شتاء تونس الساخن يلوح باحتجاجات السترات الملونة

الخطر الأكبر الذي بات يمثل ضغطا مستمرا أمام الحكومة الملزمة بتطبيق إصلاحات اقتصادية، هو ما يرتبط بتزايد كلفة معيشة التونسيين اليومية والتدهور المستمر لقدرتهم الشرائية في مقابل ثبات الأجور.
الجمعة 2018/12/07
احتقان كبير

شتاء تونس الساخن يعود مرة أخرى هذا العام في وقت تتحضر فيه الأحزاب والنقابات وحتى الدوائر الحكومية لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في الشوارع وسط حديث عن سترات ملونة على الطريقة الباريسية.

العلاقات ليست في أفضل حالها بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، مثلما كان الأمر كذلك في أغلب فترات الانتقال الديمقراطي الذي غاب عنه الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي للديمقراطية الناشئة.

وأبرز ملامح الشتاء الساخن لهذا العام أن الاتحاد يتحضر لإضراب عام ثان في قطاع الوظيفة العمومية والقطاع العام يوم 17 يناير بعد إضراب عام أول للوظيفة العمومية يوم 22 نوفمبر الماضي، شمل أكثر من 670 ألف موظف.

ولا تريد السلطة تكرار سيناريو كثيرا ما ارتبط بموسم الاحتجاجات في الشتاء وعاد ليطفو على السطح بقوة بعد عام الثورة في 2011، وفي كل عام مع إطلالة شهري ديسمبر ويناير. فذكريات أحداث “الخميس الأسود” ليوم 26 يناير عام 1978 والتي عرفت تدخل الجيش لإخماد الاحتجاجات الاجتماعية والفوضى، أصبحت محفزا تاريخيا للعمال كلما تعلق الأمر بتوتر اجتماعي محوره السلطة واتحاد الشغل.

لكن في كل الأحوال ثمة ما يدفع إلى مخاوف من اندلاع توتر جديد لا سيما مع التصعيد المستمر للنقابة المركزية ونقابة التعليم الثانوي منذ ثلاث سنوات بسبب مطالب بزيادات في المنح علاوة على مطالب بالزيادات في الأجور.

ولمحت نقابة التعليم بشكل مبطن إلى احتمال اللجوء لثورة “السترات البيضاء” أسوة بتحركات أصحاب “السترات الصفراء” في المدن الفرنسية احتجاجا على الضرائب والكلفة المتزايدة للمعيشة. وبدأت بعض المحافظات بالفعل تشهد تحركا للمعلمين.

وربما لن يكون قطاع التعليم وحده في الواجهة فهناك سترات أخرى بيضاء متململة في قطاع الصحة العمومية المتعثر، ويتعلق الأمر أيضا بمطالب مالية ومهنية وتهاوي ظروف العمل في المستشفيات العمومية.

والقطاعان مثلا على امتداد عقود العنوان الأبرز لدولة الاستقلال التي شيدت منذ خمسينات القرن الماضي، مع تعميم الخدمات المجانية في كليهما غير أن الحال اختلف تماما خلال العقدين الأخيرين ولا سيما في فترة ما بعد الثورة عام 2011 التي شهدت تدنيا حادا للخدمات الاجتماعية.

وهناك ما يقارب خمسة آلاف مدرسة تحتاج إلى الصيانة والترميم في تونس بجانب نقص في الموارد البشرية يقدر بـ16 ألف مدرس مع تفش خطير لظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة والذي يناهز سنويا 100 ألف منقطع.

ومن الأرقام المفزعة التي يمكن أن تعكس حقيقة الأوضاع في القطاع الصحي، أن المستشفيات العمومية في ست ولايات فقيرة بتونس تفتقد لجراحي ولادة بينما تفتقد ولاية سليانة إحدى أضعف الولايات التونسية نموا، أطباء في القطاع الخاص (صفر طبيب لكل 100 ألف ساكن) ولا يتعدى عدد أطباء الاختصاص في تطاوين أقصى الجنوب طبيبا واحدا لكل 100 ألف ساكن.

لكن الخطر الأكبر الذي بات يمثل ضغطا مستمرا أمام الحكومة الملزمة بتطبيق إصلاحات اقتصادية، هو ما يرتبط بتزايد كلفة معيشة التونسيين اليومية والتدهور المستمر لقدرتهم الشرائية في مقابل ثبات الأجور زيادة على تدهور الخدمات العامة في قطاعات حساسة.

وتزداد هذه الضغوط مع التزام الحكومة بضخ أموال طائلة في صندوق التعويضات الموجه لضحايا الاستبداد مع قرب انتهاء أعمال “هيئة الحقيقة والكرامة” وإصدار المقرر النهائي المتضمن لمقترحات جبر الضرر المادي والمعنوي للضحايا، ما يعني كلفة إضافية من المال العام لم تخل من سخط عدد من الأحزاب وحتى النقابيين، لجهة أن المنتفعين بالجانب الأكبر من التعويضات سيكونون من قواعد حزب حركة النهضة الإسلامية المستميت في الدفاع عن الصندوق.

وثمة شعور بالغبن يزداد انتشارا في الولايات التونسية يرتبط باتساع الفجوات الاجتماعية بين عموم التونسيين، مع تقلص شديد لحجم الطبقة الوسطى مقابل تكدس رؤوس الأموال والثروة وسط الفئات البورجوازية الصاعدة والمستفيدة من الفراغ التشريعي وتقلص سلطة الدولة ودورها الرقابي.

وقد يعكس هذا التحول الاجتماعي اللافت في تونس نتائج السياسات الحكومية المتعثرة لمكافحة الفساد، وهو أمر قد يدفع إلى تأجيج الغضب المتواتر ضد فشل الدولة في إقرار العدالة الضريبية مثلما كان الأمر مع الاحتجاجات العنيفة في مطلع 2018.

وثمة عوامل أخرى ينبه إليها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية انطلاقا من مضمون قانون المالية لعام 2019، إذ برغم بعض المؤشرات الإيجابية مثل الارتفاع النسبي لنسق النمو ونمو العائدات الضريبية والتراجع الطفيف للتضخم المالي في 2018 وتعهد الحكومة بعدم إقرار ضرائب جديدة في 2019، إلا أن هناك شكوكا بشأن القدرة على الحفاظ على هذه الإنجازات.

فالمنتدى يذهب في تحليله إلى أن تلك المؤشرات لم يتم تحقيقها نتيجة سياسات اقتصادية ومالية فعالة وإنما نتيجة عوامل طبيعية منها نجاح الموسم الفلاحي وتحسن القطاع السياحي في ظل استقرار أمني للبلاد وتراجع مخاطر الإرهاب بعد الهجمات الكبرى لعام 2015.

في المقابل فإن ما يؤيد تحليل المنتدى أن الأرقام لا تزال مخيبة فيما يرتبط بنسق الاستثمار واستمرار العجز التجاري والتضخم المستمر، بجانب انزلاق الدينار إلى مستويات قياسية وضعف الإنتاجية، بالإضافة إلى استقرار نسبة البطالة في مستوى مقلق لا سيما في الجهات الداخلية (في الجنوب والمناطق الغربية) حيث يمكن أن ترتفع النسبة إلى أكثر من ضعف المعدل الوطني البالغ 15 بالمئة.

ولا يتوقع المنتدى مثل الكثير من المنظمات والأحزاب المعارضة موسما فارقا من الناحية الاقتصادية في 2019، لا سيما مع اقترانها بالتحضير للانتخابات الرئاسية والتشريعية وبداية تشكل تحالفات جديدة قد تزيد في تعقيد الأوضاع الاجتماعية في البلاد.

6