شبح كشوف العذرية يطارد أجساد الفتيات

رغم أن هناك مكاسب كثيرة حصلت عليها المرأة مؤخرا، إلا أن مسألة العذرية لا تزال قابعة تحت وطأة ضغوط شديدة، وثقافة سائدة مغلوطة، غير عابئة بما تشكله من انتهاك للجسد وتعدّ على خصوصياته.
السبت 2016/09/17
فحص العذرية إهانة للفتاة

تمثل عذرية الفتاة وشرفها مشكلة كبيرة في البعض من المجتمعات، حيث لا يجب المساس بـ“غشاء البكارة” إلا من جانب زوجها، حتى أن ثمة تقاليد في البعض من الدول تجبر الشاب المقبل على الزواج على أن يطلب من الفتاة المنتظر الزواج منها، الخضوع لما يسمى “فحص العذرية” قبل استكمال خطوات الزفاف للتأكد من عفتها.

ويتوقع مهتمون بالدفاع عن حقوق المرأة في مصر أن تقل هذه العادة، وربما تختفي، وكانت بعض دور الفتوى قد حرمت تلك العادة، منها دار الإفتاء في الأردن التي بينت بقرار رقم 131 لعام 2009 “أن طَلب الخاطب للفحص حرام وفعل الفحص حرام، لأن العورات لا يجوز كشفها إلا للضرورة أو الحاجة، والمجتمع الإسلامي أشرف وأنظف وأغير وأنبل من أن تُعامل فيه البنات والأخوات هذه المعاملة المهينة، وهن أعز وأكرم وأشد شكيمة من أن يقبلن هذا الإذلال”.

لكن ما حدث هو العكس، فقد بدأت ممارسات “كشوف العذرية” في البعض من الدول تأخذ شكلا “مقننا” بحجج واهية، وجرى تجاوز الفتاوى الدينية والاتفاقيات الأممية.

في مصر سادت منذ أيام حالة من السخط والغضب بين المواطنين الأقباط بسبب إعلان الكنائس ضرورة إجراء “كشوف عذرية” للفتيات، إن رأى طرفا العقد المقبلان على الزواج وجوب ذلك. وتعد العذرية ركنا من أركان صحة الزواج طبقًا للائحتي 1938 و2008 للأحوال الشخصية، واللائحتان تبطلان الزواج للبكورية من عدمها وأيضًا للأمراض، وهناك أحكام قضائية كثيرة أبطلت الزواج لهذه الأسباب.

منظمة الصحة العالمية أصدرت في ديسمبر 2014 توصيةً بإيقاف كشوف العذرية في جميع أنحاء العالم لأنها مهينة، وغير علمية

قوبلت الخطوة الكنسية السابقة باستياء شديد من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية التي ينتمي إليها أغلب الأقباط، والتي أكّدت من خلال بيان أصدره القس بولس حليم المتحدث الرسمي باسمها براءتها. وأوضحت أن الكنيسة تحترم وتصون كرامة فتياتها، وليس فيها أي كشف طبي خادش للحياء قبل الزواج، ولا يمكن أن تطلب إجراء اختبارات عذرية لهن.

وقال عماد نصيف، عضو بحركة “الحق في الحياة” المؤيدة للزواج الثاني للأقباط، إن كشوف العذرية شرط أساسي من شروط إتمام الزواج، ويطبقها الأساقفة في البعض من الإبراشيات (وحدات قطاعية كنسية مسؤول عنها أسقف أو مطران) قبل إتمام محضر الخطوبة، ودونها ترفض الإبراشية إتمام المراسيم، إذا كانت الفتاة غير عذراء، وتُعلم المتقدم للزواج منها بنتيجة الفحص.

وأكد نصيف لـ”العرب” أن تلك الكشوف مطبقة منذ سنوات في البعض من المحافظات، خاصة محافظة قنا بجنوب مصر، ومدينة الغردقة بمحافظة البحر الأحمر، وأهالي هذه المناطق لا يعترضون على القيام بها حتى يتم زواج فتياتهم، وعدم اتهامهن بأنهن فاقدات للعذرية.

يذكر أن “كشوف العذرية” سمع عنها المصريون على نطاق واسع منذ أكثر من خمسة أعوام، بعد قيام ثورة 25 يناير 2011، وصدرت بيانات لشجبها وإدانتها، في الداخل والخارج. كانت السلطات المصرية ألقت القبض على 17 فتاة في تظاهرة بميدان التحرير في مارس 2011، وشهدت الفتيات بتعرضهن لـ“كشوف عذرية”، وهو ما فسره القائمون على ذلك بأنه حماية للفتيات، وللجنود من اتهامهم بالاغتصاب.

لكن محكمة القضاء الإداري أصدرت حكمًا بإيقاف هذه الممارسات في السجون العسكرية، عقب قيام الفتاة سميرة إبراهيم، إحدى المحتجزات في التظاهرة، برفع دعوى قضائية، اعتبرتها المحكمة مشينة، وأن السلوك يخالف أحكام الدستور، ويعد انتهاكا لحرمة جسد الإناث وعدوانا على كرامتهن.

وأوضح المحامي علاء أبوالعينين لـ“العرب” أن فحص العذرية أمر مرفوض على المستوى الدستوري والقانوني، ومخالف لكافة الأحكام، ولا يجب أن تخضع الفتاة له إلا في حالة الشبهة الجنائية أو الشكوى بوجود اعتداء جنسي عليها يقرره القضاء ويجريه الطب الشرعي المختص. وأضاف لـ“العرب” أن منظمة الصحة العالمية أصدرت في ديسمبر 2014 توصيةً بإيقاف كشوف العذرية في جميع أنحاء العالم لأنها مهينة، وغير علمية، ودعت كافة حكومات العالم إلى تجريمها. ورغم الجهود التي بذلت لوقفها لا تزال العادة موجودة في دول كثيرة، تحت ذرائع مختلفة، منها ما يتم بحجة الاستجابة للمتطلبات العسكرية، كما يحدث في إندونيسيا.

العذرية ليست الدليل الوحيد على عفة المرأة، فالكثيرات منهن يفقدن شرفهن الأخلاقي من خلال ممارسات لا تفضي إلى فقد عذريتهن، أو استعادتها بعملية جراحية بسيطة

حسب رأي سمية عبدالقادر، استشاري العلاقات الأسرية بمصر، تؤكد تلك الفحوصات شكّ الرجل في الفتاة التي يريد الزواج بها، وتقضي على الثقة بينهما والأفضل الابتعاد عن طرح هذه النوعية من الشروط، لأن نتيجة الكشف مهما كانت قد تسيء إلى أحد الطرفين وتسبب له حرجاً. وأوضحت لـ“العرب” أن أي طلب للفتاة يخصّ فحص غشاء بكارتها إهانة لها، وعلميا قد يولد البعض من الأطفال من دونه، وعند الفحص قد يظهر الأمر أو لا يظهر، ما يمكن أن يولد أزمات عديدة.

بدأت بعض الدول باتخاذ إجراءات فعلية للقضاء على تلك الظاهرة، منها الجزائر التي أوقفت فيها المصالح الطبية في مارس الماضي منح شهادات العذرية للفتيات، تنفيذا لتعديلات جرى إدخالها على قانون الأسرة. كان الزوج في البعض من المناطق الجنوبية بالجزائر يُلزمُ زوجته المستقبلية بإطلاعه على شهادة تثبت أنها لا تزال محتفظة بعذريتها. بموجب التغيير الأخير، لم تعد شهادة العذرية تُعطى إلا بأمر من الجهات القضائية، في التحقيقات التي تشمل الفتيات المغتصبات والمنخرطات في شبكات إجرامية.

في كل الأحوال، ليست العذرية الدليل الوحيد على عفة المرأة، فالكثيرات منهن يفقدن شرفهن الأخلاقي من خلال ممارسات لا تفضي إلى فقد عذريتهن، أو استعادتها بعملية جراحية بسيطة، والأولى التركيز على التربية الأخلاقية منذ الصغر، لأنها الضامن الحقيقي للعفة، سواء أتعلق الأمر بالمرأة أم بالرجل.

21