شجرة في مهب الريح: فصل من رواية "المتفوقون" لهادي قدور

الأحد 2015/11/01
"المتفوقون" لهادي قدور تفوز بأرفع ‏جائزة فرنسية للرواية

كانت تقرأ الكتب بالعربية أكثر مما تقرؤها بالفرنسية، وهذا ما طمأن أباها، ولكنه أيقن في النهاية أن بعض الكتب العربية أشد خطرا من الكتب الفرنسية. اسمها رانية، في سن الثالثة والعشرين، ذات جسد منحوت، وعينين لوزيتين، تلك ابنة سي مبروك، مبروك بالمجدوب، بورجوازي كبير من العاصمة، ووزير سابق للباي. كانت أرملة، مات زوجها وهي في التاسعة عشرة، كان وسيما، وكانا يحبان بعضهما بعضا، وكان له هو أيضا شغف بالكتب، ولمّا كان يزيد على ذلك شغفه بالقتال، فقد هلك في فرقعة قذيفة مدفعية بمقاطعة شمباني.

عادت تعيش في بيت أبيها الذي يصادف أن يقول “لقد فقد كلٌّ منا نصفَه”. بعد عام، بدأ يبحث لها عن عريس. لم تكن ترفض الخُطّاب “إذا أردت أن أتزوج هذا الأحمق، فسوف أبدي الطاعة”، وكان الأب هو الذي يكاد يذرف الدمع لأن ابنته تضيف “سيكون ذلك مثل.. قبرٍ قبل الموت”. وكان الأحمق يُرفض.

عندما يتقدم رجل آخر، تنعته دون تردد، عنيف، أدرد، أو غير نظيف اليد، أو انتهازي. لم تكن تعدم تفاصيل. وكانت مع ذلك تطمئن أباها، سوف تجد في النهاية رجلا يناسبها. كان قلقا لأن لها ما يشبه العاهة، فهي أطول قامة من معدل قامة الرجال، تحتمل نظرتهم في هيئة من كنّ، منذ الطفولة، يحملن قفة على رؤوسهن. القفة لم يُرغمها عليها أحد، كانت تريد أن تفعل ما تفعله الخادمات.

لكي تحثها على أن تكون أقل تشددا، نطقت خادمتها العجوز مرة بمثل “التفاحة اللي تطيح في الأرض، ياكلها الدود”. أجابت أنها ليست ثمرة. أما الكتب، فكانت تتناقش حولها مع أبيها مثلما كانت تفعل مع زوجها، ولم تكن تريد أن تصبح زوجة لرجل يطلبها بالتخلي عنها.

طيب، أخو رانية الأكبر، كان يدفعها هو أيضا إلى الزواج من جديد. اقترن بامرأة، من أسرة أكبر مكانة من أسرتهم، تجبره على الامتثال لها. “لقد أخفق في زواجه، تقول رانية، ويصرّ أن يكون زواجي أنا أدهى وأمرّ”. كان أبوها يحميها، ولكنه لا ينسى أن طيب سوف يرث النفوذ ذات يوم.

في أواسط شتاء 1920، طلب العم عبدالسلام، أحد المالكين في ضواحي نحبس، وهي مدينة في الجنوب، من رانية أن تأتي لتسيير بيته: زوجته مريضة، لزمت الفراش. قبلت رانية، وأعرب سي مبروك عن موافقته، وقد ارتاح أن يراها تبتعد بعض الوقت عن أماكن الحزن، وضغوط طيب، وبعض الصديقات اللاتي كان أزواجهن يزدادون معاداة للحماية التي فرضتها فرنسا على البلاد.

كانت رانية تحب الضيعة، فغالبا ما قدمت إليها لتشم الهواء النقي منذ أن تعلمت المشي، وقد غرست شجيرات، وساقت عنزات، وحفرت ترعا، وحصدت الشعير بالمنجل. لقد أقامت زمنا طويلا في شجرة تين ذات كوخ وأرجوحة، إلى أن جاء يوم قرّرت فيه خالتها أن ذلك لم يعد ملائما، فعوضت الإقامة في الشجرة بسروح عبر الحقول، إذ كانت تعرف أقصى ركن في هكتارات الملكية التسعمائة. وانتهوا إلى منعها من التجول فيها دون أن تكون مكسوة بطريقة محتشمة وورعة، ومصحوبة بخادمتين.

كانت ابنة أخيه تريد أن تعرف أكثر من الرجال، وهذا ليس بالأمر الحسنلا بالنسبة إليها ولا بالنسبة إلى العائلة. جازف بمكالمة أخيه. (فات الأوان، قال له سي مبروك، تريد أن أمنعها من القراءة؟)

لم تعد إلى الضيعة منذ زواجها. جاء عمها لاستقبالها في محطة القطار بنحبس. جالت بالسيارة “هذه رينو؟ - تهتمين بهذه الأشياء؟ سأل العم. - الأرملة يمكن أن تهتم بأشياء شرعية. - هي شرعية للرجل لا للمرأة. - السيارة، لعلها هي التي ستجعلني أقبل الزواج مرة أخرى”.

كانت تجيب! قال العم في نفسه إن من الأفضل إرجاعها من حيث جاءت، ولكن دون أن يسيء إلى أخيه. سوف ينتظر.

قبّلت خالتها، وسألت عمها عن اسم الطبيب الذي يعالجها. “الدكتور بانيون. – هذا جزار! – يقول إنها الآن أحسن حالا. - برتومييه لا يزال هنا؟ جيء به.” كان أمرا. وصف لها الدكتور برتومييه وهو مسودّ السحنة مهدئات أوجاع.

واصلت رانية إصدار الأوامر. كانت قد أمسكت الخدم بيدها. “سوف تعتنين بكل ما يخص البيت، مثل زوجتي، قال عبدالسلام، وأنا سأواصل الاعتناء بالأرض والماشية والبيع”. وسرعان ما أدركت أن المرأة كانت تعتني أيضا بالأرض والماشية والبيع، وأن الناس هنا يخشونها أكثر من زوجها. هنا أيضا، أصبحت الأرملة الشابة لا غنى عنها. لا أحد يتصرف في الأرقام مثلها.

وبينما كانت تؤمّن إدارة شؤون البيت، كان باستطاعة عمها أن يواصل انصرافه إلى المهم : حصص الأدباء، وكذلك حصص الندامى، التي كان ينظمها في بيته مرتين في الأسبوع، في شكل مجلس متنوع، من رجال هم أنفسهم متعددو المشارب، محافظون مقتنعون بالإصلاحات، عقلانيون يبجّلون الأولياء الصالحين حالما ينذر مرض السكري عندهم بتهديد. “رسالة التوحيد” قالت ذات صباح وهي ترتب الكتب التي بقيت في الصالون وسط القوارير. وأردفت أمام ذهول عمها “أليس ما هو مكتوبا على الغلاف؟”.

لم ينخدع العم، كانت تعرف ما بين يديها، رسالة التوحيد لمحمد عبده، المصنف في خانة الإلحاد.. اعتراه دوار. أمر بفتح حقائب ابنة أخيه، فوجد فيها روايات مصرية تتحدث عن حرية المرأة.. مجموعة من منشورات هاشيت لكتاب كبار، روسو، هوغو.. وحتى “درس في الفلسفة الوضعية”! كانت ابنة أخيه تريد أن تعرف أكثر من الرجال، وهذا ليس بالأمر الحسن لا بالنسبة إليها ولا بالنسبة إلى العائلة. جازف بمكالمة أخيه. “فات الأوان، قال له سي مبروك، تريد أن أمنعها من القراءة؟ أن أعنفها؟ أحبسها؟ أردت أن تكون لي بنتٌ رائعة، لقد كبرت.. كيف حال زوجتك؟” كان الحديث طويلا، انتهى في جو من البرود.

أعلم العم زوجته أن رانية تعد حقائبها، وتعود إلى العاصمة. لم تقل الخالة شيئا، فليس للمرأة إلا الإذعان. ولكن نظرتها أربكت زوجها: غشاء الموت. لا نستطيع شيئا أمام ما يمرره الموت في عيون النساء. لطالما هددناهن به، ومنذ ذلك الوقت وهو هنا، يحرك تجاعيده خلف أدنى علامات رضوخهن.

أصعب شيء كان الحصول على موافقة رانية بالبقاء. “أبي لن يرضى بأن أعامل مثل كيس!” أخيرا قال العم “لا أرغمك.. هذا من أجلها هي. – من أجل من؟ – من أجلها هي و.. من أجلنا نحن جميعا”. قبلت رانية وغادرت الصالون مستولية في مرورها على أعمال جمال الدين الأفغاني، مصلح خطير آخر، ولزوميات المعري، الشاعر. “قل لأصدقائك إني سأعيدها.” ولم تفعل.

13