شبح ترامب يخيم على منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس

الثلاثاء 2017/01/17
قلق كبير

تؤكد جميع البيانات أن الاقتصاد العالمي في وضع أفضل مما كان عليه قبل سنوات، فأسواق الأسهم تزدهر وأسعار النفط العالمية في طريقها إلى الصعود من جديد، في وقت تراجعت فيه مخاطر حدوث تباطؤ سريع محتمل في نمو الاقتصاد الصيني، والذي هو مصدر قلق كبير للعالم قبل عام.

لكن رغم كل ذلك لا يبدو أن مناخا احتفاليا يخيم على اجتماعات منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس في سويسرا هذا العام، والذي يستقطب الزعماء السياسيين ورجال الأعمال والمصرفيين.

ويبدو أن هناك قلقا كبيرا يعتمل، تحت قشرة التفاؤل التي تحيط بالتوقعات الاقتصادية، ويتعلق بمناخ سياسي أكثر خطورة وشعور عميق بالغموض وعدم التيقن، يحيط برئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة المقرر أن تبدأ يوم الجمعة المقبل، الذي يصادف يوم ختام اجتماعات المنتدى السنوي.

في العام الماضي كانت هناك حالة إجماع في المنتدى على أن ترامب ليس أمامه فرصة للوصول إلى البيت الأبيض. لكن المفاجأة حدثت وجاء فوزه بعد أقل من نصف عام على تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ويمثل فوزه صفعة شديدة لشتى المبادئ التي تعتز بها صفوة منتدى دافوس بشدة منذ فترة طويلة، وتمتد من العولمة إلى التجارة الحرة ونشاط الشركات متعددة الجنسيات.

يمكن القول إن ترامب هو المثال الحي على موجة جديدة من الحمى الشعبوية التي تجتاح دول العالم المتقدم وتهدد النظام الديمقراطي الليبرالي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ومع اقتراب الانتخابات في كل من هولندا وفرنسا وألمانيا وربما إيطاليا أيضا خلال العام الحالي، فقد بدا القلق واضحا على المشاركين في منتدى دافوس.

ويرى جان ماري جوينو الرئيس التنفيـذي للمجموعة الـدولية لمعالجة الأزمات أنه “بصرف النظر عن رؤيتك للرئيس الأميركي المقبل ومواقفه فإن انتخابه أدى إلى شعور عميق بالغموض وعدم التيقن وسيلقي ذلك بظلاله على منتدى دافوس”.

وكان موازيس نايم من مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي أكثر صراحة حيث قال إن “هناك إجماعا على أن شيئا ضخما يجري… شيئا عالميا وغير مسبوق على عدة مستويات. لكننا لا نعرف ما هي أسبابه أو كيف نتعامل معه”.

وتستحضر عناوين حلقات المناقشة في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يستمر في الفترة من 17 إلى 20 يناير الجاري، المشهد العالمي الجديد الباعث على القلق.

ومن بين تلك العناوين “كيف يمكن حل أزمة الطبقة المتوسطة المضغوطة والغاضبة؟” و“سياسات الخوف أو التمرد للمنسيين” و“التسامح هل بلغ مداه؟” إضافة إلى مناقشة “مرحلة ما بعد الاتحاد الأوروبي”.

ترامب هو المثال الحي على موجة الشعبوية التي تجتاح الدول المتقدمة وتهدد النظام الديمقراطي الليبرالي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية

كما أن قائمة الزعماء الذين يحضرون منتدى دافوس هذا العام تحمل رسالة معبرة أيضا، فنجم المؤتمر هو شي جين بينغ أول رئيس صيني يحضر المنتدى الاقتصادي العالمي على الإطلاق.

ويعتبر حضوره إشارة إلى ثقل الصين المتزايد في العالم في وقت يعد فيه ترامب بالمزيد من نهج “أمريكا أولا” الانعزالي وتنشغل فيه دول الاتحاد الأوروبي بمشاكلها الخاصة بعد صدمة تصويت البريطانيين لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

كما تحضر المنتدى أيضا تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا التي تواجه مهمة شائكة تتمثل في طريقة إخراج بلدها من الاتحاد الأوروبي دون صدمات قاتلة. لكن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي دأبت على حضور المنتدى السنوي والتي تلائم سمعتها كزعيمة قوية ثابتة الموقف من الشعار الرئيسي للمنتدى وهو “الزعامة المسؤولة المتجاوبة” فلن تحضر المنتدى هذا العام.

ربما يكون السؤال المحوري في منتدى دافوس الذي يستمر أربعة أيام ويشمل حلقات نقاشية ومآدب غداء وحفلات استقبال تتناول موضوعات متنوعة من الإرهاب إلى الذكاء الاصطناعي والصحة، هو ما إذا كان الزعماء يمكنهم أن يتفقوا على الأسباب الأساسية للغضب العام وأن يبدأوا في صياغة استجابة له.

وأكد تقرير أصدره منتدى دافوس عن المخاطر العالمية قبل بدء انعقاد اجتماعاته على “تآكل ثقة الرأي العام في المؤسسات” وأشار إلى أن إعادة بناء الثقة في العملية السياسية والزعماء “ستكون مهمة صعبة”.

ويعتقد جاي ستاندينغ، الذي ألف العديد من الكتب عن طبقة جديدة تفتقر للأمان الوظيفي والإيرادات المضمونة، أن المزيد من الناس أصبحوا يميلون للاعتقاد بأن الرأسمالية القائمة على اقتصاد السوق تحتاج إلى تعديل شامل، وامتد ذلك الاعتقاد حتى إلى أولئك الذين استفادوا منها.

وقال ستاندينغ الذي دعي إلى دافوس للمرة الأولى إن “نماذج المؤسسات التي تمثل التيار الرئيسي لا تريد ترامب والسلطويين اليمينيين… بل هي تريد اقتصادا عالميا يحقق نموا اقتصاديا مستداما يمكنها من خلاله مواصلة القيام بأعمالها”.

لكن إيان بريمر رئيس مجموعة أوراسيا الاستشارية ليس واثقا من ذلك. وهو يروي عن زيارة قام بها في الفترة الأخيرة إلى مقر بنك غولدمان ساكس في نيويورك حيث رأى مصرفيين “يحتفلون في المصعد” بارتفاع أسعار الأسهم واحتمالات خفض الضرائب وتحرير الإجراءات التنظيمية في عهد ترامب.

وسيحضر اجتماعات دافوس لويد بلانكفين رئيس بنك غولدمان ساكس وجيمي ديمون رئيس بنك مورغن ستانلي.

وقال بريمر “إذا أردت إيجاد أشخاص مستعدين للاحتشاد معا للقول بأن الرأسمالية تحطمت من أساسها فإن منتدى دافوس ليس المكان المناسب لذلك”.

ويعتقد سوما تشاكرابارتي رئيس البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير أن التوصل إلى “نسخة حديثة من العولمة” ممكن. لكنه أقر بأن صياغتها سوف تحتاج إلى وقت طويل.

ورجح أن “الطريق لتحقيق ذلك سيكون طويلا من سبيل إقناع الناس بأن هناك نهجا مختلفا. لكن لا يتعين أن نلقي بالطفل مع ماء استحمامه” في إشارة إلى عدم اليأس.

لكن بعض الحضور يشعرون بالقلق من أن وتيرة التغير التكنولوجي والطبيعة المدمجة المعقدة للاقتصاد العالمي، تجعلان من الصعب على الزعماء تشكيل الأحداث والتحكم فيها ناهيك عن إعادة تشكيل النظام العالمي.

فالأزمة المالية العالمية في عامي 2008 و2009 وأزمة المهاجرين في 2015-2016 كشفتا عجز الساسة، ما كرس إفاقة الشعوب من الأوهام ودفعها نحو الشعبويين، الذين يقدمون تفسيرات وحلولا سهلة.

ويرى إيان غولدن الخبير في العولمة والتنمية في جامعة أوكسفورد أن المشكلة هي أنه في العديد من المشكلات من تغير المناخ إلى التنظيم المالي لا يمكن تحقيق نتائج إلا من خلال التعاون الدولي. وهذا بالتحديد ما يرفضه الشعبويون.

وأضاف أن “حالة السياسة العالمية أسوأ مما كانت عليه منذ فترة طويلة… في وقت نحتاج فيه إلى المزيد من التنسيق لمعالجة قضايا مثل تغير المناخ ومخاطر أخرى، فإن ضيق الأفق والانعزالية يتزايدان بدرجة كبيرة”.

10