شبح العزوف يُخيم على أول انتخابات محلية في تونس

التونسيون يفقدون الثقة في الطبقة السياسية، والانتخابات تمهد لتوازنات جديدة للمشهد العام في البلاد.
السبت 2018/05/05
لا أحد يهتم

 تونس – تدخل تونس فترة الصمت الانتخابي في منتصف ليل الجمعة-السبت، بعد حملات انتخابية تواصلت على مدى 20 يوما، ارتبطت بأول انتخابات بلدية (محلية)، تُنظم في البلاد منذ العام 2011، وسط مخاوف مُتصاعدة من عزوف المواطنين عن المشاركة فيها.

ومن المُقرر أن يتوجه الناخبون التونسيون غدا (الأحد)، إلى مراكز الاقتراع البالغ عددها 11 ألفا في مختلف أنحاء البلاد، للإدلاء بأصواتهم من أجل اختيار من يُمثلهم في المجالس البلدية الموزعة على 350 دائرة بلدية.

وتُشارك في هذه الانتخابات الأولى في تونس منذ العام 2011، نحو 2074 قائمة، منها 1055 قائمة حزبية، و860 قائمة مستقلة، و159 قائمة حزبية ائتلافية، وذلك للتنافس على 7177 مقعدا بلديا في 350 دائرة بلدية موزعة على كافة أنحاء البلاد التونسية.

وعرفت هذه الانتخابات مشاركة الأمنيين والعسكريين فيها، وذلك لأول مرة في تاريخ تونس منذ استقلالها في العام 1956، ومع ذلك كانت نسبة إقبالهم على صناديق الاقتراع الأحد الماضي، ضعيفة حيث لم تتجاوز 12 بالمئة.

واتخذت السلطات التونسية كافة التدابير والإجراءات اللازمة لإنجاح هذا الاستحقاق الانتخابي، حيث أعلن وزير الداخلية لطفي براهم، عن تعبئة نحو 30 ألف أمني لتأمين هذه الانتخابات، لافتا في نفس الوقت إلى أنه تم إصدار توصيات وتعليمات واضحة للالتزام بالحياد التام. وبالتوازي، أكد العميد بلحسن الوسلاتي الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع، أن المؤسسة العسكرية تتكفل بتأمين المقر المركزي للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ومقر المخزن المركزي، ومقرات الهيئات الفرعية، بتركيز تشكيلات عسكرية قارة بدأت عملها منذ 14 فبراير الماضي، لتتواصل لغاية العاشر من الشهر الجاري.

وقبل ذلك، أكدت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أنها على أتم الاستعداد لإنجاح هذا الموعد الانتخابي الهام الذي من شأنه تكريس الحكم المحلي، وترسيخ المسار الديمقراطي في البلاد.

لكن هذه التأكيدات، لم تحجب المخاوف التي ارتفعت خلال الأيام القليلة الماضية، من تكرار سيناريو عملية اقتراع الأمنيين والعسكريين في هذه الانتخابات التي جرت الأحد الماضي، والتي جعلت شبح العزوف يُخيم على هذا الاستحقاق.

مخاوف من تكرار سيناريو عملية اقتراع رجال الأمن والعسكريين في هذه الانتخابات التي لم تتجاوز 12 بالمئة

ولم تتمكن التحركات السياسية والحزبية التي تكثفت خلال الأيام الأخيرة من الحملات الانتخابية من إبعاد شبح العزوف الذي بات يُقلق القوى السياسية التي سارعت إلى التحذير من تداعياته السلبية على المسار الديمقراطي في البلاد.

ورغم تباين التقديرات حول نسبة المشاركة المُتوقعة، تكاد مختلف القراءات السياسية المرافقة لهذا الجدل، تُجمع على أن عزوف الناخب التونسي عن المشاركة في هذه الانتخابات أضحى أمرا لا مفر منه، لأسباب مُتعددة.

ورحج رضا بالحاج، رئيس حركة تونس أولا، والقيادي في الائتلاف الحزبي”الإتحاد المدني”، إمكانية تواصل عزوف المواطنين عن الإقبال على صناديق الاقتراع غدا الأحد.

وقال لـ”العرب”، إن القراءة الموضوعية لمجمل التطورات التي أحاطت ومازالت تُحيط بهذا الاستحقاق الانتخابي، تذهب باتجاه تأكيد أن دائرة العزوف ستكون حاضرة بظلالها مرة أخرى أثناء فتح صناديق الاقتراع لهذه الانتخابات باعتبار استمرار عدم الثقة بين المواطن ومجمل الطبقة السياسية الحالية.

وأعرب في المقابل عن أمله في ألا تتسع دائرة العزوف المُتوقعة، مُشددا على الأهمية السياسية لهذا الاستحقاق الانتخابي، الذي قال إنه سيجعل تونس بعد السادس من مايو الجاري، تدخل في مشهد جديد يتسم بموازين قوى جديدة ومختلفة عن تلك السائدة حاليا.

ورجح أن تؤكد نتائج هذه الانتخابات، استمرار تراجع مكانة حركة نداء تونس، وكذلك أيضا حركة النهضة الإسلامية، مقابل ظهور قوى جديدة في المشهد العام في البلاد، منها وجوه سياسية مستقلة ومن المجتمع المدني، قد تُساهم في ولادة تشكيل جديد للمرحلة القادمة التي تستعد لها البلاد.

ويُشاطر الأكاديمي التونسي، الدكتور حسان قصّار المختص في علم الاجتماع، هذا الرأي، حيث قال لـ”العرب”، إن المسألة الإيجابية التي يتعين إبرازها هي أنه لم نر أي جهة سياسية أو حزبية دعت مباشرة إلى مقاطعة هذه الانتخابات التي هي تكريس حقيقي للديمقراطية.

لكنه استدرك قائلا “ومع ذلك، أتوقع أن تشهد انتخابات الأحد نسبة إقبال على التصويت مُتدنية، تجعل من العزوف عنوانا سياسيا خلال الأيام القادمة، باعتبارها ستكون بمثابة الصفعة التي تُوجه لمجمل الطبقة السياسية في البلاد”.

وأرجع هذا العزوف إلى عدة أسباب منها حالة الإحباط واليأس التي تُحيط بغالبية الشعب التونسي، بالإضافة إلى عوامل أخرى أهمها انعدام الثقة بين المواطن والطبقة السياسية الحالية بمختلف وجوهها التي مازالت تحكم البلاد بنفس الخطاب الذي برز في العام 2011، رغم تغير الكثير من المعطيات في البلاد.

وكان تدني إقبال الأمنيين والعسكريين على الاقتراع في هذه الانتخابات قد دق ناقوس الخطر باعتباره مؤشرا لا يبعث على الاطمئنان، لا سيما وأن ضعف المشاركة في الانتخابات يبقى واحدا من العوامل الخطيرة التي قد تؤسس لمزاج عام
ستكون له تداعيات سلبية على الاستحقاقات التشريعية والرئاسية المزمع تنظيمها العام المقبل.

4