شخصية تخرج من قصيدة لبدر شاكر السياب وتزور المستقبل

الروائي الكويتي حسين المطوع يضع في رواية "تراب"، العالم في ميزان السؤال الوجودي المتعلق بالموت والحياة والهوية والأنا والآخر.
الأربعاء 2018/05/09
الفلسفة منطقة حساسة جدا على الروائيين الحذر منها

يستشرف الروائي الكويتي حسين المطوع في روايته الأولى “تراب” المستقبل، فمن صفحتها الأولى يخبرنا الراوي بأن أحداثها كلها حقيقية، وقد حصلت بكافة تفاصيلها في الحياة الواقعية، في زمن لم يأت بعد. في حين أن رواية “تراب” في واقعها ارتداد للماضي عبر المستقبل، وكأنها تعالج الزمن الآني.

تبدأ أحداث الرواية، الصادرة مؤخرا ضمن سلسلة مسارات المهتمة بالرواية عن دار مسكيلياني التونسية، في مدينة تفتقد المقومات العصرية للحياة وتخلق نمط معيشتها الخاص فيها، خلال ذلك يتجه شاب للعمل في المقبرة للتحرر من سلطة أسرته فيصطدم بالحياة في جانبها المتطرف، الحياة القائمة على الموت. وقد استوحى المطوع الشخصية الأساسية للرواية من شخصية حفار القبور في قصيدة “حفار القبور” للشاعر العراقي بدر شاكر السياب.

أسئلة وجودية

 

تحمل الأجيال الروائية في الكويت حصيلة ما تعلمته واختبرته بشكل ذاتي عبر قراءتها ومتابعاتها التي أفرزت وعيا قادرا على الكشف والحفر السردي المختلف عن أسلافها. خصوصا حين تستعين هذه التجارب بالقيم الفلسفية العميقة، واستخلاصها في خَلْق العوالم السردية

يقول المطوع “هذه الشخصية منذ اللحظة الأولى التي قرأتها فيها تركت أثرا كبيرا علي، وحين قررت كتابة رواية رأيت أن آتي بهذه الشخصية وأعيد بناءها وأطلقها في نص سردي لتكون المحور الذي يتشكل حوله الحدث”.

ويتابع ضيفنا “المستقبل، واحدٌ من الأسئلة الكبرى التي يصارعها الإنسان يوميا. ‘إلى ما سيؤول مصيرنا غدا؟’. ولهذا السؤال عدد لا متناه من الإجابات ممكنة التحقق. في الحياة الواقعية، لا يستطيع أحد أن يقدم إجابة قطعية لهذا السؤال. لكن في عالم متخيل، نحن نمتلك الصلاحية الكاملة لاختيار الإجابة التي نوظف من خلالها الحدث، ونقدمها للقارئ على أنها الحقيقة. يقول أمبرتو إيكو ‘حين نقرأ عملا متخيلا، نحن نعقد ميثاقا ضمنيا مع مؤلفه الذي يتظاهر بأن ما يكتبه صحيحا، ويدعونا إلى التظاهر بأننا نأخذ ما يقوله مأخذ الجد’. ولهذا جاءت المقدمة التي استخدمت فيها الفعل الماضي القطعي ‘حصلت’ للحديث عن زمن لم يأت بعد. ومن هذه اللحظة أبدأ بخلق الجدلية الزمنية التي تقوم عليها أحداث الرواية”.

يلاحظ القارئ للعمل الأول لكاتبنا أثر دراسته للفلسفة على مفاصل وحوارات الرواية، حيث يتحول أبطاله وشخصياته لفلاسفة قادرين على وضع العالم بكل يومياته العميقة على ميزان السؤال الوجودي المتعلق بالموت والحياة والهوية والأنا والآخر.

وعن هذا الشأن يعلق المطوع “أظن الفلسفة منطقة حساسة جدا في الرواية، وعلى الروائي أن يكون حذرا حين يخوض فيها. أحيانا رغبتنا في إضافة عمق فكري تجعلنا نحمّل النص ما لا يحتمل. ولتحاشي الوقوع في هذه المعضلة أعتقد أنه يجب التفريق بين أمرين؛ بين الفكرة وبين أسلوب التعبير عن هذه الفكرة وطريقة تضمينها في النص. في روايتي، السارد ‘فهد’ شخصية بسيطة التعليم والثقافة ولا يحتمل طرح أفكار بأسلوب فلسفي متماسك على لسانه. فتجد أن ما صدر منه من أفكار فلسفية كان نقلًا عن ‘حجي سعد’ وهو شخصية ذات خلفية فكرية. أما التساؤلات والتأملات الأخرى التي جاءت على لسان ‘فهد’ فهي طبيعية بحكم احتكاكه اليومي بالقضايا والأزمات الوجودية التي تواجهه في المقبرة، وجاءت بأسلوب بسيط وساذج يتناسب وشخصيته”.

في رواية “تراب” تقترب الحوارات السردية إلى مناخ المسرح، حيث تعلو قيمة الرمز، وتختفي الحقيقة بمعناها الكشفي، وتفتح الأبواب للتأويل، ويرى ضيفنا أن النص الأدبي هو في جوهره نص رمزي. والكلمة في النص الأدبي تمتلك مساحة أكبر للتفلت من دلالتها الظاهرة والانطلاق في سيرورات دلالية لا متناهية.

رواية تحكي لنا ما سيحدث غدا
رواية تحكي لنا ما سيحدث غدا

يقول الكاتب “أظن في رواية تراب حين نقرأ الحوارات السردية على مستوى الحكاية الظاهري، سنرى أننا نستطيع التعامل معها دون أي جهد تأويلي؛ فالسور هو ذلك السور الحجري المادي الذي يحيط بالمدينة، والمقبرة هي قطعة الأرض التي يدفن فيها الموتى، والماء هو الماء الذي يشرب، وهكذا.. لكن ورود هذه الكلمات في بنية سردية أدبية، يغري القارئ لتأويلها وتحريرها من دلالتها الأولية وإعطائها ذلك البعد الرمزي. وهنا فقط يمكن للسور الأدبي أن يتحول من سور حجري إلى فكرة؛ سنقول أن السور هو الجهل أو الفقر أو الماضي أو أيا كان المعنى الذي يستخلصه القارئ. في الحقيقة لقد سعيت إلى الاشتغال على ما يسمى بتقنية التسنين المزدوج، وخلق تلك المساحة التأويلية للقارئ الذي يبحث عنها. لكن هذه المساحة لن تمتلك أية أهمية لمن أراد أن يتجاهلها ويقرأ النص كحكاية”.

الرواية الكويتية

وفي معرض حديثنا عن قضية البدون يرى ضيفنا بأنها قضية معقدة جدا، ومتجذرة في كافة مستويات الدولة. فهي، حسب تعبيره، قضية ذات بعد إنساني وبعد اجتماعي واقتصادي وسياسي وغيرها. يقول “بالنسبة إلي، أظن أنه لا ينبغي في التعامل مع هذه القضية أن ينحصر دوري في زاوية ‘المثقف’. نعم كتابة الرواية وتوثيق هذه القضية وذكرها في الأدب أمر بالغ الأهمية وهذا ما فعلته في رواية ‘تراب’. لكن ينبغي أن ندرك أن هذا الخطاب محدود ويستهدف فئة قليلة من المجتمع وهي فئة القراء، والتي هي في الأساس تمتلك وعيا لا بأس به في هذه القضية. لذلك أرى أنني كمثقف اليوم علي ألا أكتفي بدوري الكتابي وأن أخدم هذه القضية من مستويات أخرى بما أمتلكه من أدوات وقدرات ومقومات”.

وفي سؤال عن قراءته للمشهد الروائي الكويتي الحديث، وعن أسئلة الجيل الروائي الجديد. يجيب المطوع “إن الرواية الكويتية اليوم في أفضل حالاتها. الجيل الحديث من الروائيين الشباب تتلمس في أعمالهم النضج الروائي، سواء على مستوى الأدوات الكتابية والتقنيات أو على مستوى القضايا المطروحة. يحضرني نموذجان لهذه الحالة وهما رواية ‘طعم الذئب’ لعبدالله البصيص، ورواية ‘حمام الدار’ لسعود السنعوسي. قد يقول البعض إن الرواية الكويتية والعربية بشكل عام لا زالت متأخرة ولم تبلغ النضج الذي بلغته الرواية العالمية. أنا أرفض مثل هذه المقارنات وأعتقد أن نضج العمل الفني يقاس بواقعه وظروفه وسياقات نشأته، لا بمقارنته بأعمال أخرى أنشأتها ظروف مختلفة تماما”.

14