شبح المقاطعة يدفع الحكومة الجزائرية لاسترضاء الطبقة السياسية

تحاول الحكومة الجزائرية جاهدة إقناع المعارضة بضرورة المشاركة في الانتخابات التشريعية، عبر تأكيد حرصها على أن يمرّ هذا الاستحقاق في كنف النزاهة والشفافية، ولكن هل بمقدور الحكومة إقناع الشعب المستقيل من الحياة السياسية بضرورة المشاركة والتصويت.
الأحد 2017/01/29
كيف السبيل إلى إقناعهم

الجزائر - أمام مخاطر المقاطعة الشعبية للانتخابات التشريعية المنتظرة مطلع شهر مايو القادم، وإفراغ الاستحقاق من مصداقيته السياسية، تبذل الحكومة الجزائرية قصارى جهودها لاستقطاب الطبقة السياسية وحشد الشارع للمشاركة القوية في الاقتراع، عبر تقديم ضمانات التنظيم النزيه والشفاف، والتقليص من حدة المعوقات الإدارية أمام الأحزاب والمرشحين المستقلين.

وكشف مدير الحريات والشؤون العامة في وزارة الداخلية الجزائرية عمارة لخضر، عن تأهب دائرته الوزارية لتنظيم الانتخابات التشريعية المقبلة في أحسن الظروف، وعن تسخير كافة الإمكانيات لضمان نزاهة وشفافية الاستحقاق، وتذليل الشروط التي كانت تضعها الإدارة لقبول قوائم المرشحين سواء كانت حزبية أو مستقلة.

وذكر بأن قانون الانتخابات الجديد جاء من أجل معالجة الاختلالات السابقة، وتماشيا مع مطالب الطبقة السياسية، وأن الوزارة قلّصت شروط الترشح لخوض الانتخابات، حيث وضعت أمام أيّ قائمة ثلاث خيارات للتقدم إلى الاستحقاق، وأن الإدارة لن ترفض أيّ قائمة تتوفر على واحد من الشروط المطلوبة.

وأنهى مدير الحريات والشؤون العامة نسبيا الجدل الدائر حول اتهامات التضييق والإقصاء التي أطلقتها بعض الأحزاب السياسية، بإعلانه عن إمكانية جمع الأحزاب السياسية المتحالفة لقاعدة 4 بالمئة من نتائج آخر استحقاق لخوض الانتخابات القادمة، مبددا بذلك المخاوف التي انتابت بعض الأحزاب التي أعلنت مؤخرا عن تحالفات أو أسست أقطابا جديدة، من إمكانية اختلاق الإدارة لبعض المعوقات لإجهاض مبادراتها.

وأبقت وزارة الداخلية والجماعات المحلية، على توقيع عشرة منتخبين من العهدة الانتخابية الحالية في أيّ من المجالس المنتخبة الوطنية أو المحلية كشرط لتقدم أيّ قائمة للموعد الانتخابي، على أن يتبقى للقائمة التي لم تحز على واحد من الشرطين، التقدم لجمع توقيعات المواطنين، وقلصت العدد من 400 توقيع عن كل مقعد في الدائرة الانتخابية إلى 250 توقيعا بغية تسهيل مهمّة الراغبين في ذلك.

وإذ أعربت أحزاب سياسية عن ارتياحها لضمانات وزارة الداخلية، فإن جبهة العدالة والتنمية، ذكرت على لسان القيادي لخضر بن خلاف، عن ضرورة “حسم الحكومة في مسألة الأحزاب السياسية المعتمدة بعد الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، كون ظروف التأسيس لم تسمح لها بخوض انتخابات العام 2012، ولا تملك منتخبين ولا قاعدة 4 بالمئة، وذلك من أجل استكمال مطالب الطبقة السياسية في تشجيع الأحزاب على المشاركة في الانتخابات”.

خطوة الحكومة في تقديم تسهيلات للطبقة السياسية، تندرج في سياق الانفتاح لإغراء الأحزاب والمستقلين على خوض الاستحقاقات الانتخابية، من أجل تحقيق نسبة مشاركة تضفي المصداقية السياسية على الاستحقاقات

ويرى مراقبون في الجزائر، أن خطوة الحكومة في تقديم تسهيلات للطبقة السياسية، يندرج في سياق الانفتاح لإغراء الأحزاب والمستقلين على خوض الاستحقاقات الانتخابية، من أجل تحقيق نسبة مشاركة تضفي المصداقية السياسية على الاستحقاقات، وقطع الطريق على شكوك وانتقادات دعاة المقاطعة.

وشكل قرار حزب طلائع الحريات لرئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، بمقاطعة الانتخابات التشريعية إرباكا للسلطة، تجلّى في تصريحات لوزير الداخلية نورالدين بدوي، ضمّنها تهديدات صريحة بسحب الاعتماد من الأحزاب الرافضة للانتخابات، وحذر مما أسماه بـ”نشر خطاب اليأس وتثبيط العزائم”، ورفض “خوض الانتخابات الرئاسية دون باقي الانتخابات”، في إشارة للمعارض علي بن فليس، الذي خاض رئاسيات العام 2014 ورفض التقدم لانتخابات مايو القادم.

وتراهن السلطة في الجزائر، على دور اللجنة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، باستقطاب وإقناع الطبقة السياسية بخوض الانتخابات، عبر تسويق خطاب يضمن شفافية ونزاهة عملية الاقتراع، وحاولت من خلال وضع الدبلوماسي والوزير السابق عبدالوهاب دربال، المنحدر من حركة النهضة الإسلامية، مغازلة القوى السياسية برسائل النزاهة والشفافية.

وكان رئيس اللجنة عبدالوهاب دربال، قد أكد خلال حفل تنصيب أعضاء اللجنة الـ405 من القضاة والشخصيات المستقلة، على “استقلالية اللجنة القانونية والبشرية والمادية”، وعلى “توصيات شخصية من الرئيس بوتفليقة للحرص على نزاهة الاستحقاق”، وعلى ضرورة دحض ما أسماه بـ”افتراءات المشككين”.

وأكد مدير الحريات والشؤون العامة في وزارة الداخلية عمارة لخضر، بأنه “علاوة على آليات الرقابة التي كانت توفّرها الإدارة للأحزاب والمستقلين، بضمان حضور ممثليهم ومراقبيهم في عملية الاقتراع من بدايتها إلى نهايتها وحصولهم على محضر غلق العملية المفتوح لتسجيل كل الملاحظات والتجاوزات، فإن اللجنة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، سيكون لها حضور قوي ومستقل ومحايد في الانتخابات المقبلة.

ومع ذلك يبقى المعلنون عن المقاطعة في شكل حزبي طلائع الحريات وجيل جديد، متشبثين بشكوك التزوير والفبركة والانحياز لصالح أحزاب السلطة، ويشددان على ما بات يعرف بـ”التزوير الذكي” عبر حشو لوائح المقترعين، وأصوات الأسلاك النظامية كالجيش والأمن وشبه العسكريين التي تتم في مقار عملهم.

ولم تكشف وزارة الداخلية المنظم للعمليات الانتخابية، عن إمكانية استعانة الحكومة بهيئات دولية وإقليمية للمساهمة في مراقبة الانتخابات من عدمها، كما جرت عليه العادة في الاستحقاقات الماضية، خاصة وأن مراقبي الاتحاد الأوروبي كانوا قد وجّهوا انتقادات للسلطة في تنظيم انتخابات العام 2012، التي عادت فيها الأغلبية لحزب جبهة التحرير الوطني في المجالس الوطنية والمحلية.

وشكلت المشاركة الشعبية الضعيفة في الاستحقاقات التي جرت في السنوات الأخيرة، مصدر إزعاج حقيقي للسلطة، كونها كانت لا تعبر عن إرادة الجزائريين الذين لم تتجاوز مشاركتهم حدود 20 بالمئة بحسب إحصائيات غير رسمية، في حين كانت الأرقام الحكومية تتحدث عن نسب تتراوح بين 40 و50 بالمئة.

وإذ تحاول الحكومة مغازلة القوى والإحزاب السياسية برسائل التسهيلات ووعود النزاهة والشفافية، لاستقطاب أقصى نسبة للمشاركة، فان التساؤلات الحقيقية تبقى قائمة حول أوراق الحكومة لإقناع الشارع المستقيل من الممارسة السياسية بالتقدم للاقتراع، خاصة في ظل تراكم الظروف المنفّرة المتصلة بتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وغياب الثقة بين الشعب وبين ما هو متعلق بالسلطة وبالأحزاب والانتخابات، خاصة وأن الذاكرة الجماعية لا زالت تحتفظ بممارسات التزوير الانتخابي المفضوح في العقدين الماضيين، وهو الأمر الذي يعزز فرص المقاطعين في ترجيح كفة خيارهم.

2