شجرة مريم المقدّسة.. حكاية تجاوزت البعد الديني لتلامس الثقافي

مسار العائلة المقدّسة في مصر يجتذب الكثير من السائحين، يقصده المسيحيون والمسلمون على السواء.
الخميس 2019/06/20
مسار تاريخي

في أكتوبر من العام 2017 بارك البابا فرنسيس الأول بابا الفاتيكان مسار العائلة المقدّسة بمصر، واعتمد المسار كأحد مزارات الحج للمسيحيين، لمزيته التاريخية والثقافية والدينية، هنا تحقيق عن المسار المقدّس وشجرة الجميز التي استظلت بها مريم العذراء هي ووليدها (المسيح عيسى بن مريم)، بعد خروجها من فلسطين في اتجاه مصر هربا من بطش الإمبراطور هيرودس خلال رحلة شاقة صاحبها فيها القديس يوسف النجار.

ما هي شجرة الجميز التي يفد إليها السائحون من مختلف أنحاء العالم؟ ولماذا لا يختمر الخبز في “حارة عبده” بضاحية المطرية بالعاصمة المصرية القاهرة؟ وكيف تحوّل الحوض الذي اغتسل فيه الطفل الصغير (المسيح عيسى بن مريم) إلى مكان نبت فيه البلسم؟ وكيف حمت شجرة عمرها الآن 2000 عام مريم العذراء ووليدها، وتحوّلت هذه الشجرة العجيبة من مجرد شجرة جميز إلى مأوى وأمان للعائلة المقدسة؟ بل إن من معجزات هذه الشجرة أنها بالرغم من توقّفها عن طرح الجميز، إلّا أن بعض الأغصان والجذوع التي سقطت منها لا تزال حتى الآن تكتسي باللون الأخضر. هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها هذا التحقيق عن “شجرة مريم” التي لا تزال في مكانها منذ عشرين قرنا من الزمان بالقاهرة.

يُعتبر مسار العائلة المقدّسة في مصر من الأماكن التي تجتذب الكثير من السائحين، وذلك لما تحتله العائلة المقدّسة من مكانة في قلوب الكثيرين جعلت من هذا المسار مزارا للتبرّك والدعاء يقصده المسيحيون والمسلمون على السواء.

وتبدأ قصة مسار العائلة المقدّسة عندما قرّرت مريم العذراء الهرب بوليدها المسيح عليه السلام مع ابن خالتها يوسف النجار خوفا من جبروت الملك هيرودس الذي أمر بقتل أطفال بيت لحم الذين هم في عمر العامين، وهي الرحلة التي اضطرت مريم العذراء إلى قطعها وأن تتحمّل مشاقها، بعد أن علم الحاكم الروماني الوثني هيرودس بنبوءة مولد الطفل (المسيح عيسى بن مريم) الذي يوصل رسالة الله إلى العالم، وهو بذلك يهدّد ديانة الرومان الوثنية، ولذلك خاف الملك على ملكه فأمر بقتل الأطفال، ودخلت العذراء مريم مصر من العريش، ثم الفرما ثم الزقازيق ثم بلبيس، ومنها إلى وادي النطرون، ثم المطرية وحصن بابليون والمعادي، ثم سمالوط في دير جبل الطير، وبعد ذلك ديروط، ثم القوصية، وكانت آخر محطة في مسار العائلة المقدّسة هي دير المحرق بأسيوط، واستمرت رحلة العائلة المقدّسة في مصر 4 سنوات شملت 13 محطة، وعادت العذراء بعد ذلك إلى فلسطين بعد أن مات الملك الطاغية هيرودس.

رحلة العائلة المقدّسة في مصر استمرت 4 سنوات وشملت 13 محطة، لتعود العذراء بعدها إلى فلسطين إثر وفاة الملك الطاغية هيرودس

وعلى طول مسار رحلة العائلة المقدّسة للهروب من البطش الروماني، قطعت العائلة المقدّسة التي تمتدّ لمئات الكيلومترات بداية من مدينة العريش المصرية على الحدود بين مصر وفلسطين في شرق البلاد، وحتى المنطقة التي عُرفت من بعدُ باسم دير المحرق في مدينة أسيوط المصرية على بُعد 380 كيلومترا جنوب القاهرة، ولا تزال توجد على طول هذا المسار الذي قطعته العائلة المقدّسة الكثير من المعالم التي ارتبطت بها مثل العديد من الأشجار المنتشرة في بلبيس وكفر الشيخ والمنيا، وكلها أشجار جميز، حيث كان هذا النوع من الأشجار منتشرا في مصر القديمة، بل وتُعتبر من الأشجار المقدّسة. لكن مع ذلك تظل شجرة مريم في منطقة المطرية بالعاصمة المصرية هي من أبرز معالم مسار العائلة المقدّسة.

وتوجد شجرة مريم في منطقة المطرية، وهي المحطة السادسة في مسار العائلة المقدّسة داخل مصر، وهي الشجرة التي استظلت بها السيدة مريم العذراء ووليدها، ويصل عمر هذه الشجرة إلى 2000 عام، وعلى الرغم من مرور كل هذا الزمن إلّا أن هناك الكثير من القصص التي ما زالت تحكي عن هذه الشجرة وهذا المكان الذي استقبل السيدة مريم العذراء ووليدها المسيح برفقة يوسف النجار ابن خالة السيدة مريم الذي هرب بهما خوفا على الطفل من غدر الوالي الروماني في ذلك الزمان.

وعن شجرة مريم، يقول اللواء إسحاق ناد، المسؤول المحلي في منطقة المطرية “إنها شجرة جميز، ماتت أفرعها، ولكن جذورها ما زالت في الأرض حتى الآن، ويوجد بجوار هذه الشجرة البئر التي شرب منها المسيح عليه السلام، وغسلت فيها العذراء ملابسها، وعندما قامت برش الماء على الأرض نبت في تلك البقعة نبات عطري ذو رائحة جميلة، وعُرف هذا النبات بنبات البلسم، وهو يستخدم الآن في طقوس الكنيسة”.

شكل الشجرة يوضح وجود نمو أفقي بها يُقال إنه كان يهدف لحماية العائلة المقدّسة بأن تحتمي خلفه

وعلى الرغم من مرور أكثر من ألفي عام على هذه الشجرة ما زال الأثر باقيا وبجواره حجر مستطيل، وهو الذي كان يستحم فيه المسيح عيسى عليه السلام، وهو محفور بشكل معيّن، فأصبح مثل الحوض الصغير، كما أشار ناد إلى أن هناك رواية أخرى تقول إن مريم العذراء عندما قامت بإراقة الماء بعد حمام السيد المسيح نبت نبات البلسم في ذلك المكان، وسُميت المنطقة بحوض البلسم، أما بالنسبة للنمو الأفقي للشجرة، فيقول “إن شكل الشجرة يوضح وجود نمو أفقي بها يُقال إنه كان يهدف لحماية العائلة المقدّسة بأن تحتمي خلفه”.

ويؤكد اللواء إسحاق ناد على أهمية منطقة شجرة مريم الأثرية، حيث أن الحفريات التي تمت منذ سنوات بجوار الشجرة كشفت عن وجود ثلاث مقابر ترجع إلى العصر القبطي.

ويوضح “هناك الكثير من الروايات التي تداول بخصوص رحلة العائلة المقدّسة إلى مصر، ولكن أكثر القصص المتوارثة عن الأجداد تداولا، هي أن العذراء مريم مرت على بعض السكان وكانوا يخبزون فطلبت منهم الخبز فرفضوا إعطاءها، فدعت عليهم ألّا ينمو لهم عجين منذ هذا اليوم، ومنذ ذلك اليوم بالفعل لا ينمو عجين على الإطلاق في حارة عبده بالمطرية”.

أما رضا عبدالعزيز، كبير مفتشي الآثار بمنطقة آثار المطرية، فيقول “إن شجرة مريم لا تزال موجودة في مكانها، ولا تزال جذورها ضاربة في أرض منطقة المطرية، وهي ضاحية من ضواحي العاصمة المصرية القاهرة، بالرغم من مرور أكثر من ألفي سنة على وجود هذه الشجرة في مكانها، وفي نفس الوقت فإن هناك أشجارا لا يتعدى عمرها 50 و60 عاما في المنطقة قد سقطت وتآكلت جذورها”.

15