شبحا لانج وريجيني يخيمان على زيارة الرئيس الفرنسي للقاهرة

يبدأ الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند زيارة رسمية إلى مصر، من المنتظر أن تغطّي خصوصية المرحلة وحساسية الملفات المفتوحة، على الجوانب الاقتصادية التي يروّج لها الطرفان، ويأتي على رأس هذه الملفات قضية مقتل الإيطالي جوليو ريجيني وأيضا الملف الليبي والمبادرة الفرنسية لإحياء السلام في الشرق الأوسط، والتي ستكون الرابط الرئيسي للمحطات الثلاث لزيارة الرئيس الفرنسي والتي تشمل إلى جانب القاهرة، بيروت وعمّان.
الأحد 2016/04/17
ود سيحدد مصيره مدى الاتفاق حول الملفات التي جاء من أجلها هولاند

القاهرة – يصل الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، اليوم الأحد إلى القاهرة، صحبة وفد يضم عددا كبيرا من المسؤولين والبرلمانيين ورجال الإعلام وممثلي نحو 60 من كبريات الشركات والمؤسسات ورجال الأعمال في فرنسا، إضافة إلى وزيري الدفاع جون إيف لودريان والثقافة والإعلام أودري أزولاي، في زيارة هي الثانية للرئيس الفرنسي إلى مصر في أقل من عامين بعد زيارة أولى، حين شارك في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، في أغسطس 2014.

لكن، خلافا للزيارة الأولى، التي جاءت في خضم الحديث عن صفقات تسليح كبرى بين مصر وفرنسا، تأتي هذه الزيارة وسط أجواء من التوتر بين النظام المصري والاتحاد الأوروبي، والذي بدأ بانتقادات أوروبية حول حقوق الإنسان في مصر ووصل ذروته على خلفية مقتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة.

ونظرا للحيز الكبير من الاهتمام الأوروبي الذي لقيته هذه القضية، وتواصل تطوّراتها السلبية رجّح مراقبون أن تكون من أبرز الملفات التي تتضمنها المباحثات بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي فرانسوا هولاند، والذي تأتي زيارته إلى القاهرة، في إطار جولة تستمر أربعة أيام تشمل لبنان والأردن ومصر.

وذكرت مصادر دبلوماسية مصرية لـ”العرب” أن القاهرة تعوّل على دور فرنسي فعّال من أجل التوصل إلى نقاط اتفاق مشتركة لغلق ملف الطالب الإيطالي، إعلاميا على الأقل منعا لمزيد من الخسائر الاقتصادية والضغوط السياسية؛ بينما تعمل جهات أخرى فرنسية وأوروبية على تحريك ملف آخر في نفس سياق قضية الطالب الإيطالي، وهو ملف إريك لانج الباحث في المركز الفرنسي بالقاهرة، الذي قتل قبل ثلاث سنوات. وتقول الرواية الرسمية المصرية إنه قتل داخل قسم للشرطة عندما اعتدى عليه 6 سجناء داخل غرفة الحجز، لكن والدته نيكول بروس تقول إن “هناك أياد أخرى في الموضوع”، وفق صحيفة هافينغتون بوست.

وعلى خلفية زيارته إلى مصر، طالبت نيكول الرئيس الفرنسي بأن يعيد فتح قضية ابنها مع المسؤولين المصريين، قائلة “نريد الحصول على محضر التحقيق، ومعرفة سبب اعتقاله التعسفي، ومن كان المسؤول عن ذلك”. وكان ناطق في الخارجية الفرنسية قال إن القنصل العام في القاهرة “يتابع التحقيقات في القضية منذ 2014 ويتواصل بشكل منتظم مع محامي الأسرة”، وأشار إلى أن الجلسة الأخيرة لمحاكمة المتهمين عُقدت في 8 فبراير 2016، وأجّلت إلى 15 مايو المقبل.

الملف الليبي

أهمية مضاعفة تكتسبها زيارة الرئيس الفرنسي لمصر، بسبب تزامنها مع العديد من التطورات في المنطقة بشكل عام، وفي علاقات مصر الخارجية بشكل خاص؛ من ذلك أن مصر باتت تركّز أكثر على الملف الليبي. ويتوقّع الخبراء أن تبدي القاهرة مزيدا من التجاوب والمرونة عند التطرّق إلى الأزمة الليبية التي تقلق دول الاتحاد الأوروبي وبالأخص فرنسا وإيطاليا، كونهما منخرطتين، سياسيا وأمنيا، فيها.

مباحثات الرئيسين المصري والفرنسي مرجح أن تتطرق أيضا إلى انتخابات منظمة اليونسكو لاختيار خليفة للمدير العام الحالي إيرينا بوكوفا حيث تريد القاهرة مباركة فرنسية لمرشحها المحتمل في الانتخابات إسماعيل سراج الدين

هاني خلاف، سفير مصر الأسبق في ليبيا، رأى إمكانية إحداث تطور كبير في الأزمة الليبية من خلال التعاون بين القاهرة وباريس، والاستفادة من علاقة البلدين بالأطراف الرئيسية في الأزمة؛ فالقاهرة تمتلك علاقات جيدة مع الجيش الليبي في الشرق، الذي يقوده الفريق خليفة حفتر، بينما تحتفظ فرنسا بخطوط تواصل مع عدد من الميليشيات في الغرب والتي تمثلها مجموعة فجر ليبيا. ويمكن لباريس أيضا التأثير علي القيادات العسكرية في الغرب الليبي، ومحاولة تقريب الرؤى بين الطرفين، بما يصبّ في مصلحة حكومة الوفاق التي كانت أحد مخرجات اتفاق الصخيرات برعاية الأمم المتحدة.

وقد قال خلاف لـ”العرب” إن أهم النقاط في مباحثات الرئيسين ستكون طريقة دمج الميليشيات المسلحة في الجيش الليبي والدور الفرنسي المطلوب في مجلس الأمن لرفع الحظر عن الجيش الليبي مقابل مزيد من المرونة في بعض الملفات العالقة بين الأطراف الليبية. وكانت صحيفة لوموند الفرنسية ذكرت أن الملف الليبي سيكون على طاولة البحث لدى زيارة هولاند إلى مصر. وأقرت الصحيفة بوجود خلاف في الرأي بين القاهرة وباريس حول مرحلة الانتقال السياسي في ليبيا. لكنها أكدت أن القاهرة تعتزم استغلال الزيارة لمناشدة الجانب الفرنسي بدعم حفتر لمكافحة الإرهاب.

مكافحة الإرهاب

الملف الآخر الذي سيكون محلّ اهتمام الرئيسين المصري والفرنسي يتعلق بتطورات جهود مكافحة الإرهاب، في ظل تقارب الرؤى النسبي بينهما حول الأولويات وتعريف الإرهاب ومصادره، حيث قال محمد العرابي، وزير الخارجية المصري سابقا، لـ”العرب” إن فرنسا من الدول التي تقدر التجربة المصرية في مواجهة العناصر الإرهابية في سيناء، ما يؤكد أنه سيكون من أهم الملفات التي سيجري بحث التعاون فيه خلال زيارة هولاند في القاهرة.

ويقود التعاون ضد الإرهاب إلى ملف التعاون العسكري بين البلدين، والذي اكتسب زخما هائلا في العامين الأخيرين بعد تنفيذ عدد من الصفقات كان لها مدلول سياسي بالإضافة إلى البعد العسكري. فقد اشترت القاهرة عددا من طائرات الرافال والفرقاطة الفرنسية فريم بهدف تقوية قدرات الجيش المصري في حربه ضد الإرهاب وتأمين مجري قناة السويس.

محمد على بلال، قائد القوات المصرية التي شاركت في حرب تحرير الكويت، قال لـ”العرب” إن فرنسا من الدول التي استطاعت الاستفادة من الفتور في العلاقات بين واشنطن والقاهرة عقب 30 يونيو 2013، وسعت مجموعة الدفاع الفرنسية للدخول في السوق المصري. وهو التقارب الذي قوبل بترحيب عربي، خصوصا من جانب كل من السعودية والإمارات اللتين لعبتا دورا مهما في تمويل وإتمام الصفقة.

خبراء: الرئيس الفرنسي سيعمل على كسب دعم القاهرة لتأييد المبادرة الفرنسية التي واجهت رفضا إسرائيليا يهدد بوأدها قبل أن تخرج إلى حيز التنفيذ

ومنح التحالف المصري الفرنسي باريس موطئ قدم هام في الشرق الأوسط،، ومكّنها من إيجاد أسواق جديدة لمبيعات سلاحها. وكشفت الكثير من المؤشرات حرص باريس، ليس فقط على الحفاظ على مكتسباتها العسكرية، وإنما أيضا تطوير تواجدها وتعاونها، حيث أعلنت السفارة الفرنسية في القاهرة أنه من المقرر أن يشهد عام 2017 إنشاء لجنة عسكرية عليا بين مصر وفرنسا، يشرف عليها رئيسا أركان حرب الجيشين.

مبادرة السلام الفرنسية

عشية زيارته للشرق الأوسط، والتي كانت محطّتها الأولى لبنان والثانية مصر وختامها الأردن، التقى الرئيس الفرنسي نظيره الفلسطيني محمود عبّاس وتباحث معه في أمر المؤتمر الدولي لتسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والمبادرة الفرنسية لإقرار السلام في الشرق الأوسط.

وباعتبار مصر من الدول المعنية بهذا الملف يقول خبراء إن الرئيس الفرنسي سيعمل على كسب دعم القاهرة لتأييد المبادرة الفرنسية التي واجهت رفضا إسرائيليا يهدد بوأدها قبل أن تخرج إلى حيز التنفيذ.

بعض المراقبين قيّموا المبادرة الفرنسية باعتبارها مجرد أفكار تحاول إحياء المفاوضات بين الطرفين، وأن الجانب الإسرائيلي لديه تحفظات عليها رغم أنها غير واضحة بالشكل المطلوب. وهذه المبادرة عبارة عن مبادئ عامة تركز حول إعادة المراجعات الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام ومحاولة دفع الراعي الدولي لعملية السلام لاتخاذ خطوات أكثر إيجابية في هذا الملف. وأكبر المكاسب المأمولة من تعاون فرنسا مع مصر التي تتمتع حاليا بكونها عضوا غير دائم بمجلس الأمن، الحصول على اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية وإعادة تدويل الملف مرة أخرى. وعلمت “العرب” أن مباحثات الرئيسين المصري والفرنسي مرجح أن تتطرق أيضا إلى انتخابات منظمة اليونسكو لاختيار خليفة للمدير العام الحالي إيرينا بوكوفا، حيث تريد القاهرة مباركة فرنسية لمرشحها المحتمل في الانتخابات إسماعيل سراج الدين.

4