شبهات التزوير تحوّل الانتخابات العراقية إلى مأزق سياسي وقانوني

البرلمان العراقي يقرر إعادة فرز أصوات الانتخابات يدويا بشكل كامل، انتداب تسعة قضاة لإدارة المفوضية.
الخميس 2018/06/07
الفوضى الانتخابية انعكاس لعيوب العملية السياسية

بغداد - لم يعد خيار إلغاء نتائج الانتخابات العراقية بعيدا عن قائمة الحلول التي يمكن اللجوء إليها للخروج من الأزمة المتفاقمة، التي اندلعت جرّاء عاصفة التشكيك في نزاهة الاقتراع.

وصوت البرلمان العراقي، الأربعاء، على إلزام مفوضية الانتخابات بإعادة عد وفرز جميع الأصوات الانتخابية يدويا بشكل كامل، وانتداب تسعة قضاة لإدارة المفوضية.

وسيحل القضاة محل تسعة من أعضاء مجلس المفوضين، وهو أعلى سلطة في المفوضية. وتعتبر جلسة الأربعاء التي حضرها 173 نائبا من أصل 328، استكمالا للجلسة الاستثنائية التي عقدها البرلمان الأسبوع الماضي للنظر في اتهامات التزوير التي رافقت الانتخابات.

 

الانتخابات العراقية بدل أن تكون وسيلة لتحقيق الاستقرار في البلد والخروج من مرحلة التوتّر التي شهدها على مدار ثلاث سنوات من الحرب ضدّ داعش، أفضت إلى نتيجة عكسية تماما وهي إذكاء التوتّر السياسي والصراع على السلطة القابل للتحول إلى توتّر أمني ونزاع مسلّح.

وصوت البرلمان الأسبوع الماضي على إلغاء نتائج اقتراع العراقيين في الخارج والنازحين داخل مخيمات البلاد، وإلزام المفوضية بإجراء عد وفرز يدويين لعشرة بالمائة من صناديق الاقتراع. لكن مفوضية الانتخابات رفضت قرار البرلمان، وقالت إنه يخالف القوانين النافذة، وهو ما أكده، الثلاثاء، مجلس القضاء الأعلى، الذي ينظم شؤون القضاء في العراق.

ولتدارك ذلك، صوت البرلمان خلال جلسة الأربعاء على تعديل قانون الانتخابات بما يتيح إجراء عملية عدّ وفرز الأصوات يدويا وإلغاء اعتماد الأجهزة الإلكترونية في عمليات الاقتراع. كما صوت البرلمان على اعتماد توصيات مجلس الوزراء بخصوص الانتخابات.

وعقب إعلان نتائج الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، انطلقت حملة تشكيك واسعة النطاق بنزاهتها بدأت من رئاسة البرلمان وانضمت رئاسة الحكومة إليها أخيرا.

ويرى مراقبون أنّ ما آل إليه الجدل بشأن الانتخابات في العراق، ليس سوى نتيجة حتمية وانعكاس آلي لطبيعة العملية السياسية الجارية بالبلد وما تحمله من عيوب كثيرة أبرزها قيامها على المحاصصة وتقاسم السلطة، ما كرّس الصراع بكل السبل المتاحة على ما توفّره من مكاسب وامتيازات.

وفي فترة بالغة الحساسية عقب حرب شعواء ومكلفة بشريا وماديا شهدها العراق على مدى ثلاث سنوات ضدّ تنظيم داعش، وجد العراقيون أنفسهم مجدّدا أمام توتّرات سياسية حادّة قابلة للتحوّل إلى نزاع مسلّح، خصوصا في ظلّ فوضى السلاح ووجوده بأيدي أطراف بعضها مشارك في الانتخابات.

وحاول البرلمان الذي يرأسه سليم الجبوري، وهو أحد الخاسرين في الانتخابات، إجبار مفوضية الانتخابات على إعادة عد النتائج بشكل يدوي، بعدما أظهر النظام الإلكتروني للعد نتائج غير متوقّعة، لكن المفوضية رفضت متشبثة باستقلاليتها.

والتحقت الحكومة بالجدل المحيط بالانتخابات، وشكلت لجنة لتقصي الحقائق، أيدت في توصياتها مضامين قرارات البرلمان.

وتقريبا لم يعد هناك من يناصر المفوضية من الأطراف السياسية سوى تحالف “سائرون” المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ورئيس الجمهورية فؤاد معصوم الذي يُتهم حزبه الكردي وهو الاتحاد الوطني الكردستاني بتزوير النتائج في كركوك والسليمانية، وحزب الحل المتهم بتزوير النتائج في الأنبار.

ويقول مراقبون إن الفوز المفاجئ الذي حققته القائمة المدعومة من الصدر يمنعها من دعم التشكيك في نتائج الانتخابات.

ومنعت الحكومة أعضاء مجلس مفوضية الانتخابات من السفر إلى حين اكتمال التحقيق، وشددت على إعادة العد لعينة عشوائية من الأصوات.

سيناريو إلغاء نتائج الاقتراع والدعوة إلى انتخابات مبكرة يغضب مقدى الصدر إذ يبدد فوز ائتلاف سائرون الذي يدعمه

ودارت مطالب المعترضين على نتائج الانتخابات بداية حول مطلبين؛ الأول العد اليدوي، والثاني إلغاء نتائج انتخابات العراقيين المقيمين في الخارج وانتخابات العراقيين النازحين في الداخل بعدما سادت قناعة بأنها شهدت أكبر عمليات تزوير.

وتلقت مفوضية الانتخابات دفعة قوية الاثنين، عندما أعلن مجلس القضاء الأعلى أنه “ليس من صلاحية الهيئة القضائية المشكّلة حسب قانون الانتخابات إعادة العد يدويا، كما أنه ليس من صلاحيتها إلغاء انتخابات الخارج والنازحين”.

ومن وجهة نظر مجلس القضاء الأعلى، فإن المفوضية أنهت واجبها، فضلا عن أن النتائج لا يمكن إلغاؤها في كل الأحوال.

ويطرح المعترضون فكرة إلغاء نتائج اقتراع مايو والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

لكن هذا السيناريو يصطدم بعدة عوائق، أولها إغضاب الصدر وتبديد فوز القائمة التي يدعمها، وثانيها الفراغ القانوني الذي ستدخل فيه البلاد حال انقضاء المدّة الدستورية للبرلمان الحالي نهاية الشهر الجاري.

ويتساءل خبراء قانونيون في بغداد عن كيفية إجراء انتخابات نيابية من دون وجود برلمان يحدد موعدها ويشرّع قانونها الذي تجرى وفقه، كما يتساءلون عن الجهة التي ستنظم هذا الاقتراع، بعد تعرّض مفوضية الانتخابات إلى هذا التشكيك الواسع.

وفي محاولة للخروج من دائرة الجدل، رفعت المفوضية يدها عن نتائج الانتخابات، معلنة أنها بانتظار نتائج الطعون من قبل الهيئة القضائية.

لكن مراقبين يستبعدون قدرة الجهاز القضائي على حسم هذا الجدل، بسبب التأثيرات السياسية المختلفة عليه. ودعا زعيم ائتلاف “الوطنية” إياد علاوي إلى “حشد الجهود للإسراع بالتصويت على تعديل قانون الانتخابات وتدعيم قرار مجلس الوزراء”.

كما دعا السلطات القضائية إلى “التعاطي مع قرارات مجلس الوزراء، وتقديم المتورطين بالتزوير الانتخابي لينالوا جزاءهم”. وحذّر من أنّ “أي تباطؤ في تطبيق تلك المقررات ستكون له تداعيات على مجمل العملية السياسية”.

ومن جانبه، أبدى رئيس البرلمان سليم الجبوري، ترحيبه بقرارات مجلس الوزراء حول عمليات التزوير والتلاعب في الانتخابات البرلمانية.

3