شحّ الدولار ينذر بأزمة في مادة الطحين في لبنان

شركات المطاحن تقبل على تخزين مادة الطحين خوفا من رفع الدعم.
الأربعاء 2021/06/16
ربطة الخبر قد تصبح حلما

بيروت - يتهدد الأسواق المحلية في لبنان شح سلعة الطحين المستورد من الخارج، وسط تراجع في وفرة النقد الأجنبي لدى البنك المركزي الداعم للطحين، من خلال تحمله جزءا من فروقات أسعار صرف قيمة وارداته.

وبدأت منذ أيام قليلة أزمة طحين تلوح في الأفق في عدد من المناطق اللبنانية خاصة في الجنوب، في وقت تشهد البلاد شحا غير مسبوق في توافر سلع أساسية أخرى، كالوقود والأدوية.

وسارع أصحاب شركات المطاحن إلى تخزين كميات الطحين خوفا من حصول ما يشبه أزمة البنزين، فيما تقول مصادر محلية إن السلطات تدرس إمكانية رفع جزئي للدعم الموجه للطحين.

وربط مسؤولون وخبراء بين توافر الطحين في لبنان، واستمرار مصرف لبنان المركزي في دعم استيراد القمح، ويأتي هذا القلق في ظل استمرار أزمة اقتصادية طاحنة في البلاد وانعدام أي بوادر لحلها، وتواصل الفراغ الحكومي منذ 10 أشهر نتيجة تعثر تشكيل حكومة جديدة بسبب الخلافات السياسية.

واستبعد مصدر مقرب من وزير الاقتصاد اللبناني أن يتوقف دعم استيراد القمح على الأقل في الوقت الحالي، نظرا إلى أنه لا يشكل عبئا ماليا كبيرا مقارنة باستيراد الوقود والأدوية.

وتبلغ كلفة دعم مصرف لبنان لاستيراد القمح سنويا 135 مليون دولار، في حين أن كلفة استيراد الوقود (بنزين وديزل) تبلغ أكثر من ملياري دولار في السنة، أما كلفة دعم استيراد الأدوية سنويا فتبلغ نحو مليار و105 ملايين دولار.

ويدعم مصرف لبنان استيراد تلك المواد من خلال تأمين الدولار إلى مستورديها وفق سعر الصرف الرسمي، الذي يبلغ 1510 ليرات لبنانية، في وقت تخطى فيه سعر صرف الدولار في السوق الموازية 15250 ليرة لبنانية.

ومنذ أواخر 2019 اهتزت الليرة بعدما كانت ثابتة عند سعر صرف 1510 ليرات مقابل الدولار الواحد طيلة نحو 20 عاما، قبل أن تبدأ بالانهيار تدريجيا.

وحذر نقيب أصحاب الأفران والمخابز في لبنان علي إبراهيم، من وقوع كارثة في حال تم التعامل مع استيراد القمح، كما يحصل حاليا مع استيراد الوقود.

ونتيجة عدم توفر النقد الأجنبي المخصص للاستيراد، يعاني لبنان منذ أسابيع شحا في الوقود، ما أدى إلى إقفال معظم محطات البنزين، في حين تصطف طوابير انتظار طويلة أمام المحطات القليلة التي تتوفر لديها المشتقات.

لكن إبراهيم طمأن أن لا بوادر حالية لحدوث أزمة طحين، مضيفا "لأن الأمور تسير بالشكل المطلوب، من خلال تأمين الأموال اللازمة لدعم استيراد القمح من قبل مصرف لبنان المركزي".

وأضاف "طالما أن مصرف لبنان يوفر أموال الدعم في الوقت المناسب لاستيراد القمح ومن دون تأخير، فهذا يعني أن الطحين مؤمن وكذلك الصناعات الغذائية الأخرى المتعلقة به".

ويدعم المصرف المركزي 85 في المئة من قيمة استيراد القمح وفق سعر صرف 1510 ليرات، إلا أن بعض المطاحن تواجه أحيانا صعوبة في تأمين الوقود لتشغيل مولدات الطاقة خلال ساعات انقطاع الكهرباء.

وقال المسؤول النقابي "في حال توقف أو تراجع دعم استيراد القمح، فقد نشهد أزمة في تأمين رغيف الخبز وغيره من صناعات الأفران للمواطنين، فضلا عن ارتفاع أسعار تلك المنتجات بشكل تلقائي".

وعلى وقع أزمة اقتصادية ومالية مستمرة، تراجعت احتياطات لبنان من النقد الأجنبي من متوسط 30 مليار دولار مطلع 2020، إلى قرابة 16 مليارا حاليا، ما انعكس صعوبة في توفير الأموال اللازمة لدعم الاستيراد.

ويعاني لبنان أيضا منذ أسابيع قليلة، نقصا حادا في الوقود المخصص لتوليد الطاقة، ما يتسبب في انقطاع الكهرباء لساعات طويلة تصل أحيانا إلى نحو 20 ساعة يوميا.

أما رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، فأبدى تخوفه من أن يقدم مصرف لبنان المركزي ووزارة الاقتصاد والتجارة على رفع الدعم عن جزء من القمح المستورد.

وقال الأسمر إن "ما كان مطروحا هو رفع الدعم عن استيراد القمح الذي يستخدم 'للطحين الإكسترا' أي الذي لا يستخدم في صناعة رغيف الخبز، إنما في الصناعات الأخرى كالمناقيش والحلويات والخبز الإفرنجي ومعجنات البيتزا وغيرها".

وأعطى مثالا أنه في حال رفع الدعم جزئيا سيصبح سعر المنقوشة التي تعد وجبة الفقراء 16 ألف ليرة (10.5 دولار وفق السعر الرسمي)، بينما سعرها الحالي حوالي 4 آلاف ليرة (2.65 دولار)، وكذلك الحال بالنسبة إلى كل الصناعات الأخرى المشتقة من الطحين.

وأضاف أنه لم يصدر بعد أي قرار بهذا الخصوص، "ونحن نترقب إلى أين ستتجه الأمور في الأيام المقبلة، لاسيما وأن لبنان يشهد تغيرات يوميا على الصعيد الاقتصادي، نظرا للانهيار المالي والمعيشي المتسارع".

واستبعد الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة أن يُرفع الدعم ولو جزئيا عن استيراد القمح.

وأوضح عجاقة أن استبعاده لهذا الخيار ينطلق من سببين، "الأول أن لا أحد يجرؤ على المس بالطحين في البلاد لأنه مسألة حساسة وتمس الأمن الغذائي والاجتماعي، والثاني هو أن كلفة دعمه منخفضة مقارنة بالوقود والأدوية".

لكنه لم يستبعد ارتفاع سعر "ربطة الخبز" بسبب المكونات الأخرى التي تدخل في صناعاتها مثل السكر والخميرة وغيرهما، والتي يؤمن دعم استيرادها مصرف لبنان حاليا على سعر صرف 3900 ليرة مقابل الدولار.

وتحدد وزارة الاقتصاد اللبنانية أسبوعيا سعر الخبز بناء على كلفة التصنيع والتوزيع، واستنادا إلى سعر القمح عالميا، وارتفاع سعر صرف الدولار وأسعار الوقود.

وبحسب جدول أسعار الأسبوع الأخير الصادر عن الوزارة، يبلغ سعر "ربطة الخبز" بوزن 975 غراما 3000 ليرة لبنانية (حوالي 2 دولار وفق سعر الصرف الرسمي).