شبح السلطة السياسية يتضاءل أمام هيمنة رأس المال على الإعلام

تناول مثقفون وإعلاميون خلال جلسة في مؤتمر الثقافة العربية الذي انعقد في مدينة الإسكندرية في مصر، التحديات التي تواجه الإعلام في عصر التكنولوجيا الرقمية، وسيطرة رؤوس المال على وكالات الأنباء والمؤسسات الإعلامية الكبيرة، بجانب الأخطاء والسلبيات وضعف الأداء الإعلامي العربي في المرحلة الراهنة، والطرق الكفيلة لإعادة رسم استراتيجية إعلامية ترتفع بوعي المشاهد.
الأربعاء 2015/11/18
المشاركون في المؤتمر خلصوا إلى أهمية إعداد استراتيجية لخلق خطاب إعلامي صديق

الاسكندرية (مصر) - ليس هناك إعلام محايد، ويستحيل أن يوجد هذا النوع من الإعلام سواء في الغرب أو في العالم العربي، هي الخلاصة التي خرجت بها الجلسة الثانية من مؤتمر الثقافة العربية الذي انعقد في مدينة الإسكندرية شمالي مصر، استحقاقات المستقبل، بعنوان "الصحافة والإعلام والثقافة المعاصرة"، وترأسها محمد السنعوسي، وزير الإعلام السابق بدولة الكويت، الذي شدد على فكرة غياب الحياد التام والمطلق في الإعلام، بكل أشكاله.

وتحدثت خلال الجلسة الإعلامية خديجة عبدالله؛ عضو المكتب التنفيذي لشبكة الصحفيات الموريتانيات، وقالت إن العالم شهد في السنوات الأخيرة جملة من التحديات المعلوماتية ذات الأبعاد المختلفة التي ساعدت على ظهور ما يعرف بالإعلام الجديد، والذي يتمثل في البث المباشر عبر الفضاء والهاتف المحمول وتطبيقات شبكة الإنترنت الذي أدى إلى الانكشاف الثقافي للمجتمعات العربية.

وأكدت عبدالله أن واقع العالم اليوم يجعل مهمة المثقف كالإعلامي، في التوعية والتنوير والتثقيف، فالصحفي مرتبط بميثاق شرف يحتم عليه المهنية والصدق في عمله بينما المثقف في حل من هذا الالتزام لكنه في الواقع يقع تحت طائلة الضمير والانتماء والمواطنة.

وانتقد الإعلامي المصري جمال الشاعر، الأداء الإعلامي، وسيطرة رؤوس المال على المحتوى، وأكد أن الإعلام تعامل مع المواطنين بمنطق كائنات ناقصة الأهلية وليس لها أي تفاعل.

جمال الشاعر: الإعلام تعامل مع المواطنين كأنهم كائنات ناقصة الأهلية

وأضاف أن المشكلة ما بين السلطة السياسية والمال وسلطة الإعلاميين، وشهوة السبق الإعلامي قد تؤدي إلى كوارث.

ولفت الشاعر إلى أن المشاهد هو الضحية لأن رأس المال أقوى من السلطة السياسية، والوكالات الإعلانية متحكمة في المحتوى، وأنه لا بد من الإصلاح السياسي والتشريعي لضمان حرية التعبير، ومحاربة الكيانات الاحتكارية، وتحكم المعلنين في المحتوى، وولاء الإعلاميين للوكالات الإعلانية.

وبدورها أشارت الأديبة الجزائرية ندى مهري إلى أن وسائل الإعلام باتت تساهم وبقوة في تشكيل المواقف وآراء المجتمع تجاه القضايا المختلفة التي تواجه الأمة في ترسيخ قيم النظام الاجتماعي ، ولها دورها الاستراتيجي في تعميق الخلاف أو في تقريب وجهات النظر ومد الجسور بين الشعوب والتعريف بها وبتاريخها بما يعزز التفاهم بين الثقافات على نحو أفضل.

وترى مهري أن الإعلام العربي إعلام غاضب لأنه يترجم صورة الاحتقان المجتمعي الذي ينتمي إليه في جميع المجالات وابتعد عن الدور الاستراتيجي المتمثل في التوعية والتنوير في الفترة العاتمة التي تمر بها الأوطان، وأهمل أن يكون منحازًا للموضوعية التي توقظ المجتمع بكافة أطيافه وتحثه على التكاتف بدل التهويل وصناعة حماسة التفرق لتشويش وشحن المتلقي.

وأوصت في نهاية حديثها بإعداد استراتيجية إعلامية كاملة الأركان لخلق خطاب إعلامي صديق للتنوع الثقافي وللحوار، ويشجع على التواصل وقبول الآخر من أجل خلق مجتمع متماسك وشريك أساسي في عملية التنمية والبناء.

واعتبر الصحفي وائل السمري أن المثقفين والصحف الثقافية سجنوا أنفسهم في الشعر والرواية، وأصبحوا يقدمون سلعة لا يتناولها إلا هم، مضيفًا أن الثقافة في المجتمع لا تتوقف عند هذه المنتجات فحسب فهي تتدخل في التاريخ والاقتصاد والدين، حيث أن الدين جزء من الثقافة.

ندى مهري: الإعلام العربي إعلام غاضب لأنه يترجم صورة الاحتقان المجتمعي

وأشار إلى أن معظم المثقفين العرب غرقوا في استلهام النظريات الأوروبية، وأسهم هذا الغرق في البعد عن الناس فصار البعد أكبر وأكبر، وأصبحت هناك فجوة كبيرة بينهم وبين المتلقي، ويجب عليهم أن يقدموا خدمات ثقافية تخاطب الجمهور بلغة يفهمها، فيتعمقوا في العمل الثقافي وتقليل الفجوة بينهم وبين الجمهور.

جدير بالذكر أن المؤتمر احتضنته مكتبة الإسكندرية على مدى يومي 16 و18 نوفمبر الحالي وشارك فيه ما يزيد عن 300 مثقف مصري وعربي. وذكر بيان للمكتبة أول أمس، أن المؤتمر بدأ فعاليته بجلسة “الأدب في الوطن العربي… الواقع ورؤى المستقبل”، برئاسة الأديب الجزائري واسيني لعرج، الأستاذ بجامعتي السوربون والجزائر.

وقال إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، إن المشاركين في المؤتمر، باحثين وأدباء ومفكرين من 22 دولة عربية وخبراء من منظمات ثقافية عربية، يناقشون عبر عشر جلسات العديد من القضايا الحيوية المطروحة على الساحة الثقافية في الوطن العربي مثل الدراسات الإنسانية وإشكاليات مستقبلها فى الوطن العربي، والفضاء الرقمي والثقافة العربية، الأدب فى الوطن العربي.. الواقع ورؤى المستقبل، الصحافة والإعلام والثقافة العربية المعاصرة، إشكالية الثقافة والدين… السؤال القديم الجديد.

ومن المقرر أن يعقد هذا المؤتمر سنويا، وأن يكون بداية لإعداد تقارير في موضوعات مختلفة في المنطقة العربية.

18