شخصيات تخوض في مشروع طموح يتحوّل إلى كابوس

السعادة تتحوّل في فيلم "جو الصغير" إلى هدف خيالي يسعى إليه العلماء والباحثون، لتأتي النتائج كارثية.
الاثنين 2020/02/10
أزهار الشر

لم تعد القصة في بعض أفلام الخيال العلمي تتعلق بتحدي عبور الزمن أو التعاطي مع الخوارق والكائنات الفضائية وغزو الفضاء، بل صارت أبسط من ذلك بكثير، في محاولة للاقتراب من الإنسان بغية تحقيق السعادة المفقودة أو التآمر عليه.

 في بعض الأحيان تكون الأهداف العليا كإسعاد البشر أو إنقاذهم غطاء لمهام أخرى تسعى إليها الشركات الكبرى ومنتهزو الفرص. وإذا انتقلنا إلى توسيع قدرات الإنسان وسعادته، تحضر أفلام الخيال العلمي التي تتعلق بإدماج القدرات البشرية بقدرات خارقة أخرى سواء بالتهجين أو منح الكائن البشري قدرات الآلة فيجمع ما بين البشري والروبوتي.

في فيلم “جو الصغير” للمخرجة النمساوية جيسيكا هاوسنر، سنعيش مع المشاهد الأولى في وسط مساحات من الزهور في أصصها ومن حولها يتحلّق باحثون تترأسهم أليس (الممثلة إيميلي بيتشام) التي ترأس فريقا يقوم بدراسة وتطوير الهندسة الجينية للنباتات لجعلها أداة لإسعاد البشر.

تفترض أليس أنه بالإمكان اشتقاق أحد الهرمونات الذي يجري تحريكه عن طريق الدماغ بعد استنشاق ذلك النوع المهجّن من الزهور، فيحفّز ذلك الهورمون لما يخلق إحساسا بالسعادة.

وفي موازاة ذلك، سوف ننتقل إلى الحياة الشخصية للباحثة أليس، فهي مطلقة وتعيش مع ابنها الوحيد الذي شارف على بلوغ مرحلة المراهقة، وهي منصرفة عن معاشرة أي رجل آخر، على الرغم من تودّد صديقها في العمل كريس (بين ويشاو)، وهي منتظمة في زيارتها للطبيبة النفسية والحديث معها وكأنها تعبّر عن حاجتها إلى البوح عن يومياتها.

أليس المندفعة بحسن النية لتطوير مشروعها من أجل إسعاد البشرية، لم تكن تعلم أن ما تقوم به سوف يكون له مفعول عكسي على فرضية مفادها: ماذا لو انحرف التأثير الكيمياوي لعطر الزهور إلى تحفيز سلبي للدماغ يؤدي إلى تغيير في سلوك البشر بدل إسعادهم.

 «جو الصغير» فيلم عن عالمة نباتات تسعى إلى نشر سعادة وهمية في الكون

تبدأ الشكوك بالتفجّر مع تأثّر كلب زميلة أليس في العمل بيلا (الممثلة كيري فوكس)، حيث يتحوّل ذلك الكلب إلى حيوان شرس بشكل مفاجئ، لتتأكد أن كل ذلك كان بسبب رائحة الزهور التي يجري تكاثرها في ذلك المشروع.

لا تصدق أليس مع تدهور حياتها وانصراف ابنها عنها فجأة للعيش مع أبيه ثم استهداف بيلا ومحاولة قتلها لمجرد اعتراضها، لنتأكد أن وراء المشروع مؤامرة خفية يقودها المدير (ديفيد ويلموت) وكريس وشخص ثالث وكل من يقف في وجه المشروع سوف يتسبّب في إيقاف الأموال التي تدرّ على المشروع.

لا بد لنا من النظر بعناية في هذا الفيلم للشكل المبدع والحس العميق للون والعمق والإضاءة، فأغلب اللقطات كانت في حد ذاتها وحدات فوتوغرافية بالغة البراعة وشديدة الجمال.

المنشأة التي تجري فيها التجارب تم اختيارها بعناية بالغة، الزي الأخضر الخفيف والجرار الخضراء والكراسي كلها تنتظم في شكل بصري متكامل، ثم تكملها المشاهد التي تظهر فيها أليس سواء في بيتها حيث تسيّد اللون الأصفر أو في منزل الطبيبة النفسية حيث طغى اللون الأحمر الوردي، وهكذا..

وبعناية فائقة قدّمت المخرجة جيسيكا هاوسنر شخصية أليس لتجعل منها نموذجا للمرأة التي تعيش صراعا عميقا وغير معلن، أناقتها الملفتة للنظر وتكامل أزيائها مع ألوان المكان ثم صمتها الطويل وعزلتها التامة ووجهها المتجهّم ولون شعرها البرتقالي كلها تمت العناية بها لكي تتكامل أمامنا شخصية درامية استثنائية.

ومع التكامل البصري واللوني الذي يعدّ علامة فارقة ملفتة للنظر تثبت رهافة الحس لدى المخرجة ومدير التصوير ومصمّم المناظر، هناك أيضا التكامل الصوتي، إذ استخدمت المخرجة موسيقى تصويرية منتقاة بعناية فائقة عبر عزف منفرد بديع بآلات تذكرنا بالموسيقى الصينية والآسيوية، مع إيقاعات وعزف ناي أو فلوت بالتزامن مع مراحل التأزم في الفيلم.

خلاصة الفيلم؛ إن السعادة البشرية المنشودة كانت تسوقها عصابة لا تتورّع في ارتكاب الجرائم لمجرد تمرير مشروعها، وهو ما يحصل لبيلا بعد اتهامها بأنها مجنونة، فالسعادة هنا كاذبة ومزيفة، حيث تتحوّل الزهور خلال ذلك إلى عدو كله خطر وشرّ، لا خلاص منه.

ومثالنا على ذلك، ضحيتان بريئتان هما ابن العالمة أليس وصديقته اللذان يتسللان إلى مقر المشروع ويعبران البوابات الإلكترونية لكي يرقبا نمو تلك الأزهار وانبعاث الروائح والرذاذ منها، ما يؤدي إلى تغير في سلوكهما.

مشهد يكرس ذلك التحوّل عندما تسقط أليس على الأرض بعد مشادة مع ابنها واصطدام وجهها بالأثاث، وكل ذلك لا يحرك عاطفة الابن ولا صديقته وكأن شيئا لم يقع، ساعتها تتأكد أليس من حجم الكارثة المصنوعة، وعندما تعترض يتم إسقاطها أرضا بضربة من قبل كريس الذي ما انفك يتودّد لها ويتقرّب منها لتتكشّف حقيقته.

على صعيد البناء المكاني، لم تكن هناك الكثير من الانتقالات المكانية، إذ اقتصرت على موقع المشروع الزجاجي ومنزل أليس وبضعة مشاهد خارجية، لكن المخرجة استطاعت ببراعة أن تنتشلنا من رتابة المكان عبر التنويع في اللون والإضاءة وسلاسة الانتقالات.

يقدّم فيلم “جو الصغير” مساحة من المتعة اللونية – البصرية الكثيفة وحياة بشرية مليئة بدوافع الأنانية تحت شعار إسعاد البشر، بينما هي في الحقيقة جلب المزيد من التعاسة للشخصيات التي تعيش فيها، ومع ذلك يختتم المشروع بنيل جائزة عالمية مهمة واعتراف بفائدته لبني البشر.

16