شجرة المعرفة

السبت 2015/05/30

يحفل تاريخ الثقافة العربية القديمة، التي اعتاد الكثيرون تصنيفها، بشكل لا يخلو من أحكام انطباعية جاهزة، كثقافة محافظة، بعلامات مشرقة قد نفتقدها الآن. قيم العرفان والوفاء كانت إحداها. الوفاء للسابقين من العلماء، والوفاء للشيوخ والوفاء للمجايلين.

لم تكن حلقات التدريس بالقرويين والمسجد الأقصى والمسجد الأموي وغيرها فقط شكلا من أشكال التلقين والحفظ بقدر ما كانت أيضا فضاءات لنسج علاقات عميقة مع الشيخ، لا تتوقف عند نهاية الدروس وعند تخرج الطالب، وتحوّله بدوره إلى شيخ. وشكلت فهارس العلماء تعبيرا عن عمق هذا التواصل والحوار. ولم تكن الفهرسة تدوينا فقط لأسماء الشيوخ، بل شكلت أيضا مصدرا لرسم شجرة النسب المعرفي لصاحبها، وعبرها خريطة مسارات تدفق العلوم وانتقالها من عالم إلى آخر، وهو أمر ينسجم بالتأكيد مع طبيعة المعرفة ذاتها القائمة على التراكم. وكان طلب الإجازات مظهرا آخر لقيم العرفان.

فقد يكون طالب الإجازة عالما كبيرا، يملك ما يكفي من التواضع العلمي بمفهومه النبيل لكي يطلب إجازة من غيره. ولم يكن المسافرون إلى الحج من العلماء يفوّتون فرصة المرور على الأزهر، ومنهم من كان يمدّد رحلته إلى الشام وبيت المقدس، ومنهم من اختار الإقامة، بشكل نهائي، بالحرمين، ومنهم من توفي ودفن هناك. كانت تقودهم في رحلاتهم الأشبه بمغامرات نية أداء فريضة الحج، ولكن أيضا الرغبة في البحث عن علاقات تتلمذ جديدة، تشهد عليها مئات مخطوطات الإجازات التي تحتفظ بها المكتبات العربية والعالمية. ونجد، على سبيل المثال، أن عالما عاش في منتصف القرن الفارط، وهو المؤرخ المغربي عبدالرحمن بن زيدان، قد أجيز، أثناء رحلتيه إلى الحج سنتي 1913 و1938، من طرف أكثر من عشرين عالما من تونس والقيروان والجزائر ومصر ومكة والمدينة المنورة والشام والهند وغيرها، بل تضم لائحة مجيزيه اسم عالمة من المدينة المنورة هي أمة الله بنت الشيخ عبدالغني!

قيم عرفان عميقة ونظام تواصل مذهل، في وقت لم يكن يعرف فيه العالم العربي لا الطباعة ولا مؤسسات التوزيع ولا صفحات الـ”فيسبوك”، وفي وقت أيضا كان السفر فيه من مدينة إلى أخرى يقتضي أياما طويلة. أما السفر إلى بيت الله الحرام أو المشرق، بهدف الحج وطلب العلم، فذلك موضوع آخر. أليست الثقافة المحافظة إذن هي تلك التي تعيش عزلتها الآن عبر قطعها مع التراكمات المعرفية السابقة أو المزامنة لها؟ أليست الثقافة المحافظة هي التي تسكت عن مصادرها العلمية والإبداعية، متناسية أن سرقة فكرة صغيرة جريمة لا تقل خطورة عن سرقة أموال عباد الله؟ ثم أليست الثقافة المحافظة هي التي تدّعي، بكل جرأة، قتل آباء وهميين في الوقت الذي لا تستطيع فيه إحياء فكرة جريئة تضيء قرية صغيرة، اسمها العالم؟

كاتب من المغرب

17