شباب يحولون العمل التطوعي لأسلوب حياة في ثقافة تحصره بالدين

التطوع يوفر مساحة للشباب للمشاركة في اتخاذ القرارات في قضايا شبابية ومجتمعية وسهولة الوصول إلى صناع القرار.
الأحد 2018/05/20
العمل التطوعي تنمية للمسؤولية المجتمعية

لندن – بدأ العمل التطوعي يلقى الاهتمام ويسلط الضوء عليه في السنوات الأخيرة، مع انتشار العديد من المبادرات والفرق التطوعية الشبابية، التي تتراوح بين أهداف خيرية ودينية، وبين تبني العمل الطوعي كقيمة وثقافة اجتماعية ضرورية، لكنها جميعا تساهم في تنمية المسؤولية المجتمعية.

 لم تخرج ثقافة التطوع بين الشباب عن إطارها الضيق في المجتمعات العربية، وغالبا ما ترتبط بالمفهوم الديني رغم أنها أكثر ترسيخا وتقليدا في المجتمعات الغربية التي تفصلها عن هذا التصنيف، لكن بغض النظر عن الغايات والأهداف ووجهات النظر، تبقى المبادرات التطوعية خطوة إيجابية تخدم المتطوع والمجتمع في آن واحد.

وتتباين نسبة الشباب المنخرطين في العمل التطوعي بين الدول العربية، لكنها تشهد ارتفاعا ملحوظا، وإقبالا مع ازدياد المبادرات الشبابية، والمهرجانات الرسمية التي تشجع على تبني هذه الثقافة.

وكشف التقرير الأخير الذي أطلقه مجلس الإمارات للشباب بالتعاون مع مؤسسة الإمارات، بعنوان “الشباب والتطوع”، عن ارتفاع عدد المتطوعين بنسبة 494 في المئة في 9 سنوات.

وأطلق المجلس التقرير ضمن مبادرة “بيانات شبابية”، التي أطلقتها شما بنت سهيل فارس المزروعي، وزيرة الدولة لشؤون الشباب، بهدف دعم جهود الدولة في عام الخير بتسليط الضوء على جهود الأفراد في خدمة الوطن من خلال التطوع في المجالات كافة.

وتضمن التقرير بيانات المتطوعين المنتسبين إلى برنامجي تكاتف وساند في الإمارات، من ناحية عدد المتطوعين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و30 عاما، والجنس والفئات العمرية، كما تضمن ترتيب أكثر ثلاث جامعات في الدولة يتطوع طلابها

في برامج التطوع تكاتف وساند، حيث حلت كليات التقنية العليا في المرتبة الأولى، ثم جامعة الإمارات تليها جامعة زايد.

وأظهر التقرير ضمن مؤشر عدد المتطوعين النشطين من الشباب أن أكثر من 33120 متطوعا شاركوا في فرصة تطوعية واحدة منذ العام 2008 وحتى 2016، فيما أشار مؤشر الزيادة السنوية للمتطوعين في التقرير إلى ارتفاع عدد المتطوعين بنسبة 494 في المئة خلال 9 سنوات، حيث كان عدد المتطوعين 19 متطوعا في برنامجي تكاتف وساند في العام 2007، وصل عددهم إلى 9405 متطوعين خلال عام 2016.

رقم قياسي للمتطوعين في مونديال روسيا 2018

أعلنت اللجنة المنظمة لكأس العالم 2018 في روسيا عن عدد الطلبات للأشخاص الذين تقدموا من أجل العمل كمتطوعين خلال فترة البطولة. وبحسب اللجنة المسؤولة، فإن عدد الطلبات التي قدمت وصل إلى 870 176 طلبا وهو رقم قياسي في تاريخ البطولة، ليتم قبول 17040 طلبا فقط. وتتراوح أعمار المتقدمين بين 18 و80 عاما ويمثلون 112 بلدا.

وتتوزع الوظائف والأعمال التي سيقوم بها المتطوعون إلى 20 مجالا، منها ما يتعلق بمراسم التجهيزات والنقل والعمل مع وسائل الإعلام وخدمات الجماهير وغيرها. ويخضع المتطوعون منذ أشهر لدورات تدريبية، بالإضافة إلى العمل في عدد من الملاعب.

وضمن فريق المتطوعين العالمي الذي سيكون حاضرا للعمل، المصري عمرو حسين صلاح عبدالسلام، الذي قال إن لديه تجربة في العمل الطوعي بدأت عام 2008 في مصر خلال مرحلة الدراسة الثانوية في مؤسسة “الرسالة” التي تختص في العمل التطوعي الاجتماعي.

وأضاف “كنا نساعد في مواضيع البنية التحتية والأسر الفقيرة البعيدة عن العاصمة واستمررت في العمل معهم حتى 2013 وانتقلت بعد ذلك إلى كوريا الجنوبية لأتابع دراستي الجامعية، واستمررت بالعمل التطوعي هناك بنفس المجال، الأمر الذي ساعدني بشكل كبير على فهم الثقافة الكورية كون الهيكل الاجتماعي مختلفا جدا عن المصري.

وحول اختياري العمل كمتطوع في كأس العالم، فقد دفعني حب التعرف على ثقافات جديدة وشعوب وأصدقاء جدد، وبحكم دراساتي وعملي كمتطوع أحيانا في بعض المشاريع في كوريا الجنوبية واليابان”.

ومن المبادرات الخيرية “سقيا خليفة – عطاءنا مستمر”، التي يقوم من خلالها المتطوعين بتوزيع  المياه والعصائر الباردة للعمال خلال ساعات عملهم في فصل الصيف، ومبادرات أخرى كثيرة في شهر رمضان تدور حول “إفطار صائم”.

وتقول إحدى المتطوعات “قبل البدء في توزيع الوجبات قمنا بالتحري عن أماكن وجود العمال، وظروف عملهم في رمضان وطريقة إفطارهم، فتبين أنهم يفطرون على الخضراوات، وبناء على ذلك قمنا نحن مجموعة من الفتيات والشباب بعمل مبادرة ذاتية لإقامة عمل خيري تطوعي وتقديم يد العون لأسر متعففة ومحتاجة”.

وأضافت “خلال هذه المبادرة الرمضانية يتم توفير 500 وجبة إفطار لمدة 30 يوما في شهر رمضان الكريم من كل عام، وشملت العمال”.

وتؤكد أن العمل التطوعي يمنح سعادة داخلية، ويضيف خبرات من تجارب الناس، كما ينمي المسؤولية المجتمعية.

فرق تطوعية متخصصة

شهد العقد الماضي ظهور العديد من الفرق التطوعية المتخصّصة في مناطق عديدة بالسعودية، وعلى سبيل المثال في جيزان تعمل فرق تطوعية تحت مظلات رسمية تتبع معظمها لجان التنمية الاجتماعية الأهلية ومراكز النشاط الاجتماعي والجمعيات الخيرية التي يشرف عليها مركز التنمية الاجتماعية بجازان التابع لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية.

وتحتضن منطقة جازان أكثر من 200 فريق تطوعي يضم الآلاف من الشباب والفتيات المتطوعين والمتطوعات في مجال تقديم مبادرات ومشروعات إنسانية ترسم ملامح العمل التطوعي الحديث في المنطقة، وتعزز من قدرة الشباب في التنمية الوطنية الشاملة للمجتمع.

وتطور العمل التطوعي في منطقة جازان خلال العقدين الماضيين متجاوزا المشاركات المحدودة للجمعيات الخيرية والفرق الكشفية والأندية الاجتماعية والطلابية في ذلك الوقت حيث قدمت أعمالا مثل برامج أسبوع الطفل ونظافة الشواطئ والعناية بالمرافق العامة وغيرها من البرامج الاجتماعية التي نفذتها فرق غير متخصصة، كانت لاحقا نواة لإنشاء العديد من الفرق التطوعية المتخصصة.

وأثمر حماس شباب وفتيات المنطقة وإدراكهم لأهمية العمل التطوعي تعزيز دور الفرق التطوعية الناشئة، وساد جو من التنافس التطوعي الذي أثمر العديد من المشروعات والمبادرات التي اهتمت بنشر الوعي في المجالات الصحية والثقافية والبيئية ومجالات الإنقاذ، ونشر الوعي الأسري.

وتهتم وحدة العمل التطوعي بتفعيل اليوم العالمي للتطوع وتنفيذ مبادرات تطوعية مساندة لقرى الحد الجنوبي بمنطقة جازان، وتنفيذ دورات تدريبية في مجالات الأزمات والطوارئ والإخلاء والإنقاذ والإسعافات الأولية وإدارة الأزمات، فضلا عن تأهيل الفرق التطوعية والمشاركة في إدارة الأزمات مع الجهات المعنية وتفعيل التطوع في الجهات الخيرية.

وقال محمد بن أحمد عبيري رئيس لجنة الخدمة الاجتماعية بغرفة جازان إن الأعوام الخمسة الأخيرة شهدت تطورات ملحوظة ومتميزة في الأعمال التطوعية من خلال تأسيس فرق تطوعية متخصصة، قضت على الازدواجية وتكرار الأعمال وساهمت في زيادة المتطوعين وعدد المستفيدين.

وشدد على أهمية التنسيق وتوافق الجهود وتنسيق الأعمال وبلورتها وإخضاعها للتقنين والاحترافية من خلال المرجعية الرسمية للفرق التطوعية، فضلا عن تطوير المتطوعين عبر الدورات التدريبية لمفاهيم العمل التطوعي وفنون إدارته وفنون التسويق للبرامج والتخطيط وآليات التنفيذ. وأضاف أن شباب وفتيات منطقة جازان يتميزون بحبهم للعمل التطوعي، حيث أثبتت كافة التجارب الإقبال الكبير من المتطوعين والمتطوعات للمشاركة والتنفيذ والإسهام في الأعمال التطوعية في كافة المجالات، داعيا إلى ضرورة الاهتمام بتسويق الأعمال التطوعية للمجتمع تعزيزا لدور الفرق التطوعية.

بدورها قالت عضو مجلس إدارة جمعية ذوي اضطراب التوحد الخيرية بجازان سالي بنت محمد زميم إن منطقة جازان ظهرت فيها مجموعة من الفرق التطوعية المتخصصة التي اهتمت بتطوير العمل التطوعي خاصة في المجالات الطبية ومجالات ذوي الإعاقة.

وأضافت أن الهمم العالية لشباب وفتيات المنطقة تسعى للوصول إلى العمل التطوعي الاحترافي الحديث الذي يسهم في بناء المجتمع وتطويره، خاصة وأن أولئك المتطوعين والمتطوعات يرسمون ملامح متميزة للعمل التطوعي استطاعوا من خلالها تغيير خارطة العمل التطوعي.

التطوع أسلوب حياة

خلال أعوام قليلة استطاع فريق تطوعي من شباب جمعية “حلم” أن يصل إلى عدد كبير من فقراء قرى مصرية عديدة.

وبدأت الفكرة مع  بداية 2015، حيث استطاع مجوعة من الشباب التأثير في محيطهم وتغيير فكرهم بتقديم خدمات مختلفة للأسر المحتاجة، وتم إطلاق حملة لتشجيع الشباب على العمل التطوعي لتحقيق التكافل الاجتماعي.

وقال شريف أحمد، أحد مؤسسي الجمعية “حملة ‘خلي التطوع حياة’ هي الخطوة الأولى التي نشجع فيها الشباب على العمل التطوعي وفي نفس الوقت هي بداية للحملة الجديدة التي نستعد لها وهي ‘إزاي تكفل نفسك بنفسك’ ونعمل من خلالها على تعليم الأسر المحتاجة كيفية قضاء احتياجاتها بنفسها دون انتظار جمعية خيرية تساعدهم على

ذلك”. ويضيف “سنطوف كل القرى الموجودة بمحافظة الدقهلية، وهي توفر الكثير من وقت الجمعيات وتجعلهم يقومون بأعمال أخرى نخدم بها المجتمع، مثل المشروعات الصغيرة التي سيعمل بها الشباب لحل أزمة البطالة، وغيرها من الأعمال المجتمعية الأخرى”.

ويذكر شريف “كنا فريق شباب نعمل في العمل الخيري حتى استطعنا تحويله إلى جمعية خدمية للمجتمع حيث نعمل في عدة أنشطة نستطيع من خلالها سد احتياجات الأسر المحتاجة”.

مبادرات شبابية تخدم المجتمعات
مبادرات شبابية تخدم المجتمعات

وعرضت غادة والي، وزيرة التضامن الاجتماعي المصرية، خلال منتدى شباب العالم، نماذج لبرامج وتدخلات توعوية تعتمد على المتطوعين في وزارة التضامن الاجتماعي مثل تنفيذ برنامج “اختار حياتك” و”أنت أقوى من المخدرات”، للوقاية من تعاطي المخدرات في 4000 مدرسة ومركز شباب عام 2016، واستفاد منها 2 مليون و800 ألف شاب وفتاة، وكذلك تنفيذ 400 مبادرة مجتمعية في 25 محافظة ينفذها الشباب واستفاد منها مليون شخص.

وقد جذبت حملة “اختار حياتك”، نحو مليون و800 ألف عبر صفحتها على فيسبوك، نسبة 82 في المئة منهم تحت 35 عاما، لتمثل بذلك واحدة من أكبر المنصات الإعلامية الحكومية.

وتحدثت والي عن مبادرة “بينا”، مشيرة إلى أنها تهدف إلى تشجيع الشباب على التطوع والمشاركة المجتمعية لتطوير خدمات دور الرعاية وتستهدف الأيتام  والأحداث والمسنين.

وتبين فداء الزيود، مسؤولة مبادرة “واجبك علينا” في الأردن أن “واجبك علينا” شبابية اجتماعية تطوعية، وقد انطلقت منذ عامين من محافظة الزرقاء لإطلاق طاقات الشباب الإيجابية وغرس روح ومفهوم العمل التطوعي في نفوسهم.

تطوير فكر الشباب

وقالت الزيود “ينصب اهتمام فريق المبادرة على تطوير المناطق النائية على كافة مستويات الحياة من مساعدة وتطوير فكر الشباب ونشر العمل التطوعي من خلال فريق عمل مدرب ومؤهل بفكر شبابي مبدع وريادي وقيادي”، منوهة بأن رؤيتهم تندرج تحت تدريب أكبر عدد من الشباب وغرس وتنمية روح العمل التطوعي وزيادة كفاءة المتطوعين.

وتهدف مبادرة “واجبك علينا” إلى تغيير الفكر السلبي المجتمعي في العديد من القضايا، أهمها عمل المرأة في العمل التطوعي والمجتمعي وتأكيد دورها.

وتؤكد الزيود أن التطوع يسهم في تعزيز وجود الشخص المتطوع أو فئة متطوعة وتمكين الذات ويحقق النمو الشخصي واكتساب خبرات بشكل مباشر وغير مباشر، وسهولة الوصول إلى صناع القرار وتوفير مساحة للشباب بالمشاركة في اتخاذ القرارات في قضايا شبابية ومجتمعية، بالإضافة إلى تهيئة أماكن ومساحة لذوي الإعاقة وتأكيد دورهم في المجتمع، وتنمية وتطوير شباب مجتمعنا.

وتضيف “نحن كشباب، نؤكد وندعو إلى دعم ووقوف المجتمع مع القيادات الشبابية لأن الكثير من المبادرات تحتاج إلى تمويل”، منوهة بأن الشباب يضحي بوقته وجهده ومصروفه في سبيل خدمة المجتمع ومساعدة الآخرين، من خلال رسالة قوة الإرادة لدينا كشباب نستطيع أن نصنع منها الإبداع والتميز واستغلال الطاقة الإيجابية وبث الخير والإرادة”.

وتتعاون مبادرة “واجبك علينا” مع مبادرات عدة في نشاطات تشاركية، ومن هذه المبادرات “بصمة وطن”، “أكسجين” و”طاقة شباب”.

19