شحة السيولة تغرق الاقتصاد الليبي في أزمات خانقة

المصرف المركزي يعجز عن وضع حدّ لتدهور قيمة العملة، ومخاوف من انحدار البلاد إلى أزمات غذائية ومالية أكبر.
الثلاثاء 2018/07/24
معيشة الليبيين في متاهة الصراعات السياسية

لندن - يختزل النقص الحاد في السيولة النقدية جبل الأزمات والتحدّيات الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد الليبي في ظل تراجع عوائد البلاد النفطية رغم الإجراءات التي يقوم بها مصرف ليبيا المركزي للحيلولة دون استفحال الأزمة في النظام المصرفي.

وتظهر المؤشرات الاقتصادية أن ليبيا مقبلة على أزمة مالية حادّة بسبب الخلافات السياسية والأمنية القائمة، وهو ما انعكس على سعر صرف الدينار الذي فقد أكثر من نصف قيمته في السنوات الأخيرة لأسباب عديدة فاقمها تراجع عائدات صادرات النفط.

وأثّرت عوامل كثيرة بشكل مباشر على كافة مناحي حياة الليبيين، بدءا بشح المعروض من السلع الاستهلاكية الضرورية وارتفاع أسعارها الجنوني في الأسواق وفقدانها أحيانا، وصولا إلى صعوبة الحصول على مرتب شهر واحد من البنوك التي تشكو من أزمة آخذة في الاتساع يوميا.

منير علي عصر: المركزي في طرابلس أفسد الاقتصاد بهيمنته على السياسة التجارية
منير علي عصر: المركزي في طرابلس أفسد الاقتصاد بهيمنته على السياسة التجارية

وتحدث البنك الدولي مرارا عن تراجع هائل في القدرة الشرائية للمواطنين مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وكان آخرها الخبز، ما أدى إلى ارتفاع التضخم إلى مستوى تاريخي بلغ 30 بالمئة.

ومع المضاربة والقيود المفروضة على صرف العملة، دخل الاقتصاد الليبي حلقة مفرغة ونشطت السوق الموازية التي لجأ إليها الليبيون لعقد صفقاتهم التجارية تقريبا بعد أن فقدوا ثقتهم في المصارف.

وتفاقمت مخاوف الليبيين من انحدار بلدهم نحو أزمة غذائية ومالية أكبر مما عليه الآن، بسبب التوترات الأمنية والسياسية والصراعات المسلحة بين الميليشيات في الشرق والغرب، والتي كانت بيئة ملائمة لازدهار السوق السوداء والتهريب لتأتي في نهاية المطاف على ما تبقى من اقتصاد البلاد المنهك.

وتتقاذف السلطات المالية في الشرق والغرب الاتهامات بشأن وصول الأوضاع إلى هذا المستوى من التدهور، وعدم وجود رؤية إصلاحية موحدة لانتشال البلاد من أزمتها، التي أنتجت نسب بطالة عالية بلغت 30 بالمئة، وفق بيانات رسمية.

ونسبت وكالة سبوتنيك الروسية لوزير الاقتصاد في الحكومة المؤقتة في شرق البلاد، منير علي عصر، قوله إن “مصرف ليبيا المركزي في طرابلس أفسد الحياة الاقتصادية بهيمنته على السياسة التجارية للبلاد وتناسى دوره والمهام المطلوبة منه كونه المسؤول عن السياسة النقدية”.

وأكد أن الاقتصاد الليبي ليس اقتصادا معقدا وأن المتطلبات واضحة، لكن المركزي استهدف المواطنين بالأزمات من خلال سياسات محاسبية عقيمة، فحجم الاعتمادات الممنوحة لا يتناسب مع حجم السلع المتوفرة.

وتستورد ليبيا كل حاجاتها بما فيها الغذائية، بينما تنفذ معظم عمليات تمويل الواردات عبر طرابلس حيث توجد كل البنوك تقريبا، بينما لا تعرض البنوك في مدينة بنغازي إلا خدمات محدودة وتعاني أصلا من نقص حاد في السيولة.

ووضع تدهور قيمة العملة المحلية والتراجع الحاد في إيرادات الخام، المورد المالي الوحيد لموازنة الدولة، الاقتصاد الليبي على حافة الانهيار الشامل، ما دفع المركزي للسحب من الاحتياطات النقدية لتغطية فاتورة الواردات ودفع رواتب الموظفين ومستحقات الدعم.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن نحو 72 مليار دولار من احتياطات المركزي بالعملة الصعبة تبخّرت خلال سبعة أعوام، بعدما كانت عند مستوى 130 مليار دولار.

ويرى محللون أن الصراعات التي تستهدف الموانئ وخطوط الإمداد النفطية والارتباك في السياسات الاقتصادية والفساد المستشري في مفاصل الدولة ساهمت جمعيها في تدهور قيمة الدينار إلى مستويات قياسية، وباتت بذلك الدورة النقدية خارج إطار النظام المصرفي.

الصديق الكبير: خسائر ليبيا المباشرة وغير المباشرة بلغت 130 مليار دولار منذ عام 2011
الصديق الكبير: خسائر ليبيا المباشرة وغير المباشرة بلغت 130 مليار دولار منذ عام 2011

وقال الصديق الكبير، محافظ المركزي في طرابلس، في لقاء مع محطة “ليبيا” الرسمية الأسبوع الماضي، “لقد طالبنا منذ 2012 بتنويع مصادر الدخل، بتهيئة مناخ أعمال للقطاع الخاص حتى ينمو وعدم الاعتماد على النفط لكن الصراعات السياسية منعت القيام بذلك”.

وألقى باللوم على أطراف نافذة في الدولة، لم يسمّها، تريد السيطرة على المركزي من خلال ممارسة الضغوط على مجلس الإدارة. وقال إن “المصرف تعرض لمضايقات كثيرة منذ 2011 أربكت نشاطه”.

وأوضح أن توقف الإنتاج وإغلاق حقول النفط منذ بداية الأزمة كبّدا ليبيا خسائر مباشرة وغير مباشرة تقدر بحوالي 160 مليار دولار.

وأشار إلى أن عوائد النفط بلغت في 2012 نحو 52.2 مليار دولار، لكنها تراجعت في 2016 بشكل كبير لتبلغ 4.8 مليار دولار فقط.

وتلقى الاقتصاد الليبي ضربات شديدة من تراجع صادرات النفط بحوالي 80 بالمئة عن مستويات ما قبل الإطاحة بمعمر القذافي، حين كانت تصل إلى 1.6 مليون برميل يوميا في عام 2010.

واتسعت تداعيات الأزمة حين تقلصت العوائد أكثر نتيجة تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية منذ منتصف عام 2014، رغم تعافيها بسبب اتفاق خفض الإنتاج بين منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) ومنتجين خارجها.

ويقول اقتصاديون ليبيون إن امتصاص الأزمة يتطلب وقتا لأن العائدات الناجمة عن صادرات النفط ستستغرق وقتا قبل أن تتمكن من جديد من تغطية النفقات العامة الهائلة.

10