لطبيعة تطور المأساة السورية”.

ويتحدث الفنان التشكيلي والأكاديمي السوري حبيب الراعي لـ”العرب” عن قرية كَـفْرَنْبِل ولافتاتها، قائلا “تعتبر الوظيفة الأساسية لكل لغة بشرية كما يقول أندريه مارتينه هي السماح لكل متكلم بتوصيل تجاربه لغيره من الناس، وكَـفْرَنْبِل هذه البلدة الصغيرة التي لم نكن نعلم بوجودها، استطاعت أن تختار اللغة الأكثر بلاغة والأكثر فاعلية، لغة الرسم والكلمة والصورة والنقد في مزيج فريد أسست به وأبدعت خطابا نقديا كشف عن الروح العالية التي يتسم بها شباب هذه البلدة”.

20