شجاعة أخلاقية نادرة

الجمعة 2014/09/19

لم يكن هاني فحص استكمالا لمسار أو استمرارا لنهج. كان مسارا ونهجا فريدا ووحيدا في الساحة الشيعية. كان مؤسسا يتيما لشيعية الانتصار للمظلوم على الظالم وإحياء شاقا لصورة انتصار الدم على السيف في لحظة بات فيها السيف الشيعي يجاهد لتحقيق انتصاره على دماء سورية وفلسطينية وعراقية ولبنانية كثيرة.

كان قد قال في مقابلة أجريت معه مؤخرا: “هناك نص ديني ينتج العنف وينتج الإرهاب، يجب أن نتفق لا على تعطيل هذا النص بل على القول “خلص وقتك”.

هل من رجل دين مسلم امتلك في لحظتنا هذه شجاعة ردّ الإرهاب والعنف إلى النص الديني نفسه؟ لطالما سمعنا كلاما فارغا وصراخا خاليا من المعنى يردد مقولة إن ما يحدث من عنف ليس من الإسلام في شيء، وإنه لا يمثل الإسلام ولكن لم يجرؤ أحد على بسط الأزمة بمثل هذا الوضوح الذي يتطلب شجاعة نادرة.

الأزمة كما حددها السيد فحص تكمن في أن هناك نصا دينيا ينتج الإرهاب وهو لا يزال فاعلا بسبب ضعف وتراخي الجهد العقلي للمسلمين ولرجال الدين بشكل خاص. هذا النص لا يُعترف بوجوده ولكنه حين يظهر فجأة كمنهج عقائدي مقرون بالمجازر ويقدم الدعامة الأيديولوجية للجماعات التكفيرية، فإنه سرعان ما يتم إنكار نسبه الإسلامي، في حين أنه لو بُذل جهد فقهي وتأويلي محكم ونهائي وبات قادرا على مراكمة وعي إسلامي عام شامل ومغاير له لما كان وجد أيّ أساس يبني عليه وجوده، ولتمّ التعامل معه فور انبثاقة كحالة مقطوعة الصلة بالإسلام.

صوت العلامة الراحل الصارخ بضرورة نفي إمكانية ترهين النص التكفيري كان يهدف إلى خلق حصانة عامة، وليس إلى بذل جهد يرتبط باندلاع الكارثة. كان لا يطلب نزع الألغام من طريق الإسلام فحسب، ولكنه كان يسعى إلى منع إنتاجها وجعلها من المستحيلات.

ما أكبره رائيا في هذه اللحظة التي قدمت فيها أميركا للعرب عامة وللخليج خاصة فاتورة حربها على الإرهاب والتي تبلغ قيمتها كما أشار تشيك هيغل وزير الدفاع الأميركي 500 مليار دولار.

هذا المبلغ لو كان استعمل جزء بسيط منه في تفخيخ عقل الإرهاب عبر جهد فقهي أكاديمي وإنمائي وعلمي، هل كان يمكن له بعد ذلك النمو والتسرطن وإنتاج تأويل للنص الديني من زاوية تبرير الذبح والمجازر والتكفير؟

في لحظة رحيل صانع الآمال الكبيرة نقول له كنا نتمنى لك أن تشهد تحقق نبوءتك التي شقت صدر الزمان المرّ لتقول بحتمية انتصار الشعب السوري على جلاده.

غدا يا صاحب البياض سيتلو لك سوريو الغد المنتصر فاتحات الحرية، وسيهدون إليك ابتسامات أطفالهم وإشراقات آمالهم في بلاد رحل عنها القتلة وصارت آيلة لاحتضان معناك. أيها الشيعي الوحيد، أيها الشيعي الأخير، إلى اللقاء في دمشق حيث لا بدّ أن يزهر صوتك في تكبيرات ياسمينها الحر قريبا، وقريبا جدا.


كاتب من لبنان

15