شبح الموت يسمم العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في باكستان

الخميس 2013/09/26
رفض شعبي لنهج طالبان الدموي

كان شالوم يستعد لفتح الكتاب المقدس عندما أقدم انتحاريان على تفجير نفسيهما في الكنيسة. وما لبث أن عاد وشاهد كامل أفراد عائلته الذين قضى عليهم الهجوم الأكثر دموية في تاريخ باكستان ضد المسيحيين الذين باتوا «هدفا جديدا» للإسلاميين المسلحين.

قبيل ظهر الأحد، كان البروتستانت وبعض الكاثوليك يخرجون من كنيسة جميع القديسين، وهي مبنى أبيض في وسط مدينة بيشاور التي تشكل نقطة التقاء بين الشمال والغرب قرب أفغانستان.

كانت الأجواء هادئة، وفي الباحة الخارجية لهذا المبنى المشيد منذ مئة عام وفق الهندسة التي تذكر بمسجد من شبه القارة الهندية أكثر مما تذكر بكنيسة، كان توزيع صحون الأرز قد بدأ عندما جاء شبح الموت.

وقال الشاب شالوم ناظر «كنت سأذهب إلى الكنيسة لحضور درس عن التوراة عندما سمعت الانفجار، أسرعت في الخروج. كان حوالى 300 شخص ممددين على الأرض، لقد رأيت والدتي وأخذتها بين ذراعي، لكنها كانت ميتة». وفي باكستان، تبنى المسيحيون الأربعة ملايين عادات وتقاليد «أشقائهم» المسلمين، وهم يخلعون أحذيتهم كما لو أنهم في مسجد.

وغالبا ما يتحدر المسيحيون الباكستانيون من الفئات الهندية الوضيعة التي اعتنقت المسيحية على أيدي مرسلين أجانب وما زالوا حتى اليوم يقومون بأعمال متواضعة.

وفي السنوات الأخيرة، اتهم مسلمون مسيحيين بـ «تدنيس» القرآن وشتم الرسول محمد، وهي تهمة تفترض عقوبة الإعدام في باكستان. وساهمت هذه الأمور في تسميم العلاقات مع الأكثرية المسلمة، لكن المسيحيين الباكستانيين لم يتعرضوا لهجوم بهذه الخطورة، والشيعة هم الذين يلاقون هذا المصير لأنهم في مرمى المجموعات الإسلامية المسلحة.

وقال سليم هارون الذي جاء من غوجرانوالا في قلب البنجاب (وسط) للاعتناء بقريبتين احترقت أيديهما وهما في مستشفى بيشاور «من قبل، كان الشيعة الهدف، لكن الآن جاء دورنا. إنها حرب جديدة مخطط لها».

وأضاف: «لا نملك أراضي ولا مصانع ولا متاجر، لسنا سوى أشخاص يمسحون الأرض، وتتم معاملتنا على هذا الأساس».

وقال دانيس يوناس (35 عاما) الذي اخترقت المسامير جنبه الأيسر ولم تصب زوجته وولديه: «دائما ما أقمنا علاقات جيدة مع المسلمين قبل هذا الاعتداء. لكننا نتخوف من أن تبدأ موجة عنف جديدة ضد المسيحيين». وأعلنت مجموعة مرتبطة بحركة طالبان الإسلامية مسؤوليتها عن الاعتداء، إلا أن القيادة المركزية للمتمردين نأت بنفسها عن الاعتداء، والمتمردون مدعوون إلى مفاوضات سلام مع الحكومة الباكستانية.

وقال همفري بيتر أسقف شمال البلاد «أتخوف من أن يكون ما حصل هو البداية، ومن أن تحصل حوادث في جميع أنحاء باكستان، نحن الأفقر بين فقراء هذه المنطقة، نحن أهداف سهلة».

في الأحياء التي اجتاحها الغبار قرب الكنيسة، يعرب المسيحيون عن غضبهم حيال الحكومة الفدرالية وخصوصا السلطات الإقليمية في خيبر باختونخوا التي يرأسها حزب لاعب الكريكت السابق عمران خان. وقال خالد شهزاد الذي فقد تسعة من أقربائه ويتهم عمران خان بالإفساح المجال للإسلاميين المتطرفين، أن السلطات «لا تتعاطف مع الأقليات». وتساءلت عافية زهني عمة الشاب شالوم «الحكومة تقول إنها تفرض الأمن، لكن كيف تمكن الانتحاريون من دخول الكنيسة»؟ وأضافت: «في انتخابات الربيع، وعدونا بتغيير، لكن هل هذا هو التغيير»، ثم غمرت ابن أخيها الذي أصبح يتيما في الرابعة عشرة.

ويذكر أن وزيرة الخارجية الأوروبية كاثرين أشتون وصفت الهجوم على كنيسة في باكستان الأحد والذي أسفر عن مقتل 82 شخصا على الأقل بأنه «مروع»، ودعت إسلام أباد إلى التحرك بمزيد من الحزم لتجنب تكرار هذا العمل. وصرحت أشتون في بيان بأن «الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة جميع القديسين في بيشاور مروع، إن الاتحاد الأوروبي يندد به بأقوى العبارات». وأضافت أشتون: «نشجع جميع الباكستانيين على الوحدة لتعزيز التسامح». كما انتقد البابا فرنسيس في ختام زيارة رعوية إلى سردينيا في إيطاليا الأحد «الخيار الخاطىء، خيار الضغينة والحرب»، وذلك بعد العملية الانتحارية المزدوجة التي وقعت أمام كنيسة لدى خروج المصلين من القداس في باكستان.

وقال الحبر الأعظم أمام آلاف الشبان في كاغلياري بنبرة حازمة: «اليوم، في باكستان، بسبب خيار خاطىء، خيار الضغينة والحرب، هذه الطريق ليست الطريق الصالحة، وهي لا تفيد بشيء». ودعا الشبيبة إلى «بناء عالم أفضل، عالم يسوده السلام» وإلى تجنب القيام بـ»خيارات غير صحيحة تستهدف التدمير».

ويشار إلى أن آلاف المسيحيين تظاهروا في باكستان غداة التفجيرين الانتحاريين، في الهجوم الأكثر دموية الذي يطال الأقلية المسيحية في هذا البلد. وقد عمد انتحاريان إلى تفجير نفسيهما لدى خروج المصلين من قداس الأحد في الباحة الداخلية لكنيسة جميع القديسين في بيشاور كبرى مدن إقليم خيبر باختونخوا (شمال غرب)، وتبناه فصيل تابع لحركة طالبان الباكستانية.

وفي بيشاور، طالب مئات المتظاهرين بـ»العدالة» خلال مسيرة راقبتها عن كثب عناصر الشرطة المسلحون بدروع والذين وضعوا أسلاكا شائكة على الأرض لمنع الصدامات. وانضم مسلمون إلى التظاهرة دعما «لأشقائهم» المسيحيين. ودان رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف بشدة الهجوم قائلا في بيان عبر فيه عن تضامنه مع المسيحيين إن «الإرهابيين ليس لديهم دين وأن استهداف أبرياء مخالف لتعاليم الإسلام وكل الديانات الأخرى». وزادت أعمال العنف الطائفية في السنوات الأخيرة في باكستان وخصوصا مع سلسلة اعتداءات انتحارية دامية استهدفت الأقلية الشيعية (حوالى 20 بالمئة من عدد السكان) والتي تبناها عسكر جنقوي وهي مجموعة مسلحة طائفية قريبة من طالبان الباكستانية والقاعدة. لكن المسيحيين لم يكونوا مستهدفين حتى الآن. من جهته أبدى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الأحد «ذهوله للهجوم الإرهابي» الذي استهدف الأقلية المسيحية في باكستان. وأورد بيان للأمم المتحدة أن بان «يدين هذا الاعتداء الوحشي بأشد العبارات، ويعرب عن قلقه البالغ حيال أعمال العنف الأعمى التي ترتكب بحق الأقليات الدينية والعرقية في باكستان»، وأضاف البيان إن بان «يطالب الحكومة الباكستانية بإلحاح بأن تبذل ما في وسعها لاعتقال المذنبين وإحالتهم أمام القضاء».

وكرر الأمين العام «تضامن الأمم المتحدة مع الحكومة في جهودها لمكافحة الإرهاب والتطرف»، طالبا منها «مواصلة اتخاذ الإجراءات لتعزيز التسامح والعلاقات بين مختلف المجموعات الدينية والعرقية في البلاد».

13