شجرة على الورق

الاثنين 2016/05/02

رسمها مرة واحدة، لم يكن من قبل قد رسم ما يشبهها ولم يعد إليها في السنوات اللاحقة.

فهل رسمها من أجلي؟ شجرة شاكر حسن آل سعيد (1925 /2004) التي ترافقني أينما حللت تكاد تكون فريدة من نوعها، بالرغم من أنها تذكر بأشجار عيد الميلاد. هي الأخرى محملة بالهدايا، غير أنها هدايا من طراز خاص، بما يوحي بقربها من الطلاسم السحرية.

أمن أجل أن يقيني شر العيون الحاسدة رسمها، وهو الذي كان يحرص على قراءة آيات من القرآن على رأسي؟

أنا على يقين من أن الرسام العراقي كان يفكر بروح الشجرة قبل أن يرسمها، لذلك لا يزال شيء من خيالها يحلق بعين كل مَن يراها. لم تعش تلك الشجرة حياتها إلاّ على الورق.

لم يرها أحد وهي تورق أو تثمر أو تسقط أوراقها، حياتها عبارة عن فصل طويل واحد، هو ذلك الفصل الذي يقع عند حدود اللغة، لغة الحواس كلها، وهو ما يحرم العين من الادعاء بتفوقها على الحواس الأخرى، كونها الحارس الرائي.

تلك شجرة لم تُخلق لتُرى فقط، بل لتُشم وتُتذوق وتُسمع وتُلمس، لا يسع المرء حين يراها سوى أن يستسلم لسحر ما تحمله من حروف وعلامات لا تشير إلى شيء بعينه.

لا يعنيها سوى أن تكون مرسومة، أن تكون حاضرة في غيابها عن الواقع. وهي هبة عالم وهمي، تمتزج فيه الحكايات التي تشف عن امتزاج المخلوقات، بعضها بالبعض الآخر.

شجرتي هي، لم يرها أحد إلاّ في بيتي، بعدها صار للأشجار وقع بصري مختلف، فلا شجرة تشبهها.

هل كان عليّ أن أتخلى عن الأشجار من أجل شجرة واحدة تتنفس هواء وهميا؟ يستحق الرسم أن يضحي المرء من أجله بالواقع، في إمكان الجمال أن ينقذ الواقع من تفاهة وقائعه التي هي يومياته المرتجلة، لكي أصفها يمكنني أن أقول إنها لغز حياتي.. شجرة شاكر حسن تختصر الجمال كله.

كاتب من العراق

16