شذا شرف الدين وقصص لبنانية كتبت في برلين

الخميس 2015/01/08
شذا شرف الدين تقدم عددا من القصص القصيرة تتلمس فيها حالة الإنسان الغريب

بيروت ـ في مجموعتها القصصية “حقيبة بالكاد تُرى”، الصادرة عن “دار الساقي” ببيروت، تقدم الكاتبة اللبنانية شذا شرف الدين عددا من القصص القصيرة، التي تتلمس فيها حالة الهشاشة حين يكون الإنسان غريبا في ألمانيا، موثّقة فترة إقامتها في برلين، وبنية العلاقات التي يفرضها الفضاء الأجنبي. والمجموعة تحوي نصوصا جمعتها الكاتبة بعد أن كانت منشورة في عدد من الصحف العربيّة.

ليس بالضرورة أن يحمل الحنين إلى الوطن وشخوصه صورة مأساوية عبر أحداث مدويّة أو ميلودراما تَغرق في العواطف، بل يمكن تلمس حساسية الاغتراب عبر مواقف الحياة اليومية التي تحدد اختلاف الطباع والمواقف بين الراوية اللبنانية وبين الآخر الأجنبي، لتقف ذات الراوية عبر الشخصيات المختلفة محتارة ومشككة أحيانا في فعاليتها وفي تكوين هذا الآخر وماهيته.

لا تدور أحداث مفصليّة في القصص التي ترويها شذا شرف الدين، إنما هي أفعال وتصرفات وتأملات في الآخر، تنتج عنها صدمة تجاه الاختلافات الجوهرية في العلاقات بين من هو عربي “لبناني” وبين من هو أوروبي، فالعديد من القصص تتناول أحداثا يومية لا تحمل صراعا، بل هي أقرب إلى توثيق تلك الاختلافات، كقصة “ضجيج كثير من أجل لا شيء” التي تتناول حادث سيارة عرضي لكن بشكلين مختلفين.

فمرة هي -الراوية- صدمت سيارة أحدهم ومرة أحدهم صدم سيارتها، لتتكشف أثناء سرد التفاصيل الاختلافات الثقافية بين الرواية اللبنانية والآخر الألماني وتأثير هذه الاختلافات على المغتربين، وخصوصا النظرة إلى القانون والجدوى منه، كل ذلك يتبدّى في حادث سير بسيط ينتج عنه خدش في مقدمة سيارة. كذلك تستدعي المجموعة الموت وحضوره عبر أحداث ومواقف مختلفة كقصة “عواصف في شارع بيرليبيرغ” التي تناقش الموت وترقبّه بالنسبة لأشخاص مهمّشين، حياواتهم لا تحمل أيّ معنى.


الجسد غريبا


يحضر الجسد بوضوح في مجموعة شذا شرف الدين ويأخذ وضعيات مختلفة، فتارة نرى الكاتبة تتحدث عن الجسد وعلاقته مع الآخر والتغيرات الفيزيولوجية التي تطرأ عليه لكن من وجهة نظر جمالية، أي من وجهة نظر المراقب كما في “اعترافات ت.”، كذلك حالة التعلق بأيّ غرض في سبيل إضفاء نوع من المغامرة على الحياة المهمشة، التي قد تبدو لامعة من الخارج لكنها خاوية لا تحوي أي تحوّل، كما في “المدعوّة هـ.ل. تتعثر مجددا”، والتي تجد حذاءا منمّقا جميل الشكل قرب سيارتها، لتبدأ بعدها بمحاولة اكتشاف صاحب الحذاء، وينتهي الأمر بأن تستدعيها الشرطة للشك بأنها مشاركة في قتل صاحب الحذاء الذي وجدته مصادفة.

القاصة تصور الحياة التي تخلو من الأحداث المفصلية، وكيف تبدو رتيبة وروتينية، بل وحتى خالية من المعنى

هذه الانقلابات المفاجئة في سير السرد تتوافق مع تقنية كتابة القصة القصيرة، والتي تقوم على حبكة واحدة وفكرة واحدة، بحيث تبتعد عن الإطالة واللغو، لتصل الحكاية ببساطة دون التعمّق في تفاصيل قد تبدو غير مهمة في بناء القصة.

يحضر ما هو يومي دائما في المجموعة لتتمحور الشخصيات حول أفعال بسيطة لكنها تهز كيانهم بحيث يختزن اليومي طاقة شعرية قادرة على إحداث تغيّرات عدة في بناء الشخصيات، التي نراها وكأنها تحاول الحفاظ على اتزانها، في حين تقف الراوية أحيانا موقف المشاهد أو موقف الذي يعطي بعض الأحكام عبر تدخل صوتها وكأنها تعيد تحديد علاقتها مع ما هو محيط بها لتصل حدّ الدهشة من سلوك أولئك “الغرباء”.

فالحياة التي تخلو من الأحداث المفصلية، تبدو رتيبة وروتينيّة، بل وحتى خالية من المعنى، وكأن الجميع مصابون بصدمة عبثية تجعلهم أقرب إلى المخدرين أو المنومين مغناطيسيا.

وينعكس ذلك في أسماء شخصيات بعض القصص وعناوينها، إذ أن الأسماء عبارة عن حرف أو أحرف أولى، وكأن الاسم في حدّ ذاته غير مهمّ، فالحكاية فقط هي ما تستحق الرواية ولا يهمّ الشخوص الفاعلين فيها.

تتناول المجموعة أيضا عددا من المواقف التي تبدو فيها الاختلافات الاجتماعية والثقافية في التعامل مع بعض الموضوعات الحساسة في المنطقة العربيّة.

الاشتراك في الألم وفي التاريخ يطرح تساؤلات جديدة حول الانتماء

ففي قصة “وعاء الخوف” تطرح الكتابة موضوع الإجهاض وكيف يتمّ التعامل معه في ألمانيا سواء من الناحية الإنسانية أو الاجتماعيّة، فالبرود يبدو على الجميع وكأن الحياة التي تهدر غير مهمّة ما دامت لا تمتلك اسما، أو لم تتحوّل إلى جسد مكتمل.


الإسرائيلي/ العربي


كذلك يبرز موضوع الآخر الإسرائيلي الذي يمسّ العربي وبنيته الفكرية مساسا مباشرا، ففي قصة “كل هذا البياض” تشير الكاتبة إلى العلاقة بين العربي والإسرائيلي في بلاد الاغتراب وبالأخصّ ألمانيا التي تمتلك خصوصية بالنسبة إلى اليهود بسبب التاريخ النازي، لتبدو حالات من التقارب والتصالح بين اللبنانية والإسرائيلية، والتي قد تبدو مستهجنة في البداية.

لكن الاشتراك في الألم وفي التاريخ يطرح تساؤلات جديدة حول الانتماء، وخصوصا أن كلتا الشخصيتين بعيدتان عن بلديهما، وبالتالي بعيدتان عن جوّ الصراع، ما يستدعي إشارات استفهام حول ماهية التاريخ والتلقين الفكري لجذور العداوة، ومدى ارتباط هذه العداوة بالحياة اليومية لكل من العربي والآخر الإسرائيلي.

القسم الأخير من الكتاب يحوي مقترحا لمسلسل تلفزيوني مع سيناريو، هذا المسلسل بعنوان “وكالة ماريا للحبل بلا دنس” الذي يتحدث عن عيادة للإخصاب لكن دون تلقيح اصطناعي، بل بممارسة فعلية بين المتبرع وبين من تريد الحمل، والمفارقات التي يمكن أن تحدث في هذه الوكالة، تذكر الكاتبة في النهاية أن المسلسل رُفض إنتاجه من قبل قناتين ألمانيتين في عام 2006، بسبب الصورة السيئة التي ينقلها سواء عن المرأة أو الرجل حسب تبرير القناتين.

14