شبهات ضغط وابتزاز وراء سحب صواريخ باتريوت الأميركية من السعودية

على أي أساس أُعيد تقييم الخطر الإيراني على مصالح الولايات المتحدة؟
السبت 2020/05/09
وسيلة حماية أم أداة ضغط سياسي

قرار الولايات المتحدة الأميركية سحب بطاريات صواريخ باتريوت من السعودية، لا يبدو أنّه قد اُتّخذ على خلفيات عسكرية وأمنية، بقدر ما أنّه مرتبط بحسابات سياسية تخصّ إدارة الرئيس دونالد ترامب ومساعي الأخير للحصول على عهدة رئاسية ثانية في انتخابات نوفمبر القادم، الأمر الذي يضطره لمسايرة مجموعات ضغط نافذة ولو كان ذلك على حساب الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتّحدة.

واشنطن – قلّلت مصادر سياسية وعسكرية من التأثيرات الأمنية التي يمكن أن تترتّب على قرار الولايات المتّحدة الأميركية سحب مجموعة من صواريخ باترويوت من المملكة العربية السعودية، معتبرين أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب أرادت من هذه الخطوة المفاجئة مسايرة مجموعة السياسيين والمشرّعين المعروفين بتشدّدهم إزاء المملكة، والذين علت أصواتهم بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة مع تهاوي أسعار النفط، محمّلين الرياض مسؤولية ذلك بفعل حرب الأسعار التي خاضتها ضدّ موسكو، وكان لها أسوأ الأثر على منتجي النفط في الولايات المتّحدة.

وأفاد مصدر عسكري أميركي بأنّ واشنطن قرّرت سحب أربع بطاريات صواريخ باتريوت مع طواقمها من السعودية بعدما اعتبرت أنّ التهديد التي تمثّله إيران على مصالح الولايات المتّحدة في المنطقة قد تراجع.

وقال المصدر لوكالة فرانس برس مشترطا عدم نشر اسمه إنّ اثنتين من هذه البطاريات نشرتهما الولايات المتحدة في السعودية بعد الاعتداءات الصاروخية التي استهدفت منشآت نفطية في المملكة “تغادران الآن”.

وتعالت في الآونة الأخيرة أصوات عدد من المشرّعين الأميركيين المطالبين بتغيير العلاقة الاستراتيجية التي ربطت بين السعودية والولايات المتّحدة طيلة عقود من الزمن، وصولا إلى المطالبة بمعاقبة المملكة على ما يراه هؤلاء مسؤوليتها على الخسائر التي لحقت بمنتجي النفط الأميركيين.

ديفيد شينكر: على دول الخليج أن تفكر في قيمة شراكتها مع الولايات المتحدة
ديفيد شينكر: على دول الخليج أن تفكر في قيمة شراكتها مع الولايات المتحدة

وبينما يثير مراقبون أسئلة بشأن الارتباطات الخارجية لهؤلاء المشرّعين، في إشارة إلى علاقة عدد منهم بقطر الساعية بحماس إلى إفساد العلاقات بين الرياض وواشنطن، لا يستبعد البعض وجود شبهة ابتزاز سياسي ومالي للسعودية وراء عملية سحب بطاريات الصواريخ.

ويقول متابعو الشؤون الأميركية إنّ الرئيس ترامب مضطر خلال الأزمة الداخلية الحادّة التي يواجهها بفعل جائحة كورونا وتأثيراتها الضارة على الاقتصاد الأميركي، لمسايرة رموز اليمين المتشدّد، والظهور بمظهر الحازم في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة تنفيذا لشعار “أميركا أولا” الذي يرى أنّه لا يزال قابلا للتسويق في الانتخابات الرئاسية المقرّر إجراؤها في شهر نوفمبر القادم.

كذلك يناسب قرار سحب صواريخ الباترويوت من السعودية نظرية الحماية مقابل المال الذي لطالما روّج لها ترامب نفسه، رغم أنّ تلك النظرية تقفز على حقيقة أنّ الحضور العسكري الأميركي في عدد من مناطق العالم، بما في ذلك منطقة الخليج والمنطقة العربية عموما، مصلحة أميركية بالدرجة الأولى حيث تعمل الجيوش الأميركية المنتشرة في أنحاء الأرض على حماية مصالح الولايات المتّحدة وتأمين نفوذها وسدّ الفراغات أمام منافسيها المتحفّزين دائما لملء تلك الفراغات، كما هي الحال مثلا في العراق حيث يطالب ساسة ومشرّعون عراقيون بسحب القوات الأميركية من هناك بينما تتشبّث واشنطن بعدم سحبها.

وكانت السعودية قد شهدت في سبتمبر الماضي هجوما غير مسبوق استهدف بصواريخ بالستية وطائرات مسيّرة مفخّخة منشآت لشركة أرامكو النفطية وتبنّاه الحوثيون في اليمن لكنّ الرياض وحلفاءها الغربيين حمّلوا إيران التي تدعم هؤلاء المتمرّدين المسؤولية عنه.

واحتفظ الأميركيون ببطاريتي باتريوت في السعودية بعد هجوم صاروخي شنّته فصائل موالية لإيران على قاعدة التاجي العراقية شمالي بغداد وقتل فيه أميركيان وجندي بريطاني.

وكان من المفترض أن تعود هاتان البطاريتان إلى الولايات المتّحدة للصيانة لكنّ القيادة العسكرية الأميركية أبقتهما في المملكة بسبب التوترات في حينه.

وأضاف المصدر العسكري “الجميع كانوا يعلمون أنه أمر مؤقت، ما لم تسُؤ الأمور”، موضّحا “الأمور لم تسؤ، وبالتالي كان لا بدّ من إعادة  هذه الأنظمة الصاروخية الدفاعية إلى الولايات المتحدة”.

ويعني سحب هذه البطاريات كذلك أن طواقمها المؤلّفة من حوالي 300 عسكري أميركي سيغادرون المنطقة أيضا.

سحب البطاريات يعن يسحب طواقمها من العسكريين
سحب البطاريات وطواقمها من العسكريين

وكانت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية قد ذكرت، الخميس، أن واشنطن ستسحب بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ من السعودية.

ونقلت الصحيفة، عن مسؤولين أميركيين قولهم إن واشنطن قررت إزالة أربع بطاريات باتريوت، وسحب عشرات العسكريين الذين أرسلتهم بعد الهجمات على منشآت النفط السعودية العام الماضي. وأضافت أن سربين من الطائرات المقاتلة الأميركية غادرا المنطقة.

وأشارت الصحيفة، إلى أن الإدارة الأميركية تدرس أيضا خفض التواجد البحري الأميركي في الخليج العربي قريبا. ولفتت إلى أن تلك القرارات تستند إلى أن إيران “لم تعد تشكل تهديدا مباشرا للمصالح الاستراتيجية الأميركية”.

ولم تذكر واشنطن المقياس الذي اعتمدت عليه في إعادة تقييمها للخطر الإيراني، وما إذا كانت تعتبر أن حالة الضعف التي تمر بها إيران حاليا بفعل مشاكلها الاقتصادية الحادّة ستدفع طهران إلى تغيير سياستها في المنطقة.

وقرأ مراقبون رسالة مختلفة في سحب واشنطن لبطاريات الباتريوت المخصّصة لحماية منشآت نفطية سعودية، مفادها أن واشنطن لم تعد تولي أهمية للنفط السعودي.

ويرصد هؤلاء تصاعد حالة من العداء للسعودية داخل بعض الأوساط الأميركية يمكن مقارنتها بحالة مشابهة كانت قد سادت في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وكان من نتائجها إصدار القانون المعروف بـ”جاستا” والذي يتيح لعوائل ضحايا أحداث 11 سبتمبر 2001 مقاضاة حكومة المملكة ومطالبتها بتعويضات مالية باعتبار أن عددا من مواطنيها شاركوا في تنفيذ التفجيرات.

ويعمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحت ضغط الوقت حيث كان يأمل أن تساعده منجزاته الاقتصادية والاجتماعية (خفض معدّل البطالة) في الحصول على ولاية رئاسية ثانية في انتخابات نوفمبر القادم، لكن جائحة كورونا أربكت إدارته وهددت حظوظه في الوصول إلى هدفه، ودفعته إلى محاولة تصدير أزمته إلى الخارج من خلال تحميل الصين مسؤولية الجائحة وتسليط ضغوط على بكين ومن يتعامل معها.

وطالت تلك الضغوط بلدان الخليج التي تربطها علاقات وثيقة مع الطرفين الأميركي والصيني.

وقال ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى إن على دول الخليج العربية أن تأخذ علاقتها بالولايات المتحدة بعين الاعتبار عند التعامل مع الصين، مؤكّدا قوله “على هذه الدول أن تفكر في قيمة شراكتها مع الولايات المتحدة”.

وأضاف في حديث لوكالة رويترز “نريد أن تبذل الدول الشريكة لنا العناية الواجبة”.

واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصين بالمسؤولية عن جائحة فايروس كورونا وتدرس إدارته اتخاذ إجراءات عقابية ضد بكين بسبب طريقة تعاملها مع الوباء في البداية بينما يتفاقم الضرر الاقتصادي وتتزايد الضحايا البشرية.

وأثنى عدد من المسؤولين في منطقة الخليج على جهود بكين في مكافحة الفايروس الذي ظهر أولا في مدينة ووهان الصينية.

وكثفت الصين في الآونة الأخيرة جهودها الدبلوماسية في الشرق الأوسط وأرسلت خبراء وإمدادات طبية إلى دول في أنحاء العالم بينها عدة دول خليجية.

وقال شينكر إنه ينبغي على دول المنطقة توخي الحذر إزاء المساعدات الصينية، التي وصفها بأنها تهدف إلى الاستغلال في أغلب الأحيان، مضيفا أن هناك مخاوف تتعلق بمشاركة شركة هواوي الصينية في بناء جزء من البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس في منطقة الخليج التي تستضيف الأسطول الخامس للبحرية الأميركية وأكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة. وتابع قائلا إن ذلك سيجعل التواصل بين القوات الأميركية والخليجية صعبا.

ويتضح من تصريحات شينكر، وكذلك من سحب صواريخ الباتريوت من السعودية أنّ الولايات المتّحدة تحاول أنّ تتخذ من حضورها العسكري ودورها الأمني في منطقة الخليج ورقة ضغط على البلدان الغنية في تلك المنطقة، لكنها لا تبدو في وارد الذهاب بعيدا في تنفيذ تهديداتها لأنّ لها مصالح حيوية هناك، وقد سبق لإدارة الرئيس السابق باراك أوباما أن لوّحت سنة 2013 بسحب الأسطول الأميركي الخامس من مملكة البحرين إثر خلافات مع المنامة على ملفّات حقوقية من دون أن تقدم فعلا على أي خطوة في ذلك الاتّجاه.

3