شتاء الإرهاب بعد خريف الإخوان

الجمعة 2013/10/11

قبل غزوة نيويورك، سبتمبر 2001 التي نُفذت بتقنية جديدة من نوعها في التاريخ، كانت الولايات المتحدة قد بدأت حربا، كان طرفها الآخر مجهولا بالنسبة للكثيرين، بل أن وجوده كان ينطوي على قدر كبير من الغموض. لقد أطلقت وسائل الإعلام الغربية على ذلك العدو اسما مستعارا من تاريخ هامشي، غالبا ما كانت السياسة تفقد الكثير من كياستها الملفقة بسببه.

كان الإرهاب هو ذلك الاسم. وهو اسم، لا معادلة كيميائية ثابتة يمكن أن تستخرجه من عناصر بعينها، ولا يحضر دائما متخذا الهيئة نفسها.

لم يكن يومها من السهل الفصل بين مَن ترغب فيه الولايات المتحدة من خلال أجهزتها الاستخبارية صديقا للغرب ومنفذا لمشاريعه، وبين مَن ترى فيه تلك الأجهزة عدوا، لا تسليه إلا فكرة الانقضاض على الحضارة الغربية. كانت ملفات العدو الجديد تحت اليد، جاهزة للاستعمال إذن.

لقد قيل يومها أن الغرب استبدل الشيوعية بالإسلام عدوا معلبا وهدفا لنزعته في التدمير. وكان هناك مَن يتكلم وبلغات عديدة منها الإنكليزية عن حروب مقدسة جديدة. غير أنه كان من اللافت أن الولايات المتحدة وهي تشن حروبها ضد الجماعات الإسلاموية المسلحة بتهمة الإرهاب، قد استثنت عددا من الجماعات التي كان تاريخها لا يخفي نزعة الإرهاب المتأصلة فيها.

كان التنظيم العالمي لحركة الإخوان المسلمين يقف في مقدمة تلك الجماعات، وهو التنظيم الذي كانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر نواته الأولى، بل وحاضنته الفكرية ومدرسته العملية.

ما من إرهابي إلا وكانت له يوما ما صلة وصل تربطه بالجماعة المصرية. سواء تكونت تلك الصلة عن طريق التبعية الفكرية أو التمترس العملي وراء شعارات الجماعة، التي لا تخفي بطريقة أو بأخرى نظرتها التكفيرية إلى المجتمع الذي تعتبره فاسدا. كانت جماعة الإخوان بيئة خصبة للفكر الإرهابي.

فما هو السر الذي يقف وراء القناعة الأميركية في استثنائها عما نتج عنها من محيط إرهابي، لم يكن من الصعب تتبع الخيوط التي تصل بينه وبين الفكر الإخواني، بل وتاريخ الممارسة الإرهابية الإخوانية؟

إذا ما عرفنا أن دولة قطر كانت مكلفة منذ أكثر من عقدين برعاية ذلك التنظيم العالمي وضبط أحواله، يمكننا أن نتخيل كم كانت الولايات المتحدة تعول على دور أفراد ذلك التنظيم في أية عملية تغيير، يمكن أن تؤدي إلى سقوط الأنظمة العربية التي بات غيابها عن المشهد السياسي استحقاقا محليا وعالميا في الوقت نفسه، منذ زمن ليس بالقصير.

كانت جماعة الإخوان هي الرصيد السياسي المضمون عمليا للوصول إلى سلطة، سيكون فراغها دليلا على الفجوة التي تفصل بين النخب السياسية التي كانت تحكم باسم اليسار العلماني، وبين الناس العاديين الذين سلمهم الفقر إلى الجماعات الإسلاموية.

في النهاية فإن ما كانت تفكر فيه الولايات المتحدة كان في جزء كبير منه صحيحا. وإن كان قد حدث خطأ، فإن سبب وقوع ذلك الخطأ يكمن في أن الشعوب لا يمكن الحكم عليها من خلال نظرة سكونية ثابتة. فالشعب المصري الذي قلب الطاولة على الإخوان هو الذي تغير، وهو الذي تمرد على آليات واقعه، وهو الذي أفشل المخطط القديم الذي كان الولاء الشعبي للإخوان عموده الفقري.

الآن وقد انكسرت البيضة التي كان يحتمي بها الإخوان، وصار وجودهم في مصر مستنكرا لا من قبل الجهات الفاعلة في الحراك السياسي وحدها، بل وأيضا من قبل عموم الشعب المصري، فإن غيابهم عن المشهد سيكون ضروريا. ولكن بالنسبة لمَن؟

بعد العنف الذي حاولت أن تمارسه خلال الأشهر الماضية ستهدأ الجماعة الدينية وتعود إلى سباتها، متبعة نصائح أسيادها، في انتظار يوم قد لا يأتي أبدا.

فالجماعة التي لم ينقطع عنها الإمداد المادي قد فقدت الإمداد البشري. وهذا يعني أن استمرارها في الشارع لن يعني إلا مزيدا من الخسائر التي قد لا يقوى التنظيم العالمي على دفعها.

غياب الجماعة ضروري من أجل الحفاظ على ما تبقى من حاضنة الإرهاب.


كاتب عراقي

8