شتاء الكتاب العراقي

مناخ القراءة في موسمه الشتوي هو الأكثر إثارة في أسواق الكتب العراقية، والأكثر اهتماما وشيوعا واستثناء؛ طباعة ونشرا واقتناء.
الخميس 2018/11/15
سوق الشتاء عامرة بالكتب

هل هناك موسم للكتاب؟ هل يمكن تقسيم الفصول إلى مواسم بيع وشراء ومطالعة وقراءة؟ وهل ثمة مزاج للقراءة يتغير من فصل إلى آخر؟ وهل الحالة النفسية التي يتسبب بها مناخٌ ما لها علاقة بالبحث عن الكتاب واقتنائه وقراءته؟

أمزجة الكتّاب وظروف كتاباتهم المختلفة  ربما معروفة، لكن مثل هذه الأسئلة ممكنة في تقصي الأثر الآخر على القارئ والمتبضع الذي يتأثر بالمناخ وحرارته أو برودته وبالتالي يتأثر سوق العرض والطلب في هذا الموسم أو ذاك في سوق الكتاب، فتعزف دور النشر عن الطبع الصيفي وتستأنفه شتاء، وهذا ما يحدث عندنا في العراق في شتاء الكتاب المثالي ليكون الموسم البارد هو الموسم الأكثر حميمية لدى القارئ، إذا -سلمنا علميا- أنّ المناخ يلعب دورا حاسما في تكوين المزاج الشخصي للمتلقي.

يحدث هذا في العراق حينما يسخن الجو فيتأثر الجهاز العصبي والنفسي في تحديد رغبة الفرد من عدمها، مثلما للجغرافية الطبيعية مساحة مؤثرة في تكوين الفرد فإن الجغرافية النفسية لا تقل شأنا عن هذا أبدا. والأخيرة هي من نواتج الطبيعة المتغيرة بفعل الزحف القارّي الذي يغيّر مواقع الحرارة والبرودة في الزمن الحياتي الذي نشهده، مع ظروف خارجية محيطة سنأتي عليها.

في العراق يمكن أن يكون الشتاء سيد الكتاب، فهذا موسمه السنوي المعتاد بعدما انخفضت درجات الحرارة بشكل معقول في خريف البلاد الطويل. وللأمر علاقة واضحة بالمناخ والمزاج وتقلباته بالنسبة للفرد العراقي، ومقياسنا شارع المتنبي في بغداد، وبقية شوارع الثقافة ومكتباتها في عموم المحافظات التي اكتظت كلها بالقرّاء والأدباء والشباب والأُسَر والأطفال في جمعة الكتب والتسوق والمتعة أيضا.

مناخٌ ومزاج يتحكم في آليات نفسية مفهومة في تهيئة الفرد لتقبّل الكتاب في اقتنائه أو قراءته أو البحث عنه، فمناخ العراق صيفي طويل ساخن بحرارته، وشتائي قصير يتسرّب بسهولة خلال شهرين مثلا، بعد المتغيرات المناخية التي يرى العلماء فيها تبدل الطقس في مناطق كثيرة من العالم ولا سيما منطقة الشرق الأوسط . لكن قبل العلماء ومن حوالي ثلاثة عقود تبدلت الأحوال المناخية العراقية بصورة ملحوظة ومالت إلى الحرارة التي وصلت إلى أكثر من 50 درجة مئوية إضافة إلى تطاير الغبار والأتربة وميلان الجو بشكل عام إلى السخونة. وبالتالي يمكن قراءة المزاج العراقي بإضافة عوامل أخرى ساعدت في تضخيم قسوة المناخ ونشرت فيه الكثير من السموم ولا سيما تلك التي تسببت بها الحروب والمقذوفات العملاقة واليورانيوم المنضّب والأبخرة السامة وتلوث البيئة وشح المياه وانقطاع الكهرباء وشيوع الأمراض وعودة المستوطنة منها والقهر السياسي وانتشار الإرهاب بمسميات مختلفة والخوف اليومي وفقدان الأمن والشعور بالرهاب، كلها أسباب مباشرة وغير مباشرة لتغير مزاج الفرد العراقي متزامنة مع تغيير المناخ الصارم.

المزاج الحراري السلبي يفتقد إلى القدرة على التفكير والاستيعاب وهضم القراءة بشكل انسيابي صحيح، والموضوع له علاقة بالإفرازات الهرمونية والمستقبِلات العصبية في جو ساخن مثير يزيد من التوتر والإرهاق النفسي فأعطى نتائج عكسية وسلبية في تقبُّل الكتاب اقتناءً أو شراء أو قراءة. لذلك نجد الأمر في الموسم الشتائي أقل وطأة كأنما الحياة لبست معطفا آخر وولدت مزاجا جديدا وبالتالي غيّرت من أمزجة القرّاء وصار البحث عن الكتاب موضوعا جديا بعد ذلك “السُبات الصيفي” الذي لا يُحتمل.

مناخ القراءة في موسمه الشتوي هو الأكثر إثارة في أسواق الكتب العراقية، والأكثر اهتماما وشيوعا واستثناء؛ طباعة ونشرا واقتناء، وبات الناشرون المحترفون يهيئون الموسم الشتائي لجديد المطبوعات استيرادا وتوزيعا ونشرا، لذلك نجد سوق الشتاء عامرة بالكتب التي يراها القارئ لأول مرة تأليفا وترجمة.

مزاج الشتاء مختلف بطبيعة الحال.

14
مقالات ذات صلة