شبح الاندثار يخيم على مهنة صنع أهلة المساجد في غزة

محمد عبدو هو آخر الفلسطينيين الذين توارثوا عن آبائهم وأجدادهم مهنة صنع أهلّة المساجد. مارس حرفته طيلة أربعة عقود، وراجت كثيرا عندما كانت الضفة الغربية مفتوحة لاقتناء صادراته من الأهلة النحاسية، غير أنّ الحصار على غزّة أصاب عمله بالركود وشدّة الكساد.
الأربعاء 2015/05/27
تصنع أهلة المساجد من معدن النحاس الخالص

يرسم النحّاس الفلسطيني، محمد عبدو، داخل ورشة الحدادة التي يمتلكها وسط مدينة غزة، هلالا جديدا يستعد لصنعه على لوح نحاسي، بما يتلاءم مع مئذنة مسجد يصل ارتفاعها إلى 20 مترا.

يقول عبدو، وهو منهمك في طرق هلاله الجديد بالمطرقة لتقويم شكله وجعله جميلا جذابا، “أنا آخر من يعمل في هذا المجال”. واستطرد، متحسّرا على الاندثار المنتظر لمهنته، “ورثت هذه المهنة عن والدي، لكن أبنائي لا يفضلونها، ويقولون إنها غير مجدية ولا مستقبل لها”.

يذكر أنّ الحصار المفروض على قطاع غزة يتسبّب في أضرار مادية كبرى للعديد من الحرف التقليدية، على غرار مهنة محمد عبدو الآيلة إلى الاندثار، وذلك نظرا لمنع إسرائيل إدخال مواد البناء، بما يؤخّر بناء مساجد جديدة. كما أنّ الحصار ذاته أدّى إلى وقف تصدير العديد من المنتجات التقليدية إلى الضفة الغربية.

وحسب إحصائيات رسمية فلسطينية، فإن إسرائيل دمّرت خلال حربها على قطاع غزة 64 مسجدا بشكل كلّي، إضافة إلى تضرّر 150 مسجدا بشكل جزئي. وهو في الحقيقة ما يعطي لمهنة صنع أهلة المساجد دافعا للاستمرار من أجل تعويض ما قد دمّر منها.

وتصنع أهلة المساجد من معدن النحاس الخالص، فهو لا يصدأ نتيجة تعرّضه المستمر للهواء والمطر، على عكس معدن الحديد، لذلك لا تنتج ورش الحدادة في القطاع هذا المنتج، وفق ما أفاد به عبدو.

550 دولارا أميركيا القيمة القصوى لأهلة المساجد، وفقا لمقاساتها

وعلى لهب شديد الاشتعال، أوقده صانع الأهلة، من فحم حجري غطّى دخانه المكان، يقلب قطع النحاس، لكي يكسبها حرارة تمكنه من ثنيها بسهولة ومنحها الشكل المنحني الذي يريد.

صنع عبدو من النحاس المسخن ستّ قطع على شكل مخروط لا قاعدة له، وأدخل كل واحدة منها في قضيب حديدي، مثبت في مقدمته الهلال، بحيث أصبحت قاعدة كل مخروطين متقابلتين، ليصبح بعدها جاهزا للتثبيت فوق القباب ومآذن المساجد. ويتراوح ارتفاع الأهلة التي يصنعها عبدو ما بين متر ونصف المتر، إلى ثلاثة أمتار، حيث تختلف المقاسات وفقا لطول المئذنة، أو حجم قبة المسجد.

وأشار صانع الأهلة إلى أنّ المئذنة التي يصل ارتفاعها إلى نحو 50 مترا تحتاج هلالا يبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار، ويستغرق صنعه أسبوعا. أما أقصر الأهلة ارتفاعا، فإنّ صناعته تستغرق يومين فقط، ويثبت فوق قبّة صغيرة أو مئذنة يصل ارتفاعها ما بين 15 و20 مترا.

وتقدّر قيمة أهلة المساجد ما بين 1500 شيكل، أي ما يعادل تقريبا 400 دولار أميركي، و2500 شيكل، بما يعادل تقريبا 550 دولارا أميركيا، ويتحدد ذلك وفقا لمقاس الهلال ونوعيّته.

ويقضي النّحاس الخمسيني الذي يعمل في هذه المهنة منذ 40 عاما، في ورشته الصغيرة، التي صبغت جدرانها باللون الأسود الصادر عن دخان الفحم الحجري، قرابة الـ8 ساعات، ينهي خلالها أعماله بمفرده.

وأدى الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، وإيقاف تصدير البضائع من القطاع إلى الضفة الغربية، إلى إلحاق أضرار كبيرة بعمل عبدو، حسب قوله. ويتابع “كان سوقنا الأوّل في الضفة الغربية، أما في قطاع غزة فإننا نشهد ركودا كبيرا، قد تمر علينا عدة أشهر دون أن ننتج شيئا”.

ومنذ أكثر من ثماني سنوات، أوقفت السلطات الإسرائيلية تصدير غالبية المنتجات والبضائع من غزة إلى الخارج، إلا أنها سمحت مؤخرا بخروج شحنات صغيرة من البضائع، يرى مراقبون اقتصاديون أنها لن تترك أثرا إيجابيا على الاقتصاد المدمر في القطاع.

وتفرض إسرائيل حصارا على قطاع غزة، منذ استيلاء حركة حماس الإسلامية على كل مؤسسات السلطة الفلسطينية في غزة، عام 2006، ثم شددته في منتصف عام 2007. وتستمر إسرائيل في حصارها رغم تشكيل حكومة توافق وطني أدت اليمين الدستورية أمام الرئيس محمود عباس في الثاني من يونيو الماضي.

20