شبح الانكماش يعمّق المخاوف التونسية من انهيار اقتصادي

الحكومة تعلن عن خطة إنقاذ تشمل حزمة مشاريع في القطاعين العام والخاص بقيمة ملياري دولار.
الجمعة 2020/06/26
أدوات محدودة لإنعاش الاقتصاد

حملت مخاوف المسؤولين التونسيين، وعلى رأسهم رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، من احتمال تعرض البلاد إلى انهيار اقتصادي في حال دخلت الأنشطة التجارية والاستثمارية في ركود أعمق في طياتها الكثير من التشاؤم بين الخبراء خاصة مع استمرار التجاذبات السياسية وعدم التركيز على الخروج من هذا الوضع الكارثي سريعا.

تونس - عمق رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ خلال جلسة برلمانية الخميس المخاوف من تعرض البلاد إلى انهيار اقتصادي إذا لم يتم العمل سريعا على وضع خطة إنقاذ يتشارك فيها الجميع من أجل الخروج من عنق الزجاجة.

وحذر الفخفاخ من احتمال حدوث هذه الفرضية بعد أن تحول النمو المتوقع إلى انكماش بنسبة تقدر بنحو 6 في المئة خلال العام الجاري بسبب تداعيات أزمة الإغلاق جراء انتشار وباء كورونا.

وأدت أزمة كورونا إلى تراجع عوائد الخزينة العامة بنحو 4.85 مليار دولار (1.7 مليار دولار) منذ إعلان الحجر الصحي في العشرين من مارس الماضي، وهو ما زاد الضغوط على الحكومة بشكل أكبر مما هو متوقع.

وقال الفخفاخ في كلمة أمام البرلمان نقلها التلفزيون الرسمي لعرض حصيلة مئة يوم من العمل منذ توليه رئاسة الحكومة إن “مصارحة الشعب تتطلب إبلاغه بأن مهمة الحكومة اليوم إنقاذ الاقتصاد في ظل المديونية والأزمة الاجتماعية والصحية”.

محسن تيس: نجاح الخطة يعتمد على الموارد المالية والبشرية المتاحة
محسن تيس: نجاح الخطة يعتمد على الموارد المالية والبشرية المتاحة

ويرى البعض أن كورونا نسف كل طموحات الحكومة في إعادة التوازن المالي لأن الحلول المتاحة أمامها تبدو ضئيلة وهو ما دفع الفخفاخ إلى طرح خطة إنقاذ عاجلة للاقتصاد.

وتبقى فرضيات إنعاش الاقتصاد قائمة ولكن في حال أحسن الفخفاخ التعامل مع الملفات الحارقة وخاصة الخروج من متاهة ضغوط صندوق النقد الدولي ولوبي النقابات ورجال الأعمال.

واعتبر المتخصص في الاقتصاد محسن تيس في تصريح لـ”العرب” أن الأمر الرئيسي، الذي يجب أن يعمل عليه الفخفاخ بتركيز أكبر هو كيفية تفكيك العقبات التي تواجه الاقتصاد وبالتوافق مع كل الأطراف السياسية والاجتماعية.

وقال إن “البرنامج الذي أعلن عنه طموح ويمكن أن ينقذ الاقتصاد التونسي ويخرجه من الركود بشكل تدريجي”.

ولكن تيس استطرد بالإشارة إلى أن ذلك يعتمد على الوسائل والموارد المالية والبشرية المتاحة والضرورية، إذ يتطلب تحقيق هذا البرنامج دعما سياسيا قويا ليس هذا هو الحال حاليا.

وأوضح تيس، وهو رئيس تحرير مجلة الاقتصاد المغاربي المحلية الناطقة بالفرنسية، أن مشاريع القوانين المعلقة مثل قانون الصرف تتطلب بالضرورة موافقة البرلمان.

وقال “هناك الحزب السياسي الثاني وهو قلب تونس غير ممثل في الحكومة. لذا سيكون من الصعب الموافقة على المشاريع التي اقترحتها الحكومة، خاصة وأن اللجنة برئاسة نائب من قلب تونس”.

وأكد أن توسيع الائتلاف الحكومي بات أمرا ضروريا لتمرير بعض المشاريع الاقتصادية، وبالتالي الإسراع في حل الأزمة تدريجيا لأن الوقت لم يعد في صالح الجميع.

وفشلت كافة الحكومات المتعاقبة منذ الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي منتصف يناير 2011 في إطلاق نموذج تنموي عادل ومتوازن بين الجهات ويحقق السلم الاجتماعي.

ورغم المخاوف من ارتفاع تكاليف القروض، التي سترهق كاهل الدولة وترهن مستقبل الأجيال المقبلة، لا ترى السلطات خيارا آخر.

مؤشرات سلبية

  • 1.7 مليار حجم تراجع عوائد الخزينة
  • 32.8 مليار دولار حجم الدين العام
  • 650 ألف تونسي عاطل عن العمل
  • 16 في المئة نسبة تراجع الاستثمار الأجنبي

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن نسبة الدين العام بلغت نحو 60 في المئة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل 92 مليار دينار (32.8 مليار دولار).

وتسبب الوباء بمضاعفة الأزمات الاقتصادية رغم ارتفاع قيمة الدينار بشكل طفيف أمام سلة العملات الرئيسية، وانخفاض معدل التضخم، لكن في المقابل تراجع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 16 في المئة منذ بداية العام.

وهناك قلق متزايد من أن يتسبب الركود الاقتصادي إذا استمرّ لأشهر في تهديد سوق العمل، حيث قال الفخفاخ هناك 130 ألف فرصة عمل إضافية معرضة للخطر.

ووفق بيانات معهد الإحصاء، فإن عدد العاطلين يبلغ 650 ألف شخص، وهذا الأمر يتسبب في مشاكل اجتماعية أكبر خاصة وأن المؤشرات تؤكد أن أكثر من 4 ملايين تونسي يعانون من الفقر، وهذه الفئة قد تتزايد وفق توقعات البنك الدولي.

وفي محاولة لإعطاء جرعة أوكسجين للاقتصاد المنهك، أعلن الفخفاخ خلال الجلسة عن خطة تشمل مشاريع في القطاعين العام والخاص بقيمة 5.5 مليار دينار (نحو ملياري دولار).

وستتوزع هذه المشروعات بين 1.1 مليار دولار في المشاريع القطاع العام أما التمويلات المتبقية فتشمل تسعة مشاريع في القطاع الخاص.

ولإنجاح هذا البرنامج تراهن الحكومة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص والتي لا تزال تسير ببطء شديد قياسا بدول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويعتقد بعض الخبراء أن إمكانية تنفيذ المشاريع قد تواجه عقبات مثلما حصل في السابق وخاصة مع استمرار البيروقراطية والفساد اللذين لا يزالان يعيقان التنمية المستدامة منذ سنوات إلى جانب عدة عراقيل أخرى.

وقال الخبير أنيس القاسمي إنه “في سبيل تحقيق تلك الغاية ينبغي اجتثاث كافة مظاهر الفساد والبيروقراطية، التي اتسعت منذ 2011، مع التركيز على التنمية في القطاعات الحيوية وجذب الاستثمار”.

وأكد لـ”العرب” أن الحكومة في موقف “لا تحسد عليه” لأنها منذ توليها السلطة لم تلتقط أنفساها، إذ بينما كان يفترض أن تنكب على لملمة “فوضى” سلفه يوسف الشاهد وجدت نفسها في مواجهة أزمة مرض كورونا.

ولفت إلى أن برنامج الفخفاخ قابل للتنفيذ إذا توفرت عدة عوامل منها إجماع الطبقة السياسية على فسح المجال للحكومة لكي تعمل دون إرباكها وتوفير السيولة لإطلاق المشاريع واعتماد حوافز ضريبية لتشجيع القطاعات على النهوض من كبواتها.

ويتوقع أن يواجه قطاع الصناعات الثقيلة كالسيارات وقطاعي الملابس والحرف الصغيرة أزمة قد تمتد حتى عام 2023.

11