شجرة أناناس فلسطينية في الهندوراس

الأحد 2014/02/02
رولاندو قطان: الأحلام تولد في رؤوس النائمين

يتحدر الشاعر الهندوراسي رولاندو قطّان، الذي يتقاسم اسمه رولاندو مع أبيه وابنه، من عائلة فلسطينية مهاجرة، فهو من الجيل الثالث لعائلته. خرج جده عفيف قطان من بيت لحم، فلسطين عام 1910 مباشرة عقب وصول إخوته الباقين إلى الهندوراس. وكانت عادة تغيير اللقب جارية في المهاجر اللاتينية، إما أن يقوم بها الشخص المعني نفسه كي يسهل على المجتمع الجديد حفظه، أو أن موظف دائرة الأحوال المدنية كان يقوم بها.

وهكذا فإن الجيل الأول في العائلة المهاجرة التي تضم عشرة من الإخوة والأخوات، هاجر تسعة منهم إلى الهندوراس وهم (بشارة، سلمان، شكري، عفيف، ماري، إيميلي، جانيت، جوليا، ريجينا)، ولم يبق في بيت لحم سوى العمة جوليا. مات الإخوة جميعهم ما عدا إيميلي التي أصيبت بالزهايمر، والطريف أنها لم تعد تتحدث سوى العربية.

كانت كوبا محطتهم الأولى، وكانت عدّة مدن قد بدأت تنشأ في الهندوراس، الأمر الذي حملهم على الانتقال إلى مدينة بيمينتا الجديدة، لكن الأقدار ما كانت لتجعل منها وجهتهم النهائية فقد دمرت المدينة في طوفان عام 1930، لتنتقل عائلة قطان إلى سان بيدرو ثم إلى العاصمة تيغوسيغالبا.

كانت تجارة الأقمشة هي المهنة التي عمل بها معظم أفراد العائلة، ومن بين جميع الإخوة قطان، اقترن عفيف بمحاسبة هندوراسية كانت تعمل في متجر أخيه. الزوجات الأخريات كنّ من بنات العمومة، فقد كان الأمر يتم بهذه الطريقة، تزويج أبناء وبنات العمومة كي يهاجروا سويا فتحافظ العائلة على بناتها في المهجر.

توفي الجد عفيف قطان عندما كان عمر الابن رولاندو عشر سنوات، وأبقت الأم الهندوراسية (إيميليا) على علاقتها القوية بالعائلة، وعن طريقها تعرّف الأبناء على أبيهم.

كان الشاعر رولاندو يروي لي تلك التفاصيل وهو يتصل هاتفيا بوالده أو بعمه يعقوب، عندما قال له الأخير، إن الجد بكى مرتين في حياته؛ أحدها عندما شاهد الجنود الهندوراسيين حفاة في واحدة من الحروب الأهلية التي مرت بها البلاد، والأخرى يوم 15 مايو 1948 المعروف بالنكبة، ليظل ذلك التاريخ غرابا أسود عالقا في ذاكرة العائلة.

توركو.. توركو

في إجابته عن سؤالي عن كيفية ارتباطه بجذوره، قال إن كل من حوله يعيده دوما إلى جذوره، فذكريات الرحلة والظروف التي هاجرت بها العائلة، والأجداد الراحلون، وأبعد من ذلك، أن الناس في الهندوراس ما برحوا يطلقون على ذوي الأصول الشامية لقب “الأتراك”، أحيانا كوصف لهم وأحيانا كشتيمة، فكلمة “توركو” أي “تركي” بلهجة الهندوراسيين متبوعة على الأغلب بشتيمة، ويتابع: “في المدرسة كان كل واحد يدعى باسمه الأول مثل ليوناردو، دافيد، فيكتور.. الخ، أما أنا فكانوا ينادونني باسم عائلتي “قطان”. ويضيف: “لديّ أصدقاء تعود أصولهم إلى أوروبا الشرقية، لكنّ أحدا لا يُذكّرهم بذلك”.

بخمس ماكينات خياطة فقط، بدأت عائلة قطان حياتها التجارية في الهندوراس لتصبح من أغنى العائلات هناك، وربما يفسر هذا السلوك العنصري ضدهم من البعض.
صورة تذكارية للجيل الاول والثاني من عائلة الشاعر في الهندوراس

كانت حكومة اليمين الهندوراسية صنفت ذوي الأصول الشامية مواطنين من الدرجة الثانية عام 1950، ولهذا فقد حملوا السلاح ضد الرئيس خوليو لوسانو دياس، وقد التحق معظمهم بالحزب اليساري. وفي العام 1998، نجح كارلوس فلورس فقوسة في الانتخابات الرئاسية ليكون أول رئيس هندوراسي من أصل فلسطيني يحكم البلاد.

يقول الشاعر قطان إنه ولد لعائلة متوسطة الدخل، لكنه محسوب دوما على العائلة الكبرى قطان التي تسيطر على رأسمال ضخم في الهندوراس، فمجموعة قطان لوحدها تضم عشرة آلاف عامل، ولهذا، وبسبب التداخل الحاصل دوما في تلك البلاد بين الاقتصاد والسياسة، فليس مستغربا أن أصحاب رؤوس الأموال من الأصول الشامية يتدخلون بقوة في الشؤون السياسية.

شجرة "الأناناس"

عن قصيدته “شجرة الأناناس″، يقول الشاعر رولاندو قطان إن مما ترويه الجدة إيميليا أن الجد عفيف كان يأمل أن يرى شجرة أناناس فارعة ولها غصون تتدلى منها ثمار الأناناس في أميركا اللاتينية، لكنه فوجئ أن تلك النبته تنمو ثمارها على الأرض ولا تكبر كشجرة. رولاندو في قصيدته تلك يستعير خيبة الجد برؤية الشجرة ليشير إلى خيباته المتواصلة كمهاجر فلسطيني كان يحلم بحياة أسهل من تلك التي عاشها، فإذا بتلك الصور والأحلام تتساقط وتصطدم بالواقع الأليم الذي عايشه، تماما كصدمته بعدم وجود شجرة للأناناس.

تقول القصيدة:

“إنه البحث

عن شجرة غير موجودة

في رحلة بدأت

من أرض لم تعد موجودة

رحلة تتواصل

في النعال التي خلفها أجدادي

وتنتهي بصلاة

إلهي

اجعل للأناناس شجرة

وازرعها في أرض تسميها

فلسطين.

ديوان "التركي"

يعيش الشاعر التلحمي رولاندو قطان في شقة قديمة في مدينة سان بيدرو، كانت جزءا من قصر كبير بني منذ 120 عاما. لا يستخدم التلفاز في بيته، وليس لديه أي حساب على مواقع التواصل الاجتماعي إمعانا في العزلة. بدأ كتابة الشعر صغيرا، كان يكتب القصص القصيرة ويعرضها على والده. وفي عمر الخامسة عشرة أعطاها لأحد الشعراء الذين تمكن من التواصل معهم وقد أخبره الأخير أن ما يكتب ليس شعرا، وأن عليه دراسة الأوزان والقوافي. عكف الشاعر على دراستها ليكتب ديوانه الأول “تسرّب الظلال”، وقد اطلع على الديوان في حينها وزير الثقافة وكان شاعرا وصحفيا، وهو من شجعه على النشر وقدّم له ليخرج الكتاب إلى النور عام 2000 عندما كان في العشرين من عمره.

رولاندو قطان:
شاعر هندوراسي من أصل فلسطيني، ولد في العاصمة تيغوسيغالبا عام 1979. أسس مع مجموعة من أصدقائه الشعراء الحركة الشعرية المعروفة باسم (أرض ممكنة للشعر). أقيمت له عدة أمسيات شعرية في الهندوراس وفي أميركا الوسطى وحضر عدداً من المهرجانات كمهرجان غرانادا للشعر العالمي في نيكاراغوا سنة 2005.

نشر عدة أعمال شعرية منها: “تسرُّب الظلال، 2000"، “ما لا ينتهي داخلي، 2002"، “الكشف عن بيت النمل، 2004" وديوانه الأخير “حيوان دون هوية، 2013".

ورغم شهرته الممتازة، اليوم، فقد لقي ديوانه الأول نقداً شديدا من معظم الشعراء والنقاد، فاتهموه بأنه يكتب شعرا تقليديا، وأن من سمى ذلك شعرا ليس سوى شاعر ضعيف لا زال يفكر في الأوزان والقوافي التي أكل عليها الدهر وشرب.

الأدهى من ذلك أن من ضمن النقد ذاته كانت تتكرر كلمة (التركي)، فتبدأ المقالات بـ “كتب (التركي)”، و”قصيدة (التركي)”..الخ. وبالرغم من أن رولاندو قطان يؤكد أن الديوان يستحق كل ذلك النقد لأنه كان تقليدا لما سبقه من الشعراء، وهو عمليا يتبرأ منه ويحاول إخفاءه، لكنه يشير فقط إلى أن النقد لم يذكره كشاعر سيء فقط، بل كشاعر تركي سيء.

يعتقد قطان أن بإمكان الشعر أن يغير العالم، ولذلك أقام مشروعه الثقافي (بلاد ممكنة للشعر)، فالخير الذي يمنحه الشعر للعالم لا بد أن يؤتي أكله يوما، فيقول “إن العالم يحتفظ بالشعر في ذاكرته. الموت هو موت الأنا، أنا حاصل ذكرياتي، والخوف من الموت ليس خوفا من فقدان المستقبل، بل خوف من فقدان الماضي”. ولهذا ففي كتابه الأخير يتحدث عن الذاكرة والماضي معتبرا أن النص المقدس تتوارثه الأجيال.

ومن هذا الديوان نقرأ القصية التالية:

مفاوضات حول الشَّعر

كل الأشياء الكبيرة

تبدأ بفكرة في رأس غير مصفف الشعر

كيف تمكّن الرب- كي أقوله بهذه الطريقة- من خلق كون ورأسه ملبد الشعر

ماذا كان بوسع نوح أن يفعل في سفينته مع كبير الخدم

أو المسيح في الجبل إن لم تكن شعورهم شعثاء في الريح

***

خرج هرقل من النهر منكوش الشعر

كما خرج أرخميدس من حوض الاستحمام

أما سقراط وأفلاطون

فقد نبتت شعرة مخبولة في صلعاتهم

من المعروف أن هوميروس مات وهو يحك شعر اليأس

وأن سرفانتس، كيفيدو، وجونجورا كانوا يطلقون شواربهم فقط كشكسبير

وفي سالف الزمن، أحرقوا جان دارك بسبب شعرها الشرس

***

أول الرجال الذين زرعوا القهوة والذرة

كهنة الهنود الحمر والقساوسة

الذين بنوا بالحجارة القصية قصائدهم الأولى

جميعهم جزء من مشعثي الشعر المجهولين

وبعد ذلك

نكشت تفاحة شعر نيوتن

وجعلت الكهرباء من شعر أديسون نقاطا واقفة

باخ أخفى شعره الطويل بباروكة

دافنشي أطلق لحيته

***

جميع ملائكة السماء،

ملهمات الشعر،

حوريات البحر والنساء اللاتي يعرفن الطيران لديهن شعر كثيف مضفر

مع التاريخ الحديث

أينشتاين كان أكثرهم شعثا

لكن الأشياء العظيمة هي الأكثر بساطة

كأولئك الذين يصلون للبيت على عجلة كي يطلقوا شعرهم

أو كالأطفال الذين يتعلمون الحب

وهم ينكشون شعر أمهاتهم

من الواضح أن الأحلام تولد في الرؤوس النائمة

فهي منكوشة الشعر دوما

وفوق هذا فالعاشقون يقبلون بعضهم ويتحابون

بشعر منكوش

ولهذا أقول:

لا تثق بحب غير مشعّث

16