شخصيات مسرحية تستعين بالوهم والكذب لتحقيق الذات

يخرج الثنائي الفني المسرحي عزيز موهوب وعبدالكبير الركاكنة، الفنانان اللذان بصما الساحة الفنية المغربية منذ الثمانينات من القرن الماضي، وينتجان مجددا مسرحية يصفها المتتبعون بالمتكاملة نصا وتشخيصا، عنوانها “فكها يا من وحلتيها”، وهي مسرحية مدعومة من قبل وزارة الثقافة المغربية، نظرا لأهميتها الفنية.
الأربعاء 2016/11/30
تطلعات واهمة

يواصل الثنائي المغربي عزيز موهوب وعبدالكبير الركاكنة، في أكثر من مدينة مغربية، تقديم عروض مسرحيتهما المعنونة بـ”فكها يا من وحلتيها”؛ أي جد لها حلا يا من أزّمتها، وهي مسرحية ما انفكت تلاقي القبول سواء من النقاد أو الجمهور أينما عُرضت.

ومسرحية “فكها يا من وحلتيها” مسرحية كوميدية خفيفة، تعرض أحداثها التطلعات البورجوازية الوهمية المتمثلة في شخصية علولة الخادم (أحمد الشركي) الذي يوهم خطيبته منا (نزهة عبروق)، بأنه فنان مشهور ينتمي إلى طبقة اجتماعية راقية يقطن بالعاصمة، فيتبادل الأدوار مع مشغله رجل الأعمال عبدالمعطي (عبدالكبير الركاكنة) بتغيير الملابس، لتتعقد حبكة المسرحية بعد وصول خطيبة عبدالمعطي (هند ظافر).

وعنها يقول كاتب نصها المسرحي الفنان المغربي عزيز موهوب لـ”العرب” “إن علولة شخصية واهمة، هاجر إلى المدينة في ضيافة صديقه رجل الأعمال عبدالمعطي، ظنا منه أنه انطلاقا من مواهبه قد يكسب شهرة تمنحه المكانة الكبيرة والمتميزة، لكنه وبعد فشل ذريع في العديد من الاختيارات، سيقتنع بأنه ممثل ذو مواهب محدودة، وأن الصدقية في الفن هي الوسيلة الوحيدة التي بها يستطيع أن يحقق أحلامه”.

كذب أبيض

يقول كاتب المسرحية عزيز موهوب “بعد تشكيل قناعته الوهمية، سيوهم علولة خطيبته التي تتصل للاطمئنان عليه، وسيكذب عليها كذبة ‘بيضاء’، وسيجعلها تقتنع بأنه قد حقق الحلم وأنه لا يجد الوقت الكافي، كل ذلك كان يقوم به الفنان أحمد الشركي في دور ‘علولة’، دون علم صديقه الذي كان يعطف عليه ويستعين به في بيته كخادم دون تجريح، في حين كانت الممثلة نزهة عبروق في دور ‘مونا’ تفاجئ علولة بحضورها لرؤيته فيتوسل لصديقه بأن يبادله الدور، فيصير علولة هو رجل الأعمال، في حين يصبح صديقه رجل الأعمال الحقيقي، خادما ليس إلاّ”.

مخرج المسرحية الركاكنة يراهن على مواصلة الاجتهاد والبحث لإشاعة ثقافة تجعل المسرح مطلبا جماهيريا

علولة يحاول بدوره المحوري في مسرحية “فكها يا من وحلتيها”، كما يؤكد كاتب نصها، أن ينقذ ماء وجهه إلى حين رجوع خطيبته من حيث أتت، ويقتنع عبدالمعطي بذلك، لكن مونا تدخل في حياة علولة محاولة تغيير نمط البيت وديكوره، التدخل الذي لم يرض عبدالمعطي خوفا على ممتلكاته، وتتفاقم الأحداث عندما يتفاجأ عبدالمعطي، هو الآخر، بقدوم خطيبته، الشيء الذي سيدفع علولة إلى اختلاق كذبة أكبر تربك الموقف.

ويخلص كاتب المسرحية في تصريحه لـ”العرب” إلى الإشارة إلى أن “فكها يا من وحلتيها” ستخلص إلى إثبات معادن الناس، وذلك من خلال طمع عبدالمعطي في مونا التي تقرر الافتراق عن علولة لذات الكذبة، ولعب خطيبة عبدالمعطي، الآنسة زكية، التي ستدعي أنها خريجة مستشفى الأمراض النفسية لتتخلص من خطيبها عبدالمعطي الذي كانت خطوبته لها مشروعا، لكن يبدو أن علولة هو الفائز، لأن كذبه لم يكن مبنيا على خُلق فاسد، بل لحب كان أكبر من مجهوده.

ويفيدنا مخرج مسرحية “فكها يا من وحلتيها”، الفنان عبدالكبير الركاكنة، أنه راهن في عمله المسرحي الجديد على مواصلة الاجتهاد والبحث من أجل إشاعة ثقافة جديدة تجعل من المسرح مادة حيوية ومطلبا جماهيريا. ولهذه الغاية جعل الركاكنة من النص وأحداثه والمواقف التي تؤطره مادة قابلة لأن تمسرح، مما يلبي انتظارات المتفرج على مستوى المتعة الفكرية والروحية.

ودعا مخرج المسرحية، الذي لعب دور عبدالمعطي فيها، إلى التجاوب والمشاركة بين لغة العرض المرئية والمسموعة، وبين شخوص المسرحية ومواقفهم وأوضاعهم من جهة، والجمهور من جهة أخرى، دون السقوط في لغة لا يفهمها إلاّ المبدع، مركزا على الاشتغال على إدارة الممثل وعلى شخصيات النص، لأنها في نظره، أي المخرج “تعتبر هي روح العرض وقلبه النابض وأساس ديناميكيته”، ومن ثمة ضرورة رصد انتمائها السوسيو-ثقافي، ومدها بحمولة جمالية من خلال استنباط مكوناتها السيكولوجية والوجدانية وتحويلها إلى سمات ظاهرية. ويؤكد الركاكنة “للشخصية في المسرحية مسارها الدرامي في مواجهة ذاتها ومواجهة الآخر، فهي مكون أساسي في فنية المسرحية وتجاوبها مع طموح المتلقين من المتفرجين”. الحكاية بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالة من حيث مغزاها المجرد، إنها صورة للتعايش المستحيل في جو كوميدي أصيل ورفيع.

فضاء واحد

يوضح سينوغرافي مسرحية “فكها يا من وحلتيها”، الفنان عبدالصمد الكوكبي، أنه اختار للمسرحية أن تدور أحداثها في فضاء واحد وبديكور ذي مواصفات فنية وجمالية تعبر عن الترجمة الحقيقية لما جاء في النص، ويتماشى مع الرؤية الإخراجية للمسرحية. ويضيف “لهذا نريد استثمار الفضاء بنسبة مئة في المئة وذلك بخلق حركة دائبة في مختلف أرجائه، والتركيز على ديناميكية اللعب المفتوح الذي يترك للممثل هامشا للإبداع”.

ويؤكد الكوكبي أن المسرحية اعتمدت على ملابس نوعية تم بها تحديد انتماء الشخصيات ووضعيتها الاجتماعية وحالاتها النفسية، محاولا بذلك استثمار ما يزخر به المغرب من تنوع مع إدماج الأزياء المستوردة حتى تكون الملابس معبرة عن واقع حال الشخصيات، وعلى مستواها الاجتماعي ووظيفتها داخل المسرحية. ويختم الكوكبي “كل ذلك جعلناه في خدمة المسرحية التي تعالج أمراض الوهم والكذب التي يريد أن يركبها البعض لتحقيق ذاته”.

16