شبكات التواصل الاجتماعي وأفيون العصر

الأحد 2015/01/11

مضت ثلاث سنوات منذ آخر رحلة قمت بها أنا وصديقة العمر “صوصان”، اسم الدلع الذي كنت أطلقه عليها أيام الدراسة وليس اسمها الحقيقي. بعد هذه الفترة الطويلة قررنا السفر إلى البحرين لحضور حفل توقيع كتابي “كارما” وكانت فترة أعياد، الميلاد والسنة الجديدة، لذلك صعب علينا الحصول على غرف مستقلة فقررنا أن نتشارك غرفة واحدة. ما لفت انتباهي طوال فترة الرحلة بل منذ وصولنا إلى المطار ولع - بل يمكن أن أسمّيه إدمانا- “صوصان” بوسائل التواصل الاجتماعي. بعد أن أخذنا الحقائب كانت “صوصان” تبحث عن شركات الاتصالات داخل المطار ولأنّ لديها معلومات كافية عن عروض شركات الاتصالات وقفت أمام شركتين واختارت الشركة التي ستقدّم لها أفضل العروض، وكان لها ذلك. في بادئ الأمر اعتقدت أنّها اشترت البطاقة حتى تتحدث يوميا مع أسرتها، لكنّي تفاجأت عندما ذكرت أنّ البطاقة لخدمات النت فقط. كلما كانت “صوصان” تستخدم النت بشكل متواصل علمت منها أنها تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي وتقريبا بشكل دائم كلّما تدفقت الأفكار في رأسي عن مخاطر هذه الشبكات.

شركات الاتصالات تقدم للناس خدمات أساسية، واحدة هي الخدمات المقدمة في المنازل والمكاتب والأماكن العامة والأخرى هي خدمات الموبايل أو الهاتف المتحرك. ومعظم الناس على وجه الكرة الأرضية لديهم علاقات ببعض بشكل أو بآخر عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي وهي الخدمة الأساسية التي يحصل عليها المشترك عندما يشترك في العروض والباقات التي تقدمها شركات الاتصالات. وبالطبع لا يستطيع المستخدم أن يتمتع بخدمات شبكات التواصل الاجتماعي إلا عن طريق باقة البيانات المحلية والدولية وهي متوفرة حتى للزوار في أيّ بلد من دون أيّ قيود.

شبكات التواصل الاجتماعي مثلها مثل غيرها من أي شيء جديد يدخل في حياة الإنسان فيها المميزات وفيها العيوب، ربما تكون مميزاتها أكثر من عيوبها، لكن المتمعّن فيما يحدث يومياً في العالم يلاحظ أنه على الرغم من قلة سلبيات شبكات التواصل الاجتماعي مقابل ما يحصل عليه الناس إلا أن هذه السلبيات أعمق وأخطر بل مميتة في الكثير من الأحيان.

شبكات التواصل الاجتماعي كثيرة ولكن الأكثر شيوعاً بين الناس هو تويتر، واتس آب، أنستغرام، بلاك بيري، فيسبوك. صحيح أن من مزايا هذه الشبكات أنها سهلت التواصل بين الناس البعيدين عن بعض جغرافياً إلا أنها كما قرّبت البعيد بعّدت القريب.

وهناك أمثلة يومية على هذا منها تواصل أفراد الأسرة في البيت الواحد مع بعض عن طريق الواتس آب، وقد ذكر لي أحدهم أنه يفضل أن يتواصل مع إخوانه عن طريق الواتس آب حتى يتجنب الإزعاج لأنهم يتحدثون بسرعة وفي نفس الوقت ولا يستوعبون ما يقول لهم.

لا أعلم كيف يتوقع هذا الشخص أن يستوعب إخوانه ما يقول لهم عندما يتحدثون وخلايا أدمغتهم تتصارع مشغولة في الرد على قائمة الانتظار في الواتس آب أو غيره من الشبكات. سلبية أخرى ربما تبدو عادية لكنها تعبّر عن عدم احترام للشخص هي عندما يخرج الأصدقاء لتناول قهوة مع بعضهم بعضا والمنظر الذي نشاهده أن الكل رأسه إلى الأسفل وعيناه على الشاشة الصغيرة ضارباً عرض الحائط الاهتمام بمن يجلس معه، والجيّد أن منظرا مثل هذا ترى فيه الكل يشبه بعضه بعضا لأن الجميع مشغولون على شبكة واحدة وأحياناً أكثر من شبكة في الوقت نفسه، لكن قلة الاحترام تظهر عندما يكون الآخر يجلس منتظرا صديقه أن ينتهي ولا يبدو أن هناك أملا.

شبكات التواصل الاجتماعي تُساهم في فتور العلاقات الاجتماعية الواقعية بين الناس رضينا أم أبينا هذا هو الواقع. المقاهي تعج بالمرتادين الدائمين لها لكن ليس حباً للقراءة أو لارتشاف فنجان قهوة مع صديق إنما للاستمتاع بخدمات النت الواي فاي المجاني.

القهوة تعني لي الكثير خاصة عندما أتناولها مع من أحبّ، لأن كل رشفة تحمل الكثير من المشاعر والمعاني التي يمكن أن أتحاور عنها مع الصديق وبهدوء رائع، حالة لا يمكن أن تحصل في حضرة وجود الهاتف في يد من تجالس. وحتى لا أُفهم خطأ أنا لا أُطالب بالامتناع عن استخدام الهاتف طوال الوقت إنما في أوقات محددة.

وإذا تكلمنا عن الصعيد الأمني فكلنا يعلم أن شبكات التواصل الاجتماعي وتحديداً تويتر وفيسبوك هي أكثر الشبكات التي تنشر النبذ والكراهية بين الناس عن طريق الطعن في المذاهب وهي التي يتجاوز الناس من خلالها حدود الأدب والأخلاق ويبدأون في شتم وسب بعضهم بعضا عن طريق الحسابات الوهمية، ألم يكن لها دور في إثارة الفتن والتحريض على الثورات في العالم العربي؟!

السلبيات والمخاطر التي ذكرتها بسبب الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي قد لا تكون بتلك الأهمية مقابل خطورة أن يفقد الإنسان حياته أو يتسبب في قتل أرواح بريئة عندما يقود المركبة ويتواصل عبر الشبكات. من الأساسيات والدروس التي نتعلمها خلال تعلم قيادة المركبة هي الانتباه للشارع والإشارات المرورية والمشاة وأذكر مدربي كان يقول لي “ليس فقط الشارع ما عليكِ أن تنتبهي له بل انتبهي لسائقي المركبات الأخرى فهم قد يتسببون في الحوادث أكثر من أي شيء آخر”، ولم يكن آنذاك لا شبكات ولا عناكب للتواصل الاجتماعي، فماذا عساه يقول اليوم!

أصبح تبادل الرسائل عبر شبكات التواصل الاجتماعي أثناء قيادة المركبة المسبب الأول والأخطر للحوادث حتى أنه تعدى القيادة تحت تأثير الكحول والمخدرات. يعتقد الكثير أنه قادر على السيطرة عندما يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بينما هو يقود المركبة، وفي إحدى الدراسات نجد أن 55 بالمئة من الشباب يشعرون بتلك الثقة، إلا أن الدراسة نفسها أشارت أن جميع هؤلاء الشباب مخطئون لأنهم اكتشفوا أن الذي يستخدم شبكات التواصل الاجتماعي خلال القيادة يقضي 10 بالمئة من وقت القيادة خارج المسار الصحيح. ربما يكون أثر الحادث على الشخص بسيطا لكن ماذا لو ذهب ضحيته شخص آخر، كيف سيعيش ذلك الشخص باقي عمره وضميره يقتله مئات المرات فقط لأنه لم ينتبه لثانية أدت إلى قتل روح بريئة، فقط لأنه عليه أن يرد على صديق أو حبيب وهو يقود المركبة! ولا رسالة واحدة تضاهي حياتك أو حياة الآخرين.

أتوقف هنا لأكمل الأسبوع المقبل عن الحل الجذري الذي سيحد من الحوادث بسبب استخدام الهاتف والذي يمكن أن يقلل من الاحتقان بين المذاهب بسبب تويتر والفيسبوك والذي لا يمكن أن يحدث إلا بقرار من مجلس الوزارة في أيّ دولة.


استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

5