شباب يبثون الفرح في الموصل عبر موجات الأثير

مجموعة من شباب الموصل تختار المشاركة في الحرب ضد التطرف وطرد موجات الحزن والدمار عبر إذاعات تبث برامج ترفيهية وأغاني عربية وغربية شبابية.
السبت 2018/06/23
مذيعة ترى الحياة أجمل بعد داعش

الموصل (العراق) - في ظل حكم تنظيم الدولة الإسلامية، كانت إذاعة واحدة تبث من الموصل وتقتصر برامجها على أناشيد متطرفة ودعاية عسكرية. أما اليوم، فإن موجات الأثير في المدينة العراقية الشمالية تبدلت جذريا بيد صحافيين شبان.

على إذاعة “وان.أف.أم”، يتحدث أحمد الجفال عن المصالحة الوطنية مستشهدا بنيلسون مانديلا، ويبحث عدي الأعظمي إعادة الإعمار خلال محاورة مع مسؤول في المجلس البلدي، فيما تستقبل نور الطائي في برنامجها فنانا جديدا صاعدا في الموصل.

ويتخلل تلك البرامج آخر الأغاني العراقية والعربية والموسيقى الإلكترونية التي يقبل عليها الشباب.

في حقبة التنظيم الجهادي المتطرف، ظلت المحطات الإذاعية مغلقة على مدى ثلاث سنوات، بينما كان الاستماع إلى الراديو محرما وقد يؤدي إلى عقاب جسدي قاس بحق مرتكبه.

أول جلوس لنور الطائي (16 عاما) خلف الميكروفون كان قبل عام، حين شاركت في مسابقة غير مسبوقة نظمتها إذاعة “الغد.أف.أم” التي أسسها نازحون من الموصل في العام 2015 في مدينة أربيل المجاورة.

ويؤكّد محمد الموصلي وهو أحد القائمين على إذاعة “الغد.أف.أم” أنّه لا يوجد دعم مادي للإذاعة وأغلب الجهود المبذولة ذاتية. “لكن هناك دعما معنويا، فشخصيا أنا والعديد من زملائي أيضا نعمل فيها كمتطوعين، فالوقت فرض علينا هذا الواجب ودورنا كبير كشباب من أهالي نينوى لمواجهة تنظيم داعش ضمن إمكانياتنا”.

وقالت الطائي آنذاك، “إنها تحلم بالعمل مع فريق إذاعي لأنها وسيلة إعلامية تخاطب كل العالم”، مؤكدة “أريد أن أكون جزءا من هذا العالم”.

اليوم حققت نور هدفها، وباتت هذه الفتاة تعدّ برنامجها الخاص وتقدّمه في الإذاعة التي يوصلها إليها والدها يوميا بعدما فقدت بصرها في العام 2015 لإصابتها بمرض.

وتسعى الطائي في برنامجها الذي تقدّمه كل أربعاء ويحمل اسم “نور” إلى “منح الأمل والتفاؤل للأشخاص المعوقين”.

وتضيف هذه الشابة بابتسامة خلال حديثها من داخل الأستوديو، قائلة “اخترت هذا العمل حتى أمنح الأمل لكل الناس، وأقول للجميع إننا أصحاب الاحتياجات الخاصة نستطيع أن نحقق أحلامنا”.

برامج التعايش والمحبة
برامج التعايش والمحبة

داخل مبنى صغير مؤلف من غرفتين، وبمعدات وأجهزة فنية حديثة اشتراها الشباب على نفقتهم الخاصة، يبدو المكتب الصغير للراديو أشبه بخلية نحل ينهمك فيها الشباب بواجباتهم لتأمين بث متواصل للراديو على مدار الساعة يتضمن نشرات أخبار وبرامج ثقافة وتوعية وترفيه مختلفة، إلى جانب موقع إلكتروني يبث برامج الإذاعة بالصوت والصورة بشكل متواصل.

غالبية العاملين في الإذاعة هم صحافيون شباب كانوا سابقا في مؤسسات إعلامية في الموصل قبل دخول تنظيم الدولة الإسلامية.

ويقول مسؤول الإعلام والعلاقات العامة في الإذاعة ياسر القيسي (28 عاما) إن رسالتهم هي “نبذ العنف والتطرف، والتثقيف ضد الفكر الإرهابي والأمراض المجتمعية مثل الطائفية والقومية والعنصرية”.

يشير من جهته مقدم برنامج “نفس عميق” أحمد جفال (30 عاما) إلى أن ثلاث سنوات من حكم تنظيم الدولة الإسلامية “خلقت فراغات في المجتمع نعمل من خلال البرامج على ملئها بأفكار التعايش والتفاهم والمحبة وقبول الآخر”.

صحيح أن الإذاعة الجديدة تسعى إلى التثقيف، لكن الترفيه من ضمن مهماتها أيضا، وهو ما تقوم به كل الإذاعات التي أسست مؤخرا، على غرار إذاعة “الغد” و”ستارت.أف.أم” في أربيل، وإذاعة “الموصل.أف.أم” التي بدأت في بثها التجريبي من دهوك المجاورة. وفي مدينة الموصل وعموم محافظة نينوى توجد إذاعتان حكوميتان فقط قبل سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، وتبثان برامج كلاسيكية موجهة تعكس سياسة الحكومة.

وقبل اجتياح الجهاديين للموصل، كان تنظيم القاعدة يسيطر على مناطق في محافظة نينوى، وكان يستهدف وسائل الإعلام والصحافيين، وخصوصا أولئك الذين يروّجون لبرامج ترفيهية.

في هذا السياق، يقول الباحث الاجتماعي محمد سالم (30 عاما)، إن “زيادة انتشار وسائل الإعلام بمختلف أجناسها في محافظة نينوى وخاصة بعد تحريرها من سيطرة تنظيم داعش يستلزم بالضرورة أن تكون تحت رقابة ورعاية جهات حكومية تنظم عملها، وفق القانون حتى لا يمكن استغلالها سياسيا أو دينيا (…) خصوصا وأن تمويل ودعم بعضها مجهول المصدر”.

في غضون ذلك، يشعر أهالي الموصل بسعادة غامرة بعدما وجدوا وسيلة تخفف معاناتهم بسبب الأوضاع الاقتصادية القاسية والدمار الذي تعرضت له مدينتهم خلال المعارك التي انتهت باستعادتها من قبضة الجهاديين في يوليو 2017.

يجول الشاب محمد قاسم (27 عاما) بسيارة الأجرة البيضاء خاصته في شوارع الموصل طوال النهار وأجزاء من الليل، مستمعا إلى الإذاعات المحلية.

يقول قاسم، إن “هناك العديد من الإذاعات التي تبث برامج منوعة وجميلة ومفيدة. عملي يتطلب مني سماع الأغاني خاصة أثناء الليل”، مضيفا، “تستهويني البرامج الترفيهية وسماع الأغاني التي حُرمنا منها طيلة ثلاث سنوات”.

معدات من جيب مجموعة من الشباب
معدات من جيب مجموعة من الشباب

 

17