شبكات التدوين فضاء المحرومين من الكلام

الأحد 2015/04/12
من المجموعات إلى البلوغات إلى المجتمعات الافتراضية

"المحرومون من الكلام، الممنوعون من التعبير عن الذات، المقموعون،… الخ" مجموعة من العبارات التي بات علينا أن ننسى وجودها في حياتنا المعاصرة.

فالعالم يتغير، ومع تغيراته لا بد من أن تتبدل تسميات الأشياء، وقبلها، لا بد أن تختلف الصورة عما كانت عليه طيلة ما سبق من عمر البشرية، فكل إنسان بات الآن بإمكانه أن يعبر عن ذاته بالطريقة التي يختارها وبالأداة التي يمتلك، فالجميع الآن يقفون على عتبة واحدة هي عتبة التواصل الاجتماعي التي خلقت للجميع مساحات للتعبير، يمكن للعالم أن ينال حصته منها كما يمكن للأميّ أن يكتب فيها بالصورة ما يريد.

شبكات التواصل

العالم الآن تحكمه شبكات التواصل الاجتماعي، وما كان صعباً قبل عشرين سنة، في بداية تحول شبكة الإنترنت إلى فضاء مفتوح للمستخدمين، بات الآن أسهل وأبسط في بداية الألفية الجديدة.

كانت شركة ياهو قد اكتسحت جزءاً كبيراً من سوق التواصل عبر الشبكة العنكبوتية، حين أتاحت للمستخدمين إمكانية إنشاء مجموعات التواصل البريدي Yahoo Groups، حيث أمكن لأيّ شخص مشترك ببريد Yahoo أن ينشأ مجتمعه الخاص، عبر تبادل الرسائل من خلال صندوق البريد، غير أن هذه الوسيلة السهلة فقدت رونقها مع مرور الوقت، خاصة وأن إنشاء الصفحات أو المواقع الشخصية وبكلف قليلة قد بات سهلاً وممكناً، ولهذا وجب على الشركات المتنافسة أن تمضي قدماً في إتاحة المجال للمستخدمين أن يقوموا بتكوين حضورهم الشخصي على الشبكة.

الحكاية هنا لا تتعلق بمجرد أن يكون المستخدم حاضراً عبر اسمه في مجتمعه الافتراضي حيث يلتقي بشركاء في المهنة أو في التوجهات والأهواء والميول، بل هي تتصل بضرورة أن يمتلك الأدوات للتعبير عن نفسه، وأن يتسع المجال له لأن يتحدث كاشفاً عما يفكر به أو يرغب بإعلانه عن نفسه.

على تخوم المنتديات على شبكة الإنترنت والتي لا تزال مستمرة حتى الآن، كانت التقنيات تسمح لأيّ من المستخدمين أن ينضوي في مجتمع يتيح له أن يكتب وأن يدوّن وأن يتبادل الملفات مع الآخرين، وقد كان من الضروري أن يمتلك المستخدم ناصية الكتابة أو الفعل، فالحالة التنافسية بين أعضاء المنتديات تكشف عن قدرات المستخدم في مجاله.

ولكن البقاء ضمن أسر الحالة الجماعية كان يضعف من إمكانية أن يبقى المستخدم في هذا الفضاء، فحاجيات الأفراد هي المجال التنافسي بين الشركات، وعليه كان لا بد من أن يخترع شيء يناسب النزعات الفردية لدى المستخدمين، وكان هذا الاختراع هو “المدونة” والتي يقابلها باللغة الإنكليزية كلمة Blog، والتي تم تعريبها شعبياً بكلمة “بلوغ”.

الترابط، الذي تشتد عراه من خلاله هذه الشبكات أمام عيون المستخدمين، يظهر أن على هؤلاء الاستسلام لسلطتها ولتطبيقاتها، خاصة بعد دمج برمجيات الشبكات بعالم الاتصالات الهاتفية والذي أنتج وسائل اتصالات مجانية جديدة مثل WhatsApp وViber وشبكات تبادل صور عبر الهاتف مثل instagram

وفي أصل المصطلح تتحدث المراجع المتعددة عن قيام بيتر مير هولز بنحت الكلمة من خلال مصطلح weblog، والذي يعود أصله إلى مبتكره يورن بارغر، حين وصف عملية تسجيل الويب، فقد قام مير هولز بكتابة المصطلح في موقعه فأصبح we blog مما جعل كلمة Blog، تتحول وعبر الاستخدام لتصبح اسماً ثم فعلاً هو to blog ويعني فعل الكتابة أو التحرير على شبكة الإنترنت.

وقد عبّر هذا المصطلح عمّا وصف بأنه ثاني ثورة في عالم النت بعد ثورة البريد الإلكتروني، فهو يدل على ذلك النشاط الهائل للكتابة الشخصية على صفحات الإنترنت، والتي بلغت أعدادها مئات الملايين من الصفحات التي يقوم أصحابها بالكتابة عن قضاياهم الشخصية والعامة، وفي كل المجالات وبسهولة كبيرة وبأدوات بسيطة توفر على صاحب الصفحة عناء إنشاء المواقع الشخصية التقليدية ذات الكلفة المادية.

فصاحب صفحة “البلوغ” يمكنه نشر أيّ شيء يريده عبر تدوين كتابته أو نصه في صفحته من خلال آلية تشبه عملية كتابة وإرسال البريد الإلكتروني، وبالضغط على زر واحد يتحول إلى نص يحتل واجهة الـ”بلوغ”، وقد تمكن العاملون على مواقع الـ”بلوغ” من تذليل الكثير من الصعوبات الافتراضية، حيث تمكن المستخدمون من إنشاء صفحاتهم الشخصية بسهولةٍ بالغةٍ، وبشكل يربط بين سلاسل من الـ”بلوغ” التي تترابط فيما بينها عبر وحدة الأهداف أو المقاصد أو الأيديولوجيا، الخ.. وقد تولدت وعبر الحاجات المتنامية للمدونين إمكانيات تجعلهم يقدمون الصور والمادة المتحركة في صفحاتهم أو إنشاء الصفحات المتخصصة بالصور وبالأفلام.

مدونات ومصادر

ومع مرور الوقت تحولت هذه المدونات إلى مصدر من مصادر العمل الصحفي، وفي هذا الاتجاه كتب أحد أصحاب هذه المدونات عن الفروق والاختلافات بين أن تكون صحفياً في جريدة ورقية أو إلكترونية وبين أن تكون صاحب مدونة وهذه الفروق هي أنك في الـ”بلوغ” تستطيع أن تختار عنوان موضوعك بنفسك، بينما في الصحيفة هم يختارون لك، وكذلك في الـ”بلوغ” تستطيع أن تختار الصور التي تريدها لموضوعك، بينما في الصحيفة هم يختارون لك، ويمكنك أن تحدد حجم وطول موضوعك، بينما في الصحيفة هم من يحدد لك، في الـ”بلوغ” تستطيع أن تفعل ما تشاء بموضوعك، بينما في الصحيفة هم من يمتلكون مقالك. في الـ”بلوغ” تستطيع أن تربط موضوعك بأيّ مكان وموقع، بينما في الصحيفة لا يمكنك أن تفعل ذلك.

الفيسبوك وصراع الأفكار

إيلاء الأهمية للنزعة الفردية في إتاحة الخدمات المجانية، لم يكن هو التوجه الوحيد لدى المبرمجين، فالأفكار كانت تتصارع في البحث عن منصات أخرى يمكن لها أن تحقق وجود الغرفة الشخصية ذات النافذة الفردية، التي تطل على الآخرين ويطل الآخرون منها على مساحة الفرد، وتحقق كذلك التجاور مع غرف الآخرين ونوافذهم ضمن مجمع كبير يضم الجميع، وكلمة الجميع تعني هنا الجميع فعلاً، أي كل من يرغب دون السؤال عن تحقق شروط معينة لدى الفرد.

وهكذا أمكن لفيسبوك facebook الذي بدأ كشبكة جامعية في العام 2004 أن يكون هذه المنصة المطلوبة، وبالتأكيد الفيسبوك لم يكن وحيداً، فتاريخ الشبكات الاجتماعية المشابهة يوضح وجود العشرات منها، والتي تحوز شهرة واسعة في بلدانها، والتي كان أبرزها ماي سبيس Myspace في الولايات المتحدة ذاتها وكان قد ظهر عام 2003، ولكن عمليات التطوير المستمرة للتطبيقات التي يقدمها فيسبوك جعلته واحداً من أسرع الشبكات الاجتماعية نمواً حول العالم.

مصطلح Blog يعبر عما وصف بأنه ثاني ثورة في عالم النت، بعد ثورة البريد الإلكتروني، فهو يدل على ذلك النشاط الهائل للكتابة الشخصية على صفحات الإنترنت، والتي بلغت أعدادها مئات الملايين من الصفحات حيث يقوم أصحابها بالكتابة عن قضاياهم الشخصية والعامة، وفي كل المجالات

ورغم أن الشركات العملاقة حاولت أن تقدم لمستخدميها بدائل عن فيسبوك، كشبكة Google+‎، إلا أن قدرة الموقع على اجتذاب المستخدمين بشكل دائم لم يستطع أن تجاريه فيها أيّ شركة منافسة، ورغم أن بدايات التدوين على فيسبوك كانت محددة بـ420 حرفاً للتدوينة البرقية الواحدة، إلى أن فضاء التدوين سرعان ما فتح أمام المستخدمين.

ثورة الشبكات الاجتماعية التي بدأت منذ منتصف العقد الأول في القرن الحادي والعشرين، والتي بنيت على خلق إمكانية التدوينة والمشاركة أمام الجميع، توسعت كثيراً، وباتت أكبر من أن تحصى فعلياً ولكن الأبرز منها كانت هي شبكات hi5 التي تشبه فيسبوك من حيث الغاية وشبكة linkedin التي توجهت لتكون منصة للباحثين عن العمل وفرص التطوير المهني، وشبكة delicious التي تتميز بكون شبكة خاصة بتفضيلات المستخدمين، وهكذا برزت شبكة تويتر والتي ظهرت في العام 2008 لتقدم خدمة التدوين المصغّر والتي تسمح لمستخدميها بكتابة “تغريدات” بحد أقصى 140 حرف للرسالة الواحدة.

سلطات الشبكات ووعي الناس

التدوين الذي تقترحه شبكات التواصل الاجتماعي العامة لم يتوقف عند الكتابة، بل بات بإمكان منتجي التدوينات الفنية أو البصرية أو السمعية الاشتراك بشبكاتهم الخاصة، فمن جهة البصريات أو الفيديو يعثر هواة الصنف على شبكتي يوتيوب وvimeo ومن ناحية الصور فإن شبكات راسخة كـFlickr وTumblr وPinteres تؤدي الغرض، ولهواة السمعيات فإن شبكة soundcloud هي الأبرز على مستوى العالم.

والترابط الذي باتت تشتد من خلاله هذه الشبكات أمام عيون المستخدمين يظهر أن على هؤلاء الاستسلام لسلطتها ولتطبيقاتها، خاصة وأن دمج برمجيات الشبكات بعالم الاتصالات الهاتفية والذي أنتج وسائل اتصالات مجانية جديدة مثل WhatsApp وViber وشبكات تبادل صور عبر الهاتف مثل instagram يمضي قدماً نحو جعل شبكات التواصل ذاتها أدوات للاتصال الهاتفي كما يحدث عبر مسنجر فيسبوك حالياً.

الشبكات الآن لا تكتفي بالسيطرة وتغيير منطق حياتنا، بل إنها تسجننا بإرادتنا، فهي تمنحنا المفاتيح لندخل، وهي إضافة إلى هذا تمنحنا خرائط طرق لكي نصل بين قاراتها، فكلها الآن تمنحنا إمكانية الدخول عبر حسابنا على فيسبوك، وتمنحنا إمكانية الربط بين هذا الاخير وبين شبكة تويتر، كما أن التقنيات الحالية تسمح لنا أن نربط هذين الحسابين مع حسابنا البريدي على موقع hotmail أو موقع yahoo .

حيث يمكن أيضاً ربط أغلب أنواع البريد الإلكتروني بمسنجر سكايب skype، وبالأصل فإنك حين تمتلك حساباً على الفيسبوك فإنه من الطبيعي أن تربطه مع موقع يوتيوب وذلك كي تتمكن من نشر مقاطع الفيديو التي تحبها على صفحتك وعلى صفحات أصدقائك، ويمكنك بالطبع ربطه بحساب أنستغرام لتنشر الصور لكل متابعيك على الموقعين، كما أن الدخول الميسّر لهذا الموقع العالمي المختص بالفيديو مرتبط بوجود حساب بريدي على شبكة مواقع محرك البحث غوغل، والذي يحمل اسم Gmail.

وإذا كنت قد حصلت على هذا الحساب فإنك ومن خلاله أو خلال حسابك على yahoo ستتمكن من نشر الصور على موقع Flickr، وهو من أهم المواقع المختصة بعرض الصور إن لم يكن أهمها، وبعد كل ما مضى هل نستطيع أن نغادر كل هذا؟

10