شبح المجاعة يلوح في شمال شرق نيجيريا

السبت 2017/01/21
نيجيريا "تواجه أسوأ أزمة إنسانية"

مايدوجوري (نيجيريا) - تنتظر الأمهات في صبر على مقاعد خشبية طويلة، فيما يجلس في حجورهن حديثو ولادة وأطفال.. يحدقون بعيون متسعة في الفضاء، وتبدو بطونهم منتفخة وجلودهم مجعدة وشعورهم شعثاء، وتغلب الضعف على كثيرين منهم فأصبحوا غير قادرين حتى على البكاء.

وتصطف الأمهات في عيادة أقيمت داخل مخيم مونا جاراج الذي تم تخصيصه للنازحين هربا من أعمال العنف التي ترتكبها جماعة بوكو حرام الإسلامية المتشددة في مايدوجوري عاصمة إقليم بورنو شمال شرقي نيجيريا.

وتسلم مريم عبد الله ابنتها الصغيرة هاجر، التي تبلغ من العمر عامين، إلى مسؤول الصحة الذي يضع عصابة حمراء حول ذراعها،و يشير هذا اللون إلى أنها تعاني من حالة سوء تغذية حادة.

وتقول منظمة الامم المتحدة إن هذه المنطقة يوجد بها 400 ألف طفل يعانون من حالات سوء تغذية حادة، وترجح المنظمة الدولية أن واحدا من كل خمسة أطفال من هؤلاء سيقضون نحبهم، إذا لم يتم توصيل المساعدات إليهم بشكل عاجل.

وذكر بيتر لوندبرج نائب منسق المساعدات الانسانية بالأمم المتحدة أن نيجيريا "تواجه أسوأ أزمة انسانية في القارة الافريقية".

وحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن ما يقدر بـ4.4 مليون نسمة في نيجيريا يعتمدون على المساعدات الغذائية الطارئة، وأن 65 ألف شخص يعيشون في ظروف تشبه المجاعة.

وتتسم الأزمة بالحدة بشكل خاص في مايدوجوري، حيث تزايد عدد السكان في المنطقة بواقع الضعف تقريبا، بسبب نزوح أكثر من مليون شخص إلى المدينة هربا من بوكو حرام.

ويوجد في المدينة الحارة المتربة تسعة معسكرات مكدسة بالخيام التي تأوي النازحين، ومن بينها مخيم مونا جاراج، فيما يقطن باقي اللاجئين لدى بعض سكان المدينة الذين يكابدون بالفعل لتوفير احتياجات حياتهم.

وكانت مايدوجوري تعاني بالفعل من تردى البنية التحتية وسوء الظروف المعيشية قبل تدفق النازحين إليها. والآن أصبحت المدينة مكتظة بالسكان، وتبدو الخدمات العامة على حافة الانهيار بها.

ويقول عبد القادر موسى، كبير منسقي عمليات الإغاثة الطارئة بمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إن "العدد الإضافي من السكان يشكل ضغوطا كبيرة على الخدمات الأساسية، مثل المرافق الطبية وشبكات مياه الشرب والمدارس".

وتزداد صعوبة الوضع بسبب استمرار خطر الارهاب، الذي يعرقل جهود توصيل المساعدات إلى مايدوجوري وغيرها من المناطق المضطربة في شمال شرق نيجيريا.

وفي مختلف أنحاء المنطقة، تعرضت القرى للدمار ، إضافة إلى سرقة رؤوس الماشية، ونهب المحاصيل وإحراقها، وتوقف الفلاحون عن الزراعة في العديد من المواسم الزراعية بسبب القلاقل.

ويقول مصطفى عباس، الذي يمتلك مزرعة خارج مايدوجوري: "يمكننا أن نزرع فقط في الأماكن الآمنة، ولكن حتى في تلك الأماكن، فإننا نسمع دوي الأعيرة النارية، بينما يقترب المسلحون على متن عربات أو دراجات بخارية".

وأضاف، في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية: "عندما يأتون إلى حقولنا، فإنهم إما يسرقون المحاصيل أو يحرقونها، ومنذ عدة أيام، جاءوا بالقرب من مزرعتي وقتلوا بعض الفلاحين".

ولم تعد أرفف العرض في المحال التجارية تحتوي على بضائع تذكر، كما قفزت أسعار الأطعمة ومياه الشرب بشكل كبير.

وأصبح من الصعب الحصول على مياه نظيفة للطهي والاغتسال، حيث يوجد في مخيم مونا جاراج على سبيل المثال 15 صنبور مياه فقط لـ16 ألف شخص. ويصطف النازحون على مدار ساعات لملء أوعيتهم بالمياه، وأحيانا ما تقع مشاجرات بين المتدافعين للحصول على الماء.

ومن منطلق الشعور باليأس، بدأ بعض السكان يستخدمون المياه غير النظيفة من نهر "ألو" الذي يمر عبر المدينة، فيما أصبح آخرون يشربون المياه من البرك والمستنقعات .

ومن المشكلات الأخرى الرئيسية التي تعاني منها المنطقة، مشكلة التخلص من النفايات، التي أصبحت تلقى بشكل غير قانوني، فتغلق الشوارع وتسد المصارف.

ويحذر هيل بولسن دوبينز منسق برنامج الإغاثة بمنظمة "أطباء بلا حدود" الخيرية من أن غياب معايير النظافة أدى إلى تحويل المخيم إلى "حاضنة للأمراض وسببا في تفشيها".

وأفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن كثيرا من المنشآت الصحية في المنطقة أغلقت أبوابها بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة ، وما نجم عنها من نقص الأطباء وأطقم التمريض والأدوية والمعدات الطبية.

وتشكو المستشفيات الحكومية الثلاثة في مايدوجوري من تكدس المرضى حيث يرقد الكثيرون منهم على الأرض، وينتظرون لساعات طويلة من أجل الحصول على العلاج.

وبالنسبة لكثير من النازحين، أصبح مجرد البقاء على قيد الحياة هو شغلهم الشاغل.

وإلى جانب طفلتها التي تعاني من سوء التغذية، فإن مريم عبد الله، التي نزحت إلى مايدوجوري قبل عامين، لديها خمسة أطفال آخرين تكابد من أجل اطعامهم.

ويحتدم التنافس للحصول على مساعدات الإغاثة، حيث يتدفق الآلاف من الجوعى على نقاط التوزيع عندما تصل شحنات جديدة، ويصطفون لساعات طويلة تحت الشمس الحارقة للحفاظ على أماكنهم في الصف.

وتتكون الحصة الغذائية الواحدة من جوالين من الأرز والفول وجالونين من الزيت، وهي مخصصة لإطعام أسرة لفترة تتراوح من أسبوعين إلى أربعة أسابيع، ولكن مريم تقول إن الفترات بين مرات توزيع الحصص الغذائية تكون أطول من هذه المدة.

وتوضح الأم التي تبلغ من العمر ثلاثين عاما: "نحن نحصل على الحصة الغذائية كل ثلاثة أو أربعة أشهر"، مضيفة "وفي أحيان كثيرة، نظل بدون طعام عدة أيام".

1