شجرة وحيدة في غابة.. بشير البكر يكتب "عودة البرابرة"

الثلاثاء 2014/02/11
بشير البكر يتحدث إلى الراحل محمود درويش في باريس

الزمن، المكان، والإنسان، هذا هو الثالوث الأساسيّ، أو الأقانيم الثلاثة، في تجربة الكاتب والشاعر بشير البَكر، وخصوصا في كتابه الأخير “عودة البرابرة” (دار النهضة، بيروت، 178 صفحة). ففي هذا الكتاب، كما في كتبه الأربعة السابقة “قناديل لرصيف أوروبي”، و”أرض الآخرين”، و”ما بعد باريس″، و”ليس من أجل الموناليزا”، ثمة حضور كثيف للمكان بتفاصيله وتقلّباته، من القرية النائية حتى أكثر المدن حيويّة.

يكتب الشاعر سيرته وعلاقاته بالمدن والأشياء، بقدر عالٍ من العفويّة والبساطة، ولكن بقدر من العمق أيضا، وكأنه يؤرّخ حياته بالأمكنة، بقدر ما يؤرّخ للأمكنة عبر مسيرته في المكان؛ تجربة تستحق الدراسة، وسنقف على أبرز معالمهاالزّمن في الكتاب الجديد، هو غيره في الكتب السابقة.

ففي هذا الزّمن الجديد، هنا والآن، نحن في زمن عودة البرابرة من جهة، وزمن الثورة الشعبية من جهة مقابلة، حتى وإن تعدّدت الأمكنة، لكنّ الزمن هنا هو الذي يعطي للأمكنة ملامحها الرئيسيةَ، سواء كانت القرية التي خرج منها الشاعر قبل عقدين ونيّف، أو باريس أو بيروت، أو الصحراء الخليجيّة.

منذ البداية، يبرز الشّاعر بوصفه “الرّائي” الذي لا يرى، الشاعر الذي “خدع العامة”، حين قال لهم “لَنْ يأتِيَ البرابرة”، و”أنّهم أشباحٌ في البعيد”، وتتأكّد رؤية البَكر المناهضة لرؤية الشاعر “بطل” النص.

وما دام البرابرة قد جاؤوا، بل لقد “خرجوا/ مِنْ بينِنَا/ في غَفْلَة القصيدة”، ولأن زمن الثورة هو زمن هذه الكتابة، لم تكن العودة إلى الماضي مجرّد تعبير عن مشاعر الحنين، وهي مشاعر حاضرة بقوّة، لكنها عودة لإعادة النظر في ذلك الماضي، وما ينطوي عليه من منظومة علاقات قائمة قبل الثورة.

صور من الذاكرة

ما بين ماضي الريف العتيد، وراهن التّجوال في العواصم، يرسم البَكر لوحات تصوّر بدورها معالم تجربة يمزج فيها العام بالخاصّ، والفرديّ بالجماعيّ، فيتداخل الحبّ مع الحرب، وتبرز ثنائيّات مثل الموت والحياة، ونطلّ على المشهد الدمويّ الذي كانت بوادره تلوح في الأفق منذ عقود، فقصائد هذا الكتاب هي ممّا كتب الشاعر البَكر خلال العامين الأخيرين، أي في أثناء الثورة السوريّة، لذا يستطيع القارئ أن يتشمّم رائحة الدّم والحرائق التي ما تزال تندلع وتنزف.

كما يستطيع في النهاية أن يرى أثر التكنولوجيا في التواصل الاجتماعي عبر فيسبوك، حيث “هناكَ مَنْ تراني خِلالَ الكلامِ القليلِ على الصفحةِ/ تنظُرُ نحوي من قريبٍ وتنصرف/ لا تدري أنّي أسمعُ وَقْعَ خُطاها كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ منَ القصيدة”.

نقرأ صورة المكان الأول، الحسكة ومحيطها وما تنطوي عليه من عناصر، ولكن في ضوء الحدث الجاري، فهي صورة تتجسد من خلال حاسّة التذكّر التي تستدعي الرّاسخ في الذاكرة، وبقليل من الاعتناء بالأدوات الشاعرية الباهرة، والاستعاضة عنها بقوة “القول” أو “الخطاب” المحمول على النصّ، أو بقوّة التصوير والحركة، حيث جماليّات المكان وشاعريّته في طفوليّته وبدائيّته وأسراره التي تتكشّف مع مرور الزمن.

ذكريات المكان تبدأ من اللحظة الراهنة، لحظة وصول البرابرة، لذلك ستظهر الصورة المأساويّة لهذا المكان الذي له سمة الحميميّة رغم بؤسه.

“ليتنا لم نترُكِ الأرضَ”، هي العبارة الأولى في افتتاح لحظة الثورة، التي هي نفسُها لحظة وصول البرابرة والارتطام بوحشيّتهم، والأرض هنا هي مكان وبشر وحياة، ريف وقرى وجبال، لذلك نقرأ الوصيّة المتأخرة، التي هي تعبير عن النّدم في ما يتعلّق بنبوءة الشاعر “كانَ علَينا/ قَبْل وُصُولِ البرابرةِ/ أنْ نَطْرُدَ الخُطباءَ/ ونَرفَعَ القُبَّعَات للرِّيفِ/ وهو يَنْزِلُ مِنَ القُرى البعيدة/ بِكُوفياتٍ حمراء”.

وتتكرّر “ليتنا” تعبيرا عن الخسارة، حتى لقد “مَرَّ الربيعُ الثالث/ ولم نُكفِّن موتانا بعدُ/ نَمَا الزرعُ تَحْتَهُمْ/ وهُمْ ينتظِرُونَ في العَرَاء”.

هنا يحضر المكان القديم، وتحضر معه المكوّنات المتناقضة بنتُ اللّحظة الراهنة، بدءا من مِفتاح البيت، شجرة الصفصافِ عند النهرِ، الدِّمَاء على الجدرانِ، والحِمار بِجانب البئرِ، وما يَهرُبُ مِن جيوب الفلاحين حِينَ ينثُرُونَ البذارَ للطير، حتى “عَلَم الثورة” الذي يحضُر في مواجهة الحرّاس، كما تحضر “الحربُ/ في ثيابها المُرَقَّطَةِ”، و “قَوافِلُ الشهداء/ والنازحين” و”جنازةُ الأهل في البرّيّة/ أسْمَاءُ القُرَى وهي تتهدَّمُ”، ويحضر “أولئك القادمون من الجبال” الذين “باتوا بلا أحلامٍ ريفية”.

يرسم البَكر لوحات تصوّر بدورها معالم تجربة يمزج فيها العام بالخاصّ، والفرديّ بالجماعيّ، فيتداخل الحبّ مع الحرب، وتبرز ثنائيّات مثل الموت والحياة

وفي هذا الإطار تأتي رؤيته لتلك “السجونِ العاليةِ/ التي بناها الحزبُ القائدُ/ لذكرى الخوف على حدود الصحراء”، وترتبط برؤيته لعدم إمكانيّة العودة “إلى الغوطة”. وفي قصيدة “خُبْزُ الأهل” مثلا، نقرأ المزيد من تفاصيل حياة الريف وصوره، فنجد “الدلّة والنّجر/ حِمى بكرٍ وتَغْلِب/ سُهول الجزيرة التي كَبُرْنا في مضاربها/../ السِّريان والأكراد والمردليّة/ نقتات الشَّجَنَ الريفي/ ما بين الموصل وديار بكر في الحسكة/ عروس القطن والحنطة/ نسرح فوق آبارِ الذهبِ الأسودِ/ بأقدامٍ من الطِّين/ لم نكن ندري أن الخابورَ سيترجَّلُ عن الضفاف/ وينطوي بما يحمله من طَمي وأساطير”.

مدن الاغتراب

ومن الراهن يلتقط الشاعر “كوابيس الدَّمِ”، و”بِلاد: كُلَّمَا هممْتُ بالسفرِ/ تذكَّرْتُ أنْ لا بِلاد لي/ وأنَّ حُبَّكِ/ أيتها الأرضُ البعيدةُ/ أثقلُ مما كنتُ أظنّ”. الكوابيس التي لا تجعل من الشاعر مجرما وانتقاميّا، فمِن الّلافت في الديوان، أنّه رغم كلّ العنف والدم المسفوح بيد الجزّارين، المُخابَرَات والرئيس، إلا أنّنا لا نشهد عنفا أو حقدا يقابله أو يوازيه، بل نجد محبّة في الثورة، وللثورة، فالمحبّة أحد أقانيم الثورة، هنا نقرأ “صورةُ الرئيسِ/ المُعلَّقَةُ على الجدارِ/ سوفَ تَسْقُطُ/ مِن تِلقاءِ نفسِها”، أو نجد أن “القَاتِل/ لا نُريدُهُ أنْ يموتَ/ رميا بالرصاص/ نودُّ أن نراهُ حيّا/ وحيدا/ ذاتَ صباحٍ باردٍ تَعوي حولَهُ كِلابُ الحراسة”، تعبيرا عن “نقاء” الثورة التي يريدها الشاعر.

أحيانا يلجأ الشاعر إلى الموروث في الغناء الشعبي، مثل “يَا لِيلْ … يَا عِينْ/ على أوطانٍ تركناهَا/ تَشِيخُ في شجرِ الخابور/ مِثْلَ أثَرٍ تذكاريّ لِبِلادٍ بعيدة”.

لكنه غالبا ما يميل إلى السرد، فمن خلال ثلاث شجرات، يروي مقاطع من سيرة ترحاله: شجرة الكينا/ تركْتُها مُراهِقةً/ ورحلتُ بعيدا. الثانيةُ زَرَعَهَا إيليا/ والِدُ حنّا جارنا القصوراني/ أبو جوزيف وجوزفين وسحر وعدنان وميشيل/ شقيق عبدالمسيح الذي هاجر إلى بيروت”.

وبخصوص مدن الاغتراب، يلتقط الشاعر حالات محددة لكل منها، فهذه لندن “تدخُلُها/ وتَخْرُجُ منها/ باكيا. في لندن/ تعلّمتُ من الهنود نظرةَ الطير/ ومن الإنكليز كَلامَ النبات”.

أما أبوظبي فلا يبقى منها إلا “هُنُودٌ” ومِنْ هنود أبوظبي “بقيتْ عَلاّقات الثّيابِ وكتابةٌ بالأوردو لا تُمْحَى على الملابس المكوية بعناية”، و”رائِحةُ البهاراتِ تفُوحُ في أرجاء الحي”.

وكذلك نجد هذه السخرية المريرة، ففي بلاد النخيل والجِمال نعثر على “بضعةِ فيليبينياتٍ يلتقطنَ صُوَراً تذكاريةً بِجِوارِ جَمَلٍ من خشبٍ ونَخلةٍ مِنْ مَطَّاط”.

وتحضر بيروت في صور عدة، فمن هنا نسمع صرخته “أُريدُ أنْ أقولَ/ كمِ اشتقتُ إليكِ/ وأنا أعرفُ أنَّكِ بعيدةٌ/ ولَمْ تَعُودي بلادي..”، ففي الطريقِ إلى بلاده هناك “دمٌ/ تناديني الجنازاتُ/ الملفوفةُ بكوفياتِ فلاحِي الجزيرةِ”.

لكن اللاّفت هو حضور “جوزيف سماحة”، الصحافي المعروف بمواقفه المبدئية، حيث يظهر في صورة ترتبط بما جرى من تحوّلات في الساحة اللبنانية، يصوّرها البَكر هنا من خلال وجود “الطحالب تنمو في كُلِّ مكان/ وأنت الذي كان شجرةً وحيدةً وَسطَ الغابة/ ألا تَرى كِلابَ الصَّيْدِ تلكَ السريعةَ الإغارَة التي تَتْبَعُ الأثَرَ حين لا تتكلمُ الشجرة؟”.

14