شبلي الشميل المفكر الجريء الذي نحتاجه اليوم

السبت 2015/09/26
شبلي الشميل رأى أن العلم مفتاح حرية وتنمية المجتمعات وليس العكس

إن الحقائق الطبيعية هي المدرسة الأولى للإنسان. أما التربية فهي إعداده للحياة بما هي انطباع وراثي، وما دام عقل الطفل كالشمع قابل إلى أن ننقش فيه ما نشاء، إذن لا بد من إقامة فلسفة عملية هادية إلى السبيل القويم ومبنية على العلم الحقيقي أو الطبيعي، فالعلوم هي غاية التطور وسبيله الأمثل.

لا بد لمن يود التقدم أو النهضة بمجتمعه، أن ينادي ويأخذ هذه الأفكار بعين الاعتبار، فمن نادى بهذه الأفكار ليس أوروبيا، لكنه كان شديد التأثر بعظمة علوم أوروبا الطبيعية وبأهمية ما وصلت إليه من تقدم بسبب تأكيدها على التعلم.

أراد هذا المفكر العربي الذي اختصّ بالطب في باريس والمولود في كفر شيما بلبنان أواسط القرن التاسع عشر، أن ينهض بمجتمعه العربي نهضة علمانية قوامها العلوم الطبيعية والفلسفة المادية ومعرفة قوانين الاجتماع الطبيعي. متأثرا في ذلك بـ”بوخنر” تأثرا واضحا، إذ ترجم كتابه “ست محاضرات حول نظرية داروين” ونقله إلى العربية تحت عنوان “فلسفة النشوء والارتقاء”، مع الكثير من الأعمال عن “الداروينية والاشتراكية”. إنه المفكر العربي “شبلي الشميّل” الذي عرف بأنه من أصحاب الاتجاه العلماني في النهضة والإصلاح مقابل الاتجاه الديني في النهضة والإصلاح في الوطن العربي وقتها.

“معرفة الإنسان لأصله الحيواني تجعله يفهم أنه قابل للتقدم”، هكذا يرى الشميّل أنه يمكن للناس أن تجني فوائد جمة لا حصر لها بدارسة العلوم الطبيعية والفلسفة المادية، وأول هذه الفوائد، معرفة الحقيقة عن أصل الإنسان وأصل المجتمعات، لأن هذه المعرفة وبخاصة معرفة الإنسان لأصله الحيواني تجعله يفهم أنه قابل للتقدم، وذلك إذا أحسن استعمال ما فيه من القوة، وأن “الإنسان ينبغي ألا ينبذ كله لخلة، أو يقبله كله لمزية، لأنه قد يكون مستكملا لمزية وناقصا في غيرها”.

وعلى الإنسان في نظره أن يبحث في هذا الأصل عن موضوع قوته وكماله، ويستخدم به ذلك لإصلاح أحواله “بل ربما عدّت المزية خلة، والخلة مزيّة للقياس لما هو مقرر في الذهن، لا لما تحكم به حرية العقل” وهنا نرى أن العقل عند الشميّل يبدو غير حر حقيقة، وإنما يعمل وفقا لأحكام هي منشأ حركته، غير أن عمله بموجب هذه الأحكام لا يوجد فيه تقييدا إلا من حيث معرفته للقوانين الكلية والروابط الكبرى للكون، فيتغير بحكم الضرورة، ونتيجة هذا التغيير، التحسين، بخلاف ما لو كان مقيدا بوهم أو تعليم يأبى تغييرا.

المقارنة التي يجريها الشميل ما بين الشرق والغرب، يرينا من خلالها الفارق العظيم بينهما من جهة التقدم في الصنائع وسائر أسباب الثورة، وأن المقارنة بين أوروبا قبل الثورة اللوثرية وبعدها، تبين لنا أن النهضة التي حصلت لأوروبا في الملاحة والفلاحة والصناعة والتجارة إنما مردها إلى تلك الثورة الدينية التي فكت العقل من بعض قيوده

وعنده أن الإنسان “إذا اتبع مبادئ العلوم الطبيعية ومعارفها يحصل له تغيير عظيم في أحوال حياته الطبيعية والأدبية فيزداد شكله جمالا وكمالا، وعواطفه وسائر قواه المعنوية تزداد نبالة وجلالا، ويقل الشرّ من بني البشر”.

الحاجة إلى الثورة الدينية

“أنا لست متعصبا ضد الأديان بمعنى الكلمة الموجبة لكراهة من لا يشاركك في اعتقادك الخاص”، يقول الشميّل، الذي تأتي نقمته على الدين في إطار دعوته إلى فصل الدين عن الدولة، كما فعلت الثورة الفرنسية وكما هو قائم في المجتمعات الأوروبية الراقية، وفي كتابه “فلسفة النشوء والارتقاء” يهاجم الدين في كل صفحة من صفحاته، وكأن الدين هو العلة الوحيدة لشرور المجتمع، ويرى أن المجتمعات يمكن أن تدار وتصلح من غير الدين.

ويتنقل ليعدد مساوئ الدين من حيث تأخر الأمم وتعصبها وتباغضها وتهاملها بعضها على بعض، والحروب التي سببتها بين الأمم، حيث جرت الدماء بحورا وما سببها إلا العداوات التي آثرتها الديانات ويُظهر تقييد الدين لحرية الفكر.

وفي اعتقاد الشميّل أن المحافظين على الأحوال المقررة هم أصحاب الروحانيات، ومن توكأ على عصاهم من أصحاب السلطة فيدعون “أن الكون لا يعمر إلا بما هو مقرر في سياساتهم ودياناتهم ولغاتهم وسائر آدابهم، ويستغربون كل قول كان ضد ذلك”. ويتبع ذلك بمقارنة بين الشرق والغرب، ليرينا الفارق العظيم بينهما من جهة التقدم في الصنائع وسائر أسباب الثورة، وأن المقارنة بين أوروبا قبل الثورة اللوثرية وبعدها، تبين لنا أن النهضة التي حصلت لأوروبا في الملاحة والفلاحة والصناعة والتجارة إنما مردّها إلى تلك الثورة الدينية التي فكت العقل من بعض قيوده، فأنشأت المعامل وعقدت الشراكات المختلفة، وبها “كثرت ثورة الأمم الناهضة، وقويَ عزم الإنسان على ما فيه من ضعف واستظهر على الطبيعة وقواها، فقرب البعيد من الأقطار، إذ استنطق البرق واستسرى البخار ووصل بين البحار، كل ذلك بما اكتشف من معدات وعرف من الأسرار”.

قبل وصوله إلى مثل هكذا نتيجة، يبدأ الشميّل بوصف الاستبداد، وكيف يحوّل الناس إلى عبيد، ويعلمهم التملق للتقرب من أصحاب السلطة، ويهاجم المتسلطين والظالمين والمستغلين، ويؤكد أن المناصب الرفيعة والمقامات السياسية العظمى يجب أن تكون قائمة على استحقاق الدال على غزارة العلم وسعة الفضل، وأن المقامات العالية تطمس البصائر، فالثورة للحقوق المهضومة من شأن المتعلم أما الجاهل فحقائقه كلها أوهام.

الحكم والمرأة والمساواة

يعرض الشميّل لكل أنواع الحكم ومآخذه عليها، ليبين لنا أن خير الحكم هو الحكم الجمهوري الانتخابي، فالحكم الملكي المطلق مفسد للعدل، فلا يكون لأعمال السلطان منتقد، ولا لأحكامه مُعدّل، فيلجأ إلى الاستبداد في أمور الرعية ويستخدمها لأغراضه الخصوصية، فيتقرب له أصحاب الأغراض بالكذب في موضوع الصدق وبالإطراء في موضوع التنديد.

أما من يقول بأن الحكم الملكي المقيد هو أحسن الأنواع، فيراه الشميّل بأنه محفوف بالمخاطر، ورائحة الاستبداد فيه، ومن ثمة لمّا كان هذا النظام يخوّل الملوك حق الولاية بالسلالة، فليس هناك مانع من أن يتولى الحكم من يكون “خامل الذكر، فاقد الحزم”. ومن أجل هذه المآخذ كلها يقول “لا بد أن يكون حكم التبديل شاملا لعامة الهيئة من الملك إلى العامل البسيط، وينتخب الرأس من آحاد الأمة، فيتعاون مع رجال الحكومة على إتمام الحكم في الأمّة بما تقوم عليه من الشورى”.

كتابه "فلسفة النشوء والارتقاء" يهاجم فيه الشميل الدين في كل صفحة من صفحاته، وكأن الدين هو العلة الوحيدة لشرور المجتمع، ويرى أن المجتمعات يمكن أن تدار وتصلح من غير الدين

يمضي باحثا بعد ذلك في تأثير كل من المناخ والأرض والمياه في نظام الحكم، ويذكر آراء كل من أبوقراط وابن سينا وابن خلدون، محاولا أن يبحث في طبيعة المجتمع ليصل من خلال ذلك إلى نتائج سياسية، وعلى غرار علماء اجتماع عصره يرى أن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع ترابطا وتعالقا.

وفي نظرته إلى المساواة، رأى أن عدم المساواة بين الرجل والمرأة لا تعود إلى النظرة السائدة والخاطئة كما يروّج لها زعماء المساواة، بأن عدم المساواة بينهما يرجع إلى عدم تساويهما في الرياضة، بل إلى الطبيعة والغريزة، ويعلل تلك النظرة السائدة إلى رغبة بعض الرجعيين في أن تبقى المرأة تابعة للرجل، مساعدة له، متممة ما نقص من كماله، مخففة عنه مشاق الحياة الداخلية، وحاضنة لأولادها ومستقرة في دائرة بيتها.

محو الحدود والتعصب

الاشتراكية التي يريدها الشميّل، هي اشتراكية متأثرة إلى حد كبير ببوخنر، من خلال نقله الكثير عن كتابه “الداروينية والاشتراكية” وهي اشتراكية إصلاحية، إذ يرى أن الاشتراكية ذات غاية واحدة، وإن كانت فيها آراء مختلفة، مشيراً إلى أصحاب رؤوس الأموال “الذين جمعوا بذكائهم ودهائهم الأموال على ظهور العمال”.

وكثيرا ما كان يقارن في كلامه بين الاشتراكية والفوضوية، لكن مع تبيان الفرق بينهما تماما، ولا يخلط بينهما كما يتوهم من درسوا تفكيره، وإنما يجمع بينهما لأنهما تثوران على الظلم والظالمين وتريدان أن تبنيا مجتمعا عادلا ومتساويا. وفي ظنه أن الاشتراكية ستمحو الأوطان والتعصب لها، وستجعل الشعوب تمد أيديها لتتصافح على الرغم من الحدود والفواصل، وستفصل الدين عن الدولة وتمحو التعصب الديني.

لقد كان الشميّل مفكراً جريئاً بحق، فما طرحه كان على قدر كبير من الشجاعة، وخاصة نظرته للدين، وإصراره على فصل الدين عن الدولة، وأيضا في زمانه تنبأ بأن الأمور ستصل إلى مكان حتى لا ترى ملكا في أوروبا إلا ويتوعّد الملوك في كل مكان، جراء التطور الذي وصلته، ومن الجدير بالذكر هنا، أنه توقع ثورة ستهب في المستقبل، وهي ثورة لا بدّ منها ثورة العمال والمفكرين على فساد الحكم واستئثار رجال المال المستغلين. وكأنّ هذه الثورة قد هبّت ونحن نعيشها الآن.

13