شبح الحرب بالوكالة يطل على السودان وإثيوبيا

المعارك الحدودية بين البلدين قد تأخذ مسارات غير مباشرة، وتعتمد على وكلاء لها لعدم استعداد الطرفين لخوض مواجهة مسلحة سوف تكون مكلفة.
الأربعاء 2021/03/10
استنفار سوداني

الخرطوم – عاد شبح الحرب بالوكالة ليطل برأسه بين السودان وإثيوبيا بعد تأزم الموقف بين البلدين على مستوى أزمة سد النهضة وتعقيداتها السياسية والفنية، وانسداد أفق الحلول السياسية لحساب العسكرية بشأن الأزمة الحدودية.

ومع حرص الطرفين على تجنب المواجهة العسكرية المباشرة بين جيشي البلدين بالنظر إلى صعوبة التكهن بنتائجها ومآلاتها، بات خيار الحرب بالوكالة أكثر واقعية، وهي صيغة اعتمدت من قبل عندما كانت الخلافات تحتدم في سنوات سابقة، واستفاد كلاهما من كثافة الحركات والقوميات الغاضبة من توجهات وممارسات السلطتين المركزيتين في البلدين، ولجأ كل طرف للضغط على الآخر بهذه الورقة.

هاني رسلان: إثيوبيا تعمل على فتح جبهة لإشغال الجيش السوداني
هاني رسلان: إثيوبيا تعمل على فتح جبهة لإشغال الجيش السوداني

واتهم مصدر بالجيش السوداني مؤخرا الحكومة الإثيوبية صراحة بتزويد حركة متمردة بالأسلحة والذخيرة ومعدات القتال لاحتلال مدينة الكرمك جنوب شرقي السودان والقريبة من الحدود مع إثيوبيا لتشتيت جهود الجيش السوداني، وتقويض سعيه إلى بسط سيطرته على جميع المناطق التي تريد أديس أبابا عدم التفريط فيها.

وتجنب الجيش السوداني ذكر اسم مصدر الاتهامات الموجهة إلى إثيوبيا وسحب البيان الرسمي الصادر عنه، ولم يسحب مضمونه وترك مصدره مجهولا، ونشرته غالبية الصحف والمواقع الصادرة في الخرطوم الاثنين بصيغة تؤكد الحرص على توصيل رسالة لمن يهمهم الأمر تفيد بأن هناك رفضا لدعم إثيوبيا لأي قوات متمردة.

وباتت أديس أبابا متهمة بتقديم دعم لوجستي لقوات جوزيف توكا نائب رئيس الحركة الشعبية قطاع الشمال جناح عبدالعزيز الحلو في ولاية النيل الأزرق، ووصل الدعم إلى منطقة يابوس في 27 فبراير الماضي، وكان في استقباله توكا نفسه وبعض قادة قواته المنشقين عن الحلو.

وتتشكل الحركة الشعبية شمال من جناحين كبيرين أحدهما يقوده مالك عقار، ووقع على اتفاق سلام مع الحكومة في جوبا في أكتوبر الماضي، وانضم إلى مجلس السيادة وأصبح جزءا من السلطة الانتقالية.

ويقود الجناح الثاني عبدالعزيز الحلو ولم يوقع على اتفاق السلام، ويستعد حاليا للدخول في مفاوضات جادة مع الحكومة بعد أن أصدر مجلس الأمن الشهر الماضي بيانا لوّح فيه بفرض عقوبات على الحركات المسلحة التي تعطل مسيرة السلام.

وأكدت مصادر سودانية الاثنين أن جهاز الاستخبارات التابع للفرقة الثانية مشاة بالقضارف ضبط بنادق آلية وقنابل يدوية وذخائر مهربة على متن شاحنة كانت في طريقها إلى ميليشيات إثيوبية عبر حدود ولاية الشرقية.

وتشير الواقعة والكشف عنها في هذا التوقيت إلى أن المعارك الحدودية بين البلدين قد تأخذ مسارات غير مباشرة، وتعتمد على وكلاء لها لعدم استعداد الطرفين لخوض مواجهة مسلحة سوف تكون مكلفة للنظامين الحاكمين في البلدين.

وكشفت مصادر سودانية أن عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي مستمرة منذ فترة مستفيدة من السيولة السياسية والمرونة الجغرافية وتشابك الجماعات العرقية، ما يجعل الخرطوم قد تقدم على دعم جبهة تحرير تيغراي التي تعرضت لهزيمة عسكرية مؤخرا، وفرّ عدد كبير من قادتها إلى الأراضي السودانية هربا ولجوءا ونزوحا، وربما تدريبا واستعدادا لجولة أخرى.

ويمنح تمركز هؤلاء في منطقة الحدود المشتركة القريبة من إقليم تيغراي فرصة للسودان لمبادلة إثيوبيا بالأداة ذاتها، ما يعيد الزخم للحرب بالوكالة بين البلدين وينذر بتصاعد خلاف متشابك لم ترشح معلومات كافية حول إمكانية حله سياسيا.

إيمان عثمان نشوب حرب بالوكالة وارد مع زيادة التدخلات في القرن الأفريقي
إيمان عثمان: نشوب حرب بالوكالة وارد مع زيادة التدخلات في القرن الأفريقي

وأوضح الخبير في الشؤون الأفريقية هاني رسلان أن إثيوبيا تستمزج دعم المتمردين في السودان، واحتضنت لفترة طويلة حركات التمرد في مرحلة الحرب الأهلية بين جنوب السودان وشماله، ومثلت الداعم الرئيسي والقاعدة الخلفية للحركة الشعبية لتحرير السودان تحت قيادة زعيمها الراحل جون قرنق، وقدمت دعما سخيا لقواته مكنها من التقدم عسكريا حتى سلّمت الخرطوم بتقرير المصير ثم انفصال الجنوب.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “أديس أبابا لعبت دورا مركزيا في الحرب الأهلية واستثمرتها كورقة لمقايضة السودان والضغط عليه بقوة، وإذا صحت المعلومات المتداولة حول دعم حركة متمردة الآن، فهذا يعني أن إثيوبيا تعمل على فتح جبهة لإشغال الجيش السوداني، ولفت انتباهه بعيدا عن الأزمة الحدودية”.

ويحرص البلدان على تفادي سيناريو المواجهة بين الجيشين لأنها تشغلهما عن التصدي لتحديات داخلية صعبة، وتنعش آمال الجماعات المتمردة، وتعيد خلط حسابات منطقة اقتربت منها جماعات متطرفة تتغذى على الحروب الأهلية.

وأشارت المحللة السياسية السودانية إيمان عثمان إلى أن نشوب حرب بالوكالة غير مستبعد مع زيادة حجم التدخلات الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي ووصول الطرفين إلى مرحلة شبه صدامية، ما يمثل وقودا للحركات والقوميات المتمردة على جانبي الحدود.

وذكرت في تصريح خاص لـ”العرب” أن “ما يقلل من فرص الحرب المباشرة وجود سلطة مدنية في الخرطوم جاءت بموجب ثورة شعبية وتشارك في الحكم، وحال وجود سلطة دكتاتورية يمكن توقع نشوب حرب بسهولة، وما يفرملها رغبة المكون المدني في استقرار الأوضاع وإتاحة الفرصة لنجاح التجربة الديمقراطية بلا منغصات”.

ويقول مراقبون إن إثيوبيا ستكون هي الطرف الخاسر حال وقعت حرب بالوكالة عبر الحركات المتمردة، لأن السودان استطاع سد الكثير من جيوب العنف في الهامش والأطراف بعد توقيع عدد كبير من الحركات المسلحة اتفاق السلام.

ويشير المراقبون إلى أن سمعة آبي أحمد رئيس الحكومة الإثيوبية تأثرت سلبا بما جرى من انتهاكات في حرب تيغراي، وحال ثبوت دعمه لأي من الحركات المتمردة في السودان سوف يواجه بضغوط إقليمية ودولية، وينتقل من رجل سلام إلى رجل حرب يريد هدم ما توفر من استقرار في السودان وإعادة إنتاج أدوات قديمة.

2