شبكة "نتفليكس" تعرض العنف القادم من الريف

"يوم سيء للحصاد" و"1922" فيلمان من أدب الجريمة يتمتعان بالجاذبية والقدرة على الإدهاش بحيث يترسخان في الذاكرة.
الجمعة 2019/03/22
ملامح القسوة يعقبها الندم في "1922"

لا يزال “أدب الجريمة” يعتبر مصدرا خصبا للسينما، ولا يزال فيلم الجريمة موضع اهتمام أساسي لدى جمهور السينما في العالم، وسواء كان الفيلم تقليديا أم يميل إلى تجاوز التقاليد المستقرة، فما يميز الفيلم الجيد عن غيره، ليست جرعة العنف، بل أسلوب التشويق الذي يتبعه السيناريو ثم صياغة الفيلم وتجسيده كإخراج في سياق سينمائي بليغ.

فيلمان جديدان عرضا مؤخرا على شبكة “نتفليكس”، الأول من أيرلندا الشمالية هو فيلم “يوم سيء للحصاد” Bad Day for the Cut، وهو أول أفلام المخرج الأيرلندي كريس بو، والثاني فيلم “1922” من الولايات المتحدة، وهو ثالث أفلام المخرج الأسترالي زاك هيلديتش، وهو يستند إلى إحدى القصص المثيرة للكاتب الشهير ستيفن كنغ.

لأول وهلة يبدو فيلم “يوم سيء للحصاد” عملا ينتمي إلى فيلم الجريمة، لكنه سرعان ما يتجاوز هذا الإطار ويصبح عملا يعتمد أيضا على تداعيات أزمة الشخصية الرئيسية بحيث تصبح مفجرة للغضب والثورة والرغبة في التدمير مهما كانت العواقب، كما تصبح رحلة الانتقام وسيلة للكشف عما حدث في الماضي المأزوم، هنا ليست هناك بطولة ولا نذالة، بالمعنى المطلق، بل يصبح الجميع ضحايا ومجرمين في وقت واحد.

ولا تنحصر الحبكة في الفيلم في الصراع التقليدي بين الخير والشر، فالأمور والوقائع تتشابك وتتعقد، ويصبح ما يبدو أولا كما لو كان أمرا عارضا، لا معنى له، وقع مصادفة، مقصودا تماما وله مبرراته وأسبابه القديمة الدفينة الكامنة في جوف الصراع السياسي الدموي القديم في إقليم أيرلندا الشمالية.

أكبر من جريمة سرقة

نحن أمام رجل في منتصف العمر، هو دونال رمادي الشعر، انطوائي مسالم إلى حد كبير، يقيم مع والدته المسنة في منزلهما بالريف القريب من مدينة بلفاست، يمارس أعمالا بسيطة مثل إصلاح السيارات والآلات الزراعية، لا يميل إلى الاختلاط بالآخرين، وذات يوم يعرض عليه أحد زبائنه سيارة شحن صغيرة ومبلغا من المال مقابل خدمة ما أسداها إليه.

يقوم دونال بإصلاح الشاحنة، ويريد أن يصطحب أمه فلورنس معه في رحلة إلى الشاطئ، إلى تلك المنطقة التي كانت شغوفة بها في الماضي، لكنها تعتذر له مختلقة سببا أو آخر، وذات ليلة يستيقظ دونال على صراخ أمه ليجدها وقد سقطت مضرجة في دمائها، فما الذي وقع؟ إنه فقط يلمح سيارة تغادر المكان، يركبها رجل “تبدو عليه آثار النعمة”، كما سيخبر الشرطة في ما بعد، وتقودها امرأة لا يتبين ملامحها.

لقد قُتلت الأم فلورنس بضربة عنيفة في رأسها بساعة الحائط القديمة، ويعزو دونال ما وقع إلى جريمة سطو في البداية إلى أن يكتشف وجود كومة من الأوراق المالية خبأتها أمه في الفراش، ولكن ما سيكشف عنه الفيلم بعد ذلك أكبر وأعمق كثيرا من مجرد جريمة سرقة.

سرعان ما يتعرض دونال نفسه لمحاولة قتل في مرآب السيارات الخاص به، عندما يهاجمه شابان ملثمان، يحاولان شنقه للإيحاء بأنه قد انتحر، لكنهما يفشلان، ويتمكن هو من قتل أحدهما، ويعتقل الثاني الذي سيتضح أنه شاب بولندي يدعى بارتوش، ضالع رغم أنفه في عصابة للرقيق الأبيض، اختطفت شقيقته وأرغمتها على ممارسة الدعارة، وهو يحاول بشتى الطرق تخليصها من بين أيدي هذه العصابة.

البطل ينتقم بالعنف في "يوم سيء للحصاد"
البطل ينتقم بالعنف في "يوم سيء للحصاد"

تتزعم هذه العصابة امرأة تدعى فرانكي، تريد التخلص من دونال لأنه شهد رفيقها ليلة الحادث بعد أن قتل والدته، وهي وراء قتل فلورنس لأسباب يكشف عنها الفيلم من خلال أحداث وشخصيات أخرى فرعية مثل شقيق الأم، خال دونال، وبارتوش ومساعدي فرانكي الذين سيتكرر ظهورهم ومحاولاتهم التخلص من دونال.

تصبح مهمة دونال المقدسة الانتقام لمقتل أمه والبحث عن الحقيقة، وكلما تعمق في البحث ومطاردة وتعقب المجرمين، كلما ارتفع ركام الجثث، وهو يعقد حلفا مع بارتوش على أن يساعده في تخليص شقيقته من بين براثن العصابة، مقابل أن يساعد بارتوش في الوصول إلى فرانكي.

من أكثر ما يثير الإعجاب في الفيلم، بناء السيناريو الذي يكشف تدريجيا عن تفاصيل والتواءات جديدة في “الحبكة” مع التقدم في السرد بحيث يبقي المتفرج منتبها مشدودا في مقعده، ويحافظ المخرج على وتيرة التوتر والتشويق طوال الوقت، ومع تصوير ما يخوضه دونال من مغامرات مرعبة وما يتعرض إليه خلال ذلك مع تنوع الأماكن.

ولا يخلو الفيلم كذلك من مواقف طريفة تثير الضحك أحيانا، فدونال، الذي يحمل دائما بندقية كبيرة لا يستخدمها أبدا في القتل، لكنه يستخدم أدوات أخرى بسيطة في تعذيب ضحاياه لانتزاع اعترافاتهم، مثل الشاكوش، غلاية الماء والمكواة، وبينما لا يرغب أصلا في قتلهم إلاّ أنه يضطر اضطرارا إلى ذلك من أجل النجاة، لكنه يصبح في نظر الشقي الهاوي بارتوش “مجنونا”!

يعاني الفيلم قليلا قرب النهاية من الترهل بسبب كثرة الشرح والتكرار، لكنه يبدو بوجه عام ورغم بعض الهنات، عملا مثيرا للإعجاب، سواء من حيث صورته البديعة التي تجعل البيئة الريفية في أيرلندا الشمالية حاضرة باستمرار، أو من ناحية التمثيل الذي يتفوق فيه بشكل كبير نايجل أونيل في دور دونال، ويؤديه في تحكم وسيطرة كاملتين على تعبيرات وجهه، ثم في تصميمه على المضي قدما في مهمته بعد أن أصبح أقرب إلى الجنون، لكنه في الحقيقة يبدو مدفوعا بقوة أخرى (قدرية) لاكتشاف الخطيئة الأساسية التي ارتكبتها الأم وكان يتعين عليها أن تدفع الثمن، ومع ذلك، فالطرف الثاني ليس بريئا. فالجميع نتاج أوضاع عنيفة سادت هذا الإقليم وما زالت تلقي بظلالها الكثيفة عليه.

اعترافات شخصية

إذا كان طابع المأساة غامضا في الفيلم السابق، فهو أكثر وضوحا في فيلم “1922” للمخرج زاك هيلديتش، وكما يعتمد “يوم سيء للحصاد” أساسا على شخصية البطل، الذكر، الفرد الذي يبحث عن التكفير أو عن الحقيقة ثم ينتهي وقد تلطخت يداه بالدماء، يعتمد “1922” على شخصية مماثلة لرجل ذكوري تجاوز منتصف العمر، هو ولفريد جيمس نراه من البداية في غرفة داخل فندق متواضع، يدون ما يشبه اعترافات شخصية بجريمة ارتكبها قبل سنوات.

ومن خلال العودة إلى الماضي، مع التأرجح من وقت إلى آخر، بين الحاضر والماضي، نعرف أن ولفريد مزارع يعيش في ريف نبراسكا مع زوجته أرليت وابنه هنري (14 سنة) الذي أًصبح يرتبط بقصة حب مع شانون ابنة المزارع الجار الأكثر نجاحا في زراعة وإدارة أرضه قياسا إلى ولفريد الذي يعاني من تراكم الديون عليه، ولفريد يمتلك 80 هكتارا بينما ورثت زوجته 100 هكتار.

وعندما تبدي أرليت رغبتها في بيع ما يمتلكونه من أرض والانتقال للعيش في المدينة، يثور ولفريد، فهو يعتبر حياة المدينة لا تصلح سوى للصعاليك، لكن أرليت التي أصبحت تشعر بالسأم من حياة الريف الفارغة، تطرح فكرة الطلاق واقتسام الأرض في ما بينهما، لكي يتاح لها بيع نصيبها ثم الانتقال إلى المدينة على أن تصطحب ابنها معها.

هنا يصبح الحل الوحيد أمام ولفريد، كما يقول لابنه، قتل أرليت بمساعدة هنري نفسه، ويتم القتل بالفعل في وقت مبكر من الفيلم، ولكن بطريقة خشنة عن طريق الذبح وقطع الرقبة مع تناثر الكثير من الدماء، ويقوم الاثنان بالتخلص من الجثة عن طريق إلقائها في البئر الجاف، ثم يلقيان فوقها ببقرة من أبقار المزرعة، ويهيلان فوقها التراب.

تنتهي الجريمة، ويتصور الاثنان أن بوسعهما الآن استئناف حياتهما كما يشاءان: الأب الذي يقدس الملكية الفردية والأرض ويعتبر أن مستقبل ابنه فيما سيتركه له من ميراث في الريف، والابن الذي يتطلع إلى الزواج من شانون حتى في هذه السن الصغيرة وهو أمر كان شائعا في 1922. هنا تنتهي الجريمة مبكرا ويبقى العقاب.

جريمة مصحوبة بشعور دائم بالذنب
ملامح القسوة يعقبها الندم في "1922"

ما يحدث بعد ذلك يذكرنا بفيلم “ساعي البريد يدق دائما دقتين” (1981) لبوب رافلسون، فسرعان ما يحضر المحامي الموكل من قبل الرجل الذي يرغب في شراء نصيب الزوجة من الأرض، يبدي الكثير من الشكوك حول ما وقع، فرواية ولفريد وابنه تتلخص في أن أرليت هربت ذات صباح لرغبتها في العيش في المدينة، وهي رواية يميل ضابط الشرطة في البلدة إلى تصديقها رغم عثوره على الكثير من العلامات المريبة.

لن تقع جرائم أخرى بالتداعي، لكن يبدأ “العقاب”، وهو يتمثل في طغيان الشعور بالذنب عند كل من ولفريد وهنري، فالأخير يرى أن قتل أمه كان خطيئة بالمفهوم المسيحي ويشعر أنهما سيتعذبان بفعل الشعور بالذنب.

ولكن مشكلة هنري الحقيقية تأتي بعد أن تحمل منه شانون رغم تحذيرات أمه السابقة من التورط في علاقة جنسية، فيختار الفرار معها إلى المدينة، وهناك ينغمس في سلسلة من جرائم السطو على البنوك، وينتهي نهاية سيئة تنعكس بصورة مأساوية على الأب الذي أصبح الآن يعيش وحيدا، تهاجمه هواجسه، تحيط به الفئران المخيفة التي تظهر من داخل شقوق في السقف أو من فتحات في أرضية المنزل، منها ما هو حقيقي كما نرى عندما تعضه إحداها في يده وتتدهور حالة اليد وصولا إلى العلاج بالبتر، ومنها ما ينبع من خياله، مع الكثير من الكوابيس والرؤى المخيفة التي تتراءى له مع شعوره القاسي بالانقطاع عن العالم وتدهور علاقته مع جاره.

وتدريجيا يتجه ولفريد إلى الجنون، بعد أن يكون قد فقد الزوجة والابن والأرض التي يستولي عليها البنك بعد عجزه عن السداد، وينتهي به الأمر في تلك الغرفة العارية في الفندق، حيث يجتر أحداث ذلك العام الفارق في حياته: 1922.

توماس جين يبدع في فيلم {1922} في أداء دور ولفريد جيمس، الفلاح الجاف صاحب النبرة الصوتية المتعجرفة، الذي لا يبدي تجاه زوجته أدنى شعور بالحب والفهم
توماس جين يبدع في فيلم "1922" في أداء دور ولفريد جيمس، الفلاح الجاف صاحب النبرة الصوتية المتعجرفة، الذي لا يبدي تجاه زوجته أدنى شعور بالحب والفهم

يعتمد أسلوب الإخراج على التصوير الدقيق للتطورات التي تطرأ على الشخصية الرئيسية، ويمزج الفيلم بين الصور الحقيقية: لحظات الغروب، الطبيعة التي تتخذ لونا كئيبا رماديا، وبين كآبة الحياة داخل المنزل حيث يرتع الخيال المريض فنرى الفئران تبرز من كل مكان، ثم جثة البقرة التي تعفنت وأصبحت تمتلئ بالفئران أسفل البئر، ثم نشاهد البقرة الأخرى التي أصبحت تعيش داخل المنزل مع ولفريد، لكنها تحت تأثير الجوع أصبحت تصارع الموت على عتبة المنزل مما يضطره إلى إطلاق الرصاص عليها.

وهناك أيضا اللقطات السريعة الصامتة والكثير منها مصوّر بالحركة البطيئة، تتداعى أمامنا للابن وهو يقوم بعمليات السطو ثم كيف تصاب شانون خلال إحدى المطاردات برصاصة في صدرها، وكيف يحملها هنري فوق الثلوج التي انتشرت في كل مكان، وينتقل بها إلى كوخ وهناك تلقى مصيرها، ثم ينتحر هنري.

أخيرا، ربما يكون أهم ما يميز الفيلم ويبقي على اهتمامنا به كدراسة لشخصية رجل منحرف، هو الأداء البليغ من جانب الممثل توماس جين لدور ولفريد جيمس، الفلاح الجاف صاحب النبرة الصوتية المتعجرفة، الذي لا يبدي تجاه زوجته أدنى شعور بالحب والفهم، البطريركي الذي يتمسك بالملكية: ملكية الأرض والأسرة، ثم كيف تتداعى حياته وتتسع مأساته بعد أن يرتكب “الخطيئة” ويقع في “الإثم”، إلى أن يصبح سجينا يتعذب بما ارتكبته يداه.

وفي كلا الفيلمين نلمح معالم “المأساة” التي تظلل الشخصيات والأحداث، ورغم بعض الكاريكاتورية التي تشوب الشخصية الرئيسية في الفيلم الأول، وبعض الجنوح نحو المبالغة في تجسيد نذالة وقسوة الشخصية في الفيلم الثاني، إلاّ أن العملين يتمتعان بقدر كبير من الجاذبية والجدة والقدرة على الإدهاش، لذلك يبقيان في الذاكرة.

16