شبح التدخل الدولي يخيّم مرة أخرى على دارفور

الإقليم يمثّل شوكة في خاصرة الانتقال السياسي الرخو بالسودان.
الأحد 2021/01/24
وضع أمني هش

الاشتباكات العنيفة التي شهدها إقليم دارفور قد تعجل بتدخل دولي جديد في السودان، في محاولة لإحلال السلم فيه، وذلك بعد فشل مجلس الأمن الدولي في التوصل إلى بيان مشترك بشأن الأحداث الأخيرة، التي شهدها الإقليم وأدت إلى سقوط العشرات من القتلى والجرحى، لكن التدخل الجديد إذا توافقت القوى الدولية على الذهاب فيه، يطرح أهمية مساعدة السلطة الانتقالية في إرساء الاستقرار والأمن عوض الاقتصار على تقديم المساعدات الإنسانية فحسب.

الخرطوم - ما زال هناك من يرفضون تحول السودان إلى عنصر جذب واستقرار في المنطقة، ويسعون لعدم خروجه من الدائرة الجهنمية التي عاشها طوال سنوات حكم عمر حسن البشير، مشتتا في حروب ونزاعات في الغرب والشرق والجنوب، كلما هدأت إحداها وقع تحريك أخرى إلى الواجهة، جراء حسابات أطراف داخلية وخارجية تعتقد أن مصالحها تتحقق في ظل استمرار الصراعات، كأن الهدوء يمثل خطرا عليها.

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك الجمعة، أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومكتب حقوق الإنسان، أعربا عن قلقهما إزاء الاشتباكات الأخيرة في دارفور، وهناك خوف من أن “يؤدي انعدام الأمن والإفلات المزمن من العقاب في المنطقة إلى تعرضها للمزيد من أعمال العنف الخطيرة”.

وكشف اجتماع مغلق عقده مجلس الأمن الدولي الخميس، لمناقشة الاشتباكات الدامية التي شهدها دارفور، عن حجم التباين في آلية التعامل مع أزمة قابلة للانفجار مرة أخرى، تؤثر تداعياتها على مستقبل السلطة الانتقالية في الخرطوم، التي أشاعت أجواء من التفاؤل حول تغيير وجه البلاد وإعادة تصويب الكثير من المسارات، ليصبح السودان عنصرا مهما في ضبط التفاعلات الإقليمية.

مهما اتخذت السلطة الانتقالية من سياسات إيجابية لتثبيت الأمن والاستقرار في مناطق الهامش، سوف تظل تعاني ما لم تتكفل بوقف الانتهاكات الإنسانية

تتجلى مظاهر التباين بعد وقوع العشرات من القتلى والمصابين خلال الأيام الماضية، حيث كانت الأوضاع قد هدأت نسبيا واحتوت الحكومة جوانب عديدة فيها، غير أن عودتها للتوتر في إقليم مضطرب، تتشابك فيه الكثير من المحددات الاجتماعية والسياسية والأمنية، جعلت منه منغصا قد يستعيد مرارات سنوات تحول فيها إلى أزمة دولية.

اقترحت الولايات المتحدة والمكسيك ودول أوروبية في اجتماع مجلس الأمن، تبني إعلان يهدف إلى دعوة الحكومة السودانية للإسراع في تطبيق خطتها لحماية السكان ونشر 12 ألف عنصر أمني، بعد انسحاب قوات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي (يوناميد) نهاية العام الماضي،  لكن المقترح قوبل برفض من الهند وروسيا والصين ودول أفريقية أعضاء بالمجلس، مع دعوة إلى احترام سيادة السودان.

أعاد هذا الموقف إلى الأذهان خلافات سابقة حول الأزمة ذاتها، ويكاد الانقسام السابق يعود الآن، فالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في جانب، وروسيا والصين ومعهما الهند الآن في الجانب المقابل، وفي الوقت الذي يمنح فيه الفريق الأول أهمية فائقة للجوانب الإنسانية، قدم الفريق الثاني الجوانب السياسية والأمنية على الإنسانية.

توحي هذه المسافة بأن إقليم دارفور لا يزال يمثل شوكة في خاصرة السودان الغربية، ومهما اتخذت السلطة الانتقالية من سياسات إيجابية لتثبيت الأمن والاستقرار في مناطق الهامش، سوف تظل تعاني ما لم تتكفل بوقف الانتهاكات الإنسانية، وهي الزاوية التي تجيد التعامل معها وتوظيفها حركات مسلحة في دارفور، ولعبت دورا مهما لوضع الأزمة في صدارة المشهد الدولي لسنوات طويلة.

ربما تكون الأوضاع الإقليمية والدولية مختلفة الآن، فلم يعد إقليم دارفور الوحيد الذي يعاني من توترات وانتهاكات في المنطقة، ما يجعل الأزمة أقل اكتراثا عند طرحها على الأجندة الدولية، لكنها تبقى واحدا من المداخل التي تمثل ضغطا على الحكومة ومجلس السيادة في السودان، وغير مستبعد أن تتحول إلى نقطة للمساومة أو العقاب.

أقام الفريق الثاني في مجلس الأمن رؤيته على منح السلطة الانتقالية فرصة لضبط الأوضاع ومعالجتها بالآليات المناسبة، بعد أن أبدت هذه السلطة حرصا على السلام مع الحركات المسلحة، وما تبقى منه ولم ينفذ يتعلق بتفاصيل وليس بالمبدأ، خاصة أن هناك فصائل وقوى في الإقليم لم تعرف لها حرفة سوى الاقتتال، وعندما تتخلى عنه تحتاج إلى المزيد من الوقت، الأمر الذي تحاول الحكومة معالجته عبر حوارات متفرقة.

استند الفريق الدولي الثاني على أن عدم إدانة ما حدث في دارفور مؤخرا عملية ضرورية، باعتبار أن صدور قرار أو بيان من مجلس الأمن، يهز ثقة السكان في حكومة تبذل جهودا مضنية للتوفيق بين متناقضات تاريخية وعرة في الإقليم.

فات على أعضاء مجلس الأمن أن انتهاء مهمة “يوناميد” في الإقليم قبل إتمام مصالحة حقيقية في دارفور، يتحمّل فيه القرار جزءا رئيسيا من تجدد التوتر الراهن، وأن الحسابات الخاطئة للبعض أسهمت في هذا التوتر، فالإعلان عن انتهاء مهمة القوة الدولية الأفريقية العاملة في دارفور، أوعز لحركات مسلحة بعدم المبالاة بما سوف تقوم به.

إذا قررت القوى الدولية التدخل في أزمة دارفور مرة أخرى، عليها مراعاة الأخطاء التي وقعت فيها سابقا، وأهمها عدم حصر التدخل  في المكونات الإنسانية
إذا قررت القوى الدولية التدخل في أزمة دارفور مرة أخرى، عليها مراعاة الأخطاء التي وقعت فيها سابقا، وأهمها عدم حصر التدخل في المكونات الإنسانية

تأتي الخطورة من أن الحكومة لم تتمكن من نشر كامل القوات المطلوبة في دارفور لسد فراغ انسحاب “يوناميد”، بصورة منحت الراغبين في عودة الإقليم كمنغص للسودان فرصة كبيرة، لذلك زاد تحرك الجماعات المسلحة، وزاد معها وقوع الضحايا للفت الأنظار الدولية إلى دارفور، وبالفعل عقد مجلس الأمن جلسته الخميس، ويمكن أن يعقد جلسات أخرى، إذا تصاعدت حدة التوترات.

يهيئ انهماك القوات المسلحة السودانية في أزمة الحدود مع إثيوبيا المجال لتوسيع نطاق النزاعات في دارفور، ويحد من قدرتها على سد المنافذ التي تدخل منها الميليشيات لممارسة التقتيل في صفوف المواطنين، وتأليبهم على السلطة المركزية، التي تعاني من اختلالات هيكلية لتجاوز العقبات التي تواجهها، بخصوص استكمال حلقات السلام مع الحركات المسلحة التي لم توقع عليه، واستكمال تنفيذ بنود الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية.

أصبح حرص البعض من القوى الدولية على توفير ضمانات الانتقال لحكومة مدنية في السودان في مفترق طرق، فالمهمة الدولية البديلة ليوناميد والمعروفة بـ”يونيتامس”، تهدف إلى التحول الديمقراطي بسلاسة، ولم تراع جيدا الجوانب الأمنية، كذلك لم تأخذ في حسبانها اتساع رقعة التوتر في الأقاليم.

بحسب قرار مجلس الأمن رقم 2524 الصادر في يونيو الماضي، فإن مهمة بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الفترة الانتقالية في السودان (يونيتامس) تبدأ في الأول من يناير 2021، ولمدة 12 شهرا كمرحلة أولية.

وتهدف البعثة الجديدة إلى المساعدة في تحول البلاد إلى حكم ديمقراطي، ودعم حماية وتعزيز حقوق الإنسان والسلام المستدام، وتدعم الوحدة أيضا عمليات السلام وتنفيذ اتفاقات السلام في المستقبل، ومساعدة بناء السلام والحماية المدنية وسيادة القانون، خاصة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

وضعت المهمة الجديدة نصب عينيها الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية، وكلها عناصر حيوية بالنسبة للسودانيين والغرب، لكنها تجاهلت تثبيت المفاصل الأمنية التي تعد المدخل الحقيقي لتطبيق هذه المفردات، وتغافلت عن تقديم المساعدات الكافية لتخفيف حدة الأزمات الاقتصادية، وطالبت السلطة الحاكمة في الخرطوم بالحرص على التحول الديمقراطي، وبخلت عليها بتقديم العوامل اللازمة للوصول إليه.

تتسق الدول الغربية مع أفكارها العامة ولم تغير نظرتها للسودان حاليا، وتعاملت مع توترات دارفور من هذا المنطلق، وهو ما يجعلها تنزل النهر مرتين. ففي المرة الأولى قبل نحو عقد ونصف العقد، نزلته من هذا الطريق ولم تنته مأساة الإقليم تماما، وخفت حدتها في وسائل الإعلام الدولية ليس لأن الأزمة حُلّت، لكن بسبب وجود أكثر من أزمة شبيهة بدارفور، والنظام السوداني الذي ناصبه المجتمع الدولي العداء سقط.

إذا قررت القوى الدولية ولوج أزمة دارفور مرة أخرى من الباب نفسه، عليها أن تراعي الأخطاء التي وقعت فيها سابقا، وأهمها عدم حصر التدخل في المكونات الإنسانية، وعليها مساعدة السلطة الانتقالية على توفير الأمن والاستقرار أولا، قبل أن يخسر السودان دارفور ويخسر وحدته الإقليمية.

6