شبح المقاطعة يخيم على الحملة الانتخابية في الجزائر

يخيم شبح المقاطعة للانتخابات التشريعية بالجزائر على الحملة الانتخابية التي تنطلق الأحد وتطغى خطابات التخوين والعنف على سجالات السياسيين وخاصة بين المشاركين والمقاطعين لهذا الاستحقاق الانتخابي ما يعمق الهوة بين الشارع والطبقة السياسية.
الأحد 2017/04/09
لامبالاة بالاستحقاق الانتخابي

الجزائر - تنطلق الأحد رسميا في الجزائر فعاليات الحملة الدعائية تحسبا لموعد الانتخابات التشريعية المقررة في الرابع من مايو المقبل.

وتخيم على الحملة أجواء يشوبها الكثير من الغموض والحذر في ظل حالة التململ الاجتماعي والاقتصادي وانسداد الأفق السياسي وارتفاع مؤشرات المقاطعة الشعبية رغم الحملات المتتابعة للسلطة من أجل إقناع الشارع ورسائل الطمأنة التي أطلقتها حول شفافية ونزاهة الاقتراع.

وتحولت قاعة سينما الأطلس بوسط العاصمة إلى حالة من الفوضى بسبب احتجاج بعضو القوائم المستقلة عن عملية القرعة التي أجرتها نهاية الأسبوع اللجنة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات لحصص الأحزاب السياسية والقوائم المستقلة في وسائل الإعلام الحكومية الثقيلة (الإذاعة والتلفزيون) من أجل عرض برامجها السياسية والانتخابية.

وعبرت عدة قوائم عن رفضها لعملية القرعة التي لم تمكن زهاء الستين قائمة مستقلة من عرض برنامجها على الرأي العام واعتبرتها وجها من وجوه الإقصاء الممنهج وعدم تكافؤ الفرص بين المتنافسين على الفوز بالمقاعد الانتخابية في البرلمان بالنظر إلى ما أسمته بـ”الخطر الذي تشكله على أحزاب كبرى محسوبة على السلطة”.

وتضاربت التصورات في توصيفات الاستحقاق الانتخابي المنتظر بين مختلف الأطياف المشاركة بسبب الظروف المحيطة بها من تنامي هاجس المقاطعة الشعبية وتوسع الهوة بين الشارع والطبقة السياسية بسبب إكراهات الأزمة الاقتصادية التي ألزمت غالبية الجزائريين على التفرغ لاهتماماتهم المعيشية بدل الاستحقاقات السياسية.

وفي هذا الشأن صرح الرجل الأول في جبهة التغيير الإخوانية عبدالمجيد مناصرة بأن “الاستحقاق الحالي يتشابه كثيرا مع استحقاق 1996 بالنظر إلى الظروف الاقتصادية والأمنية المتشابهة”، في إشارة إلى الوضع الاقتصادي والأمني المتدهور في منتصف تسعينات القرن العشرين والوضع الراهن الذي تطبعه تهديدات أمنية إقليمية وضغوط اقتصادية على الجبهة الاجتماعية نتيجة تراجع مداخيل البلاد الناجم عن تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية.

في حين يرى رئيس حزب “جيل جديد” جيلالي سفيان المقاطع للانتخابات بأن انتخابات مطلع مايو تتشابه كثيرا مع استحقاق العام 2012 قياسا بما أسماه ” مؤشرات التزوير ومصادرة إرادة الناخبين من طرف السلطة وهيمنة أحزاب السلطة على المشهد العام، فضلا عن تغلغل المال السياسي الفاسد “، في إشارة لتبوّؤ الكثير من رجال المال والأعمال لقوائم الكثير من القوائم الحزبية والمستقلة.

وأشار إلى أن البرلمان المنتظر بعد الرابع من مايو القادم سيكون “أكثر هزالا ورداءة من سلفه، وإذا سمي البرلمان المنتهية ولايته ببرلمان ‘الحفافات’ (الحلاقات)، فإن البرلمان الجديد سيكون برلمان المال السياسي الفاسد”.

وتسود الشارع الجزائري حالة من الإهمال وعدم الاكتراث مما تستعد له الطبقة السياسية لخوض الاستحقاق، فأحاديث الانتخابات غائبة تماما عن مدن وأرياف البلاد ولا تعدو إلا مجرد سجالات لا تتعدى حدود الصالونات وأسوار بنايات الأحزاب السياسية ومناوبات القوائم المستقلة. وأدت حتى الحملات التحسيسية التي أطلقتها وزارة الداخلية والجماعات المحلية خلال الأشهر الأخيرة مفعولا عكسيا وقدمت خدمة مجانية لتيار المقاطعين بالنظر لما شابها من أخطاء واختلالات، فشعار “سمّع صوتك” حمل في بداية الأمر لفظا خادشا للحياء بسبب عدم تحكم القائمين على الحملة في مضامين اللغة العربية.

وحتى لما تفطن القائمون تحت ضغط ازدراء ناشطي شبكات التواصل الاجتماعي تم اكتشاف أن الشخصيات التي رصعت صورهم الملصقات الدعائية من شريط دعائي أنجز في إسرائيل لتنشيط إحدى حملاتها الدعائية والفارق الوحيد أن آلية “الفوتوشوب” قامت بتغيير الألوان فقط.

وتحوّل الأمر إلى فضيحة استدعت تدخل وزارة الداخلية وفتح تحقيق في المسألة دون أن تشير إلى كيفية إرساء مصالحها لحملة دعائية بحجم الانتخابات التشريعية للمؤسسة التي زادت من اهتزاز مصداقية السلطة لدى الشارع الجزائري وزادت من حجم الشكوك المترسبة بين الطرفين.

وفي ما عدا البرامج التي وزعتها مناوبات الأحزاب السياسية والقوائم المستقلة على وسائل الإعلام من أجل التغطية الصحافية فإن المشهد الدعائي بدا شاحبا في يومه الأول، فما عدا الألواح التي نصبتها المصالح الحكومية لتعليق الصور والبرامج الانتخابية لا شيء يوحي بأن الجزائر دخلت غمار حملة دعائية من أجل انتخاب برلمان جديد.

وفيما اختارت أحزاب السلطة مباشرة حملتها بتجمعات شعبية في محافظات معزولة وسخّرت لها إمكانيات بشرية لوجيستية ضخمة من أجل استقطاب الأضواء الإعلامية فإن زعيمة اليسار في الجزائر لويزة حنون اختارت مخاطبة أنصارها ومناضليها من عمق الجنوب الجزائري بمحافظة أدرار في إشارة للهوة التنموية والاستراتيجية في برامج الحكومات المتعاقبة.

ورغم التضييق الحكومي على سياسيي ونشطاء تيار المقاطعة، حيث ألزمت وزارة الاتصال على وسائل الإعلام الحكومية وحتى الخاصة عدم منح الفرصة لهؤلاء من أجل الترويج لخطابهم السياسي بحجة الحد من خطاب التيئيس وعرقلة مسيرة التغيير السياسي في البلاد، إلا أن مفعول شبكات التواصل الاجتماعي يؤدي دوره بشكل لافت إذ تعج بمختلف الصفحات المنادية لمقاطعة الاستحقاق الانتخابي.

وكان وزير الاتصال حميد قرين قد شدد في مرسوم أرسله لوسائل الإعلام الحكومية والخاصة، على ضرورة تجسيد ما أسماه بـ”الحياد والاحترافية في التعاطي مع الحملة الانتخابية، وعدم منح الفرصة أمام المروجين للمقاطعة سواء بنقل تصريحاتهم أو تغطية نشاطهم”.

وأثار مرسوم وزير الاتصال استياء إعلاميين وناشطين سياسيين في الداخل والخارج، حيث أعربت منظمة مراسلون بلا حدود عن امتعاضها من خطوة الحكومة واعتبرتها تضييقا ممنهجا على الحريات وإقصاء لفئة من المجتمع، على اعتبار أن المقاطعة هي سلوك وموقف سياسي يتوجب احترامه ومنحه حقه في التعبير عن نفسه.

وتحول هاجس المقاطعة الشعبية للاستحقاق الانتخابي قاسما مشتركا بين أحزاب السلطة والمعارضة معا، ففيما تعتبرها الأولى وجها من أوجه ما تصفه بـ”المؤامرة” المحدقة بالبلاد، فإن الثانية تعتبره أيضا ورقة تسمح للسلطة بالإمعان في التزوير ومصادرة إرادة الجزائريين.

2