شراء الأصوات أخطر تحدّ يعيق الديمقراطيات العربية

الانتخابات التي تلت الثورات العربية لم تسفر عن حكومات قوية قادرة على انتشال شعوبها من بوتقة الفقر بل زادت من حدة الصراعات داخل السلطة مع تفشي الفساد.
الأربعاء 2020/09/02
رصيد الديمقراطية الحقيقي ليس في صناديق الانتخابات فحسب بل في وعي الناس

أطاحت عدة دول عربية بأنظمة دكتاتورية ودخلت حقبة سياسية جديدة، لكنها لا تزال إلى اليوم تتلمّس طريقها بصعوبة كبيرة نحو تأسيس أنظمة ديمقراطية قائمة على نظام انتخابي حرّ ونزيه يفضي إلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.

ترسم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتردّية في معظم البلدان العربية مشهدا قاتما، يبرز كيف تلاشت مطالب الديمقراطية التي نادت بها الانتفاضات العربية، وحلت محلها الاحتجاجات الغاضبة، وأعمال العنف والانقسام داخل مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام، وأيضا بين الأحزاب السياسية.

ويتفاقم الانقسام يوما بعد آخر ليزيد من تسميم الأجواء ويسبّب شروخا عميقة في المجتمعات العربية، بدلا من أن تساهم تلك الثورات في إرساء الأمن والاستقرار وتعزيز الممارسة الديمقراطية، ومحاربة الفساد والتعصب والطائفية.

ورغم الأهمية القصوى للانتخابات التي تلت الثورات العربية، فإنها أثارت الكثير من نقاط الاستفهام، مقارنة بالحلول التي قدمتها للتحدّيات التي تواجهها المنطقة.

ويرى متابعون للشأن العربي أن جميع الانتخابات التي تلت الثورات العربية، لم تسفر عن حكومات قوية قادرة على انتشال الشعوب العربية من بوتقة الفقر والخصاصة، بل زادت من حدة الضغوط والصراعات في الأطر المؤسسية التي يتفشى فيها الفساد.

فيما يقول مراقبون محليون ودوليون للانتخابات إنهم لم يعثروا على أي أدلة تكشف التزوير في نتائج صناديق الاقتراع، غير أن التأثير على نتائج الانتخابات أخذ طرقا جديدة تتجاوز حسابات صناديق الاقتراع، وذلك عبر تغيير إرادة الناخبين. ولم يعد القانون قادرا على كبح هذه الممارسات وضمان نزاهة الانتخابات، التي تمثل وسيلة لتمثيل الناخبين في هيئات صناعة القرار.

مظاهر خادعة

أحمد رشراش: المسار الديمقراطي واجه الكثير من التحديات، منها الولاءات القبلية
أحمد رشراش: المسار الديمقراطي واجه الكثير من التحديات، منها الولاءات القبلية

لكن بغض النظر عن الفائزين وصعود أسماء جديدة إلى سدّة الحكم، فإن بعض الخبراء يؤكدون أن صناديق الاقتراع انبنت على مظاهر “خادعة” ومصادر تمويل مجهولة، كما أن التصويت لم يكن نزيها ولا عادلا، بسبب انعدام تكافؤ فرص التعبير عن الرأي  بين الناخبين، إضافة إلى حملات الدعاية المضللة التي اكتسحت وسائل الإعلام ومنصات مواقع التواصل وأثرت على الديمقراطية والنشاط المدني وعمقت الشقاق الاجتماعي والسياسي، الأمر الذي هدّد حلم الشعوب العربية ببلدان يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وأصبح ينذر بتحديات أكثر قتامة على صعيد الأوضاع المعيشية والاجتماعية والسياسية.

ورسم التقرير السنوي عن حالة الديمقراطية والحريات في العالم لعام 2020، والذي تصدره وحدة البحوث بمجلة “الإيكونوميست”، البريطانية الشهيرة، صورة قاتمة عن حالة الديمقراطية، في العديد من الدول العربية، إذ احتلت تونس صدارة التصنيف عربيا (المركز 53 عالميا) تلتها المملكة المغربية (96 عالميا) ثم لبنان (المركز 106 عالميا).

وجاءت الجزائر في المركز الرابع عربيا (113 عالميا)، حيث أشار تقرير المجلة البريطانية إلى تسجيل تحسّن في وضع البلد على المؤشر بعد أن انتقل من خانة “الدول الاستبدادية” إلى خانة “النظام الهجين”، وذلك بعد استقالة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة العام الماضي.

وتقدمت الكويت مرتبتين لتحتل المركز 114 عالميا من أصل 167 في مؤشر الديمقراطية العالمي 2019، مع حفاظها على المرتبة الأولى خليجيا، وتقدمها للمركز الخامس عربيا، مناصفة مع الأردن.

وجاءت فلسطين في المرتبة 117 عالميا، والعراق في المرتبة 118، وقطر في المرتبة 128، في حين حلت كل من مصر وسلطنة عمان في المرتبة 137، والإمارات في المرتبة 145، والسودان في المرتبة 147، والبحرين في المركز 149، ثم ليبيا في المركز 156، واليمن في المرتبة 158، والسعودية في المركز 159، وسوريا في المرتبة 164.

خذلان التونسيين

نالت تونس إشادة عالمية، باعتبارها نموذج التحول الديمقراطي الناجح الوحيد بعد الانتفاضات العربية عام 2011، لكن لم تسفر العمليات الانتخابية البرلمانية والرئاسية التي جرت في البلاد بعد سقوط حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، عن تغيير جذري في مفاهيم العدالة والحوكمة الرشيدة وإشاعة الرفاهية بين التونسيين.

وتكشف الإحصائيات الاقتصادية للمراقبين، تراجع نمو الاقتصاد التونسي خلال السنوات الأخیرة بشكل ملحوظ. إذ تشير الأرقام إلى أن الانكماش الاقتصادي في البلاد، قد يصل إلى 4.3 في المئة هذا العام، وهي نسبة لم يشهدها القطاع الاقتصادي منذ الاستقلال.

وبشكل عام تشعر فئات عريضة من التونسيين بخذلان كبير من الحكومات المتعاقبة، بسبب الوضع الاقتصادي، وترى أن الأهداف التي قامت الثورة من أجلها لم تتحقق بعد وبالتالي فإن الطريق نحو إرساء الديمقراطية لا يزال حلما صعب المنال.

ويرى الصحافي عبدالحميد حمدي أن الانتخابات في تونس تتوافق عموما مع المعايير الدولية للانتخابات النزيهة والحرة، خصوصا في ما يتعلق بضمان مبدأ الشفافية والنزاهة، حيث أتاحت المجال لجميع المرشحين وممثليهم ووسائل الإعلام، والمنظمات الدولية والوطنية لمتابعة ورصد مجرى العمليات الانتخابية في البلاد.

واستدرك حمدي قائلا “لكن ذلك لا يعني أن الانتخابات في تونس لم تعرف بعض الإخلالات، ومنها حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي التي ما زالت لا ترقى إلى المستوى المطلوب”.

خرجت الجزائر من الانتخابات الرئاسية، التي نُظمت بعد استقالة بوتفليقة، بأقل الأضرار عندما فاز الرئيس عبدالمجيد تبون، بعد أن كان متوقعا أن تشهد أحداث عنف ومقاطعة غير مسبوقة

وأضاف حمدي في تصريح لـ”العرب” “ما زال المشروع المتعلق بحماية المعطيات الشخصية في نصّه القانوني الحاليّ قديم وغير مواكب للتطورات والأحوال التي تستدعي ذلك. ولا يقتصر هذا الأمر على القانون المتعلق بحماية المعطيات الشخصية فحسب، بل يمتد ليشمل مختلف القوانين والتشريعات المتعلقة والمرتبطة بالانتخابات، ما فسح المجال لبعض الأحزاب، خاصة الحاكمة لاستعمال المعطيات الشخصية لعدد من المواطنين، وجعل الهيئة المستقلة للانتخابات غير قادرة علي تسليط العقوبات المنصوص عليها في القانون على المخالفين”.

واعتبر أن الطريق لا يزال طويلا أمام بلاده للوصول إلى الديمقراطية، بالنظر إلى المال السياسي الذي تقف وراءه منظمات وجهات عالمية، ويساهم بشكل كبير في تثبيت أحزاب الإسلام السياسي في الحكم، إضافة إلى الضغوط التي تمارسها بعض الأحزاب على رجال الأعمال الفاسدين لتمويل حملاتها الانتخابية.

وأوضح “لقد وظف المال السياسي لشراء أصوات عدد من كبار السن ومحدودي التعليم، خاصة بالأحياء الفقيرة والمهمشة، وقد تم تجنيد العديد من الأشخاص لشراء ذمم الناس بطرق سرية لم تتمكن الهيئات المكلفة بنزاهة الانتخابات  من رصدها، وحتى في ظل رصد البعض منها فإنها بقيت دون دليل مادي يمكن للهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن تعتمد عليه لإنصاف المتظلمين، كما قامت بعض الأحزاب بممارسة العنف (المادي واللفظي) لتخويف العديد من الناخبين وجعلهم يصوتون لمرشح معين ويبتعدون عن مرشح آخر”.

وتظهر الدراسات الجديدة أن الخوف والتهديد والإغراء في نفس الوقت سواء بالعطايا أو بالوعود، من العوامل التي تجعل الناس أكثر استعدادا للذهاب إلى صناديق الاقتراع والتصويت، مما يعكس سلطة المشاعر بشكل عام في التأثير على التصويت للمرشحين.

صدمة الليبيين

عبدالحميد حمدي: المال السياسي وظف في تونس لشراء أصوات كبار السن والفقراء
عبدالحميد حمدي: المال السياسي وظف في تونس لشراء أصوات كبار السن والفقراء

أما ليبيا البلد المجاور لتونس، فيواجه تحديات جسيمة تكمن في انزلاقه إلى حالة من الحرب والفوضى بعد الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي وقتله في عام 2011.

ولم تشهد ليبيا سوى ثلاث عمليات اقتراع وطنية منذ ثورة 2011، وهي، انتخابات يوليو 2012 للبرلمان المعروف باسم “المؤتمر الوطني العام”، وتصويت فبراير 2014 لـ”جمعية صياغة الدستور” المنفصلة، وانتخابات يونيو 2014 لاختيار البرلمان الذي خلف “المؤتمر الوطني العام” و”مجلس النواب”، إلاّ أن هذه الممارسات الحرة لعملية الاقتراع لم تضمن توجّه البلاد نحو الاستقرار وتحقيق الإصلاح السياسي الذي من شأنه أن يحقق العدالة الاجتماعية وينتشل الليبيين من بوتقة الفقر والخصاصة.

وفشلت جميع مساعي الأمم المتحدة والدول الأورو- متوسطية مثل فرنسا وإيطاليا، في تغيير المشهد الليبي المضطرب والمعقَّد مَحليا وإقليميا ودوليا، والتأثير بشكل ملموس في الواقع الليبي.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه بعض المتابعين للشأن الليبي أهمية إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة في أقرب الآجال، لإخراج هذا البلد العربي من الأزمات التي يعيش على وقعها منذ عدة سنوات، يرى البعض الآخر أن المشهد السياسي المعقد يكشف أن صناديق الاقتراع قد تقسّم ليبيا أكثر، وهي أمور لا تؤسس للديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان.

ويرى الدكتور الجامعي أحمد رشراش، الأستاذ بجامعة طرابلس أن الشعب الليبي لم يعرف الانتخابات ولم يمارس الديمقراطية بشكل حقيقي، منذ تولي معمر القذافي الحكم في ليبيا في عام 1969، وإلى غاية الإطاحة بنظامه وموته عام 2011.

وقال د. رشراش في حديث لـ”العرب” “بدأ الشعب الليبي أول تمرين على الانتخابات وخطا أولى خطواته على طريق الديمقراطية بعد 42 عاما من حكم الفرد الواحد، لكن المسار الديمقراطي في ليبيا واجه الكثير من التحديات، لعل أبرزها الجهوية والقبلية، فعملية الانتخاب لا تقوم على أساس الكفاءة، بل على أساس القرابة أو الصداقة، ولذلك لم تتأسس تجربة التعددية الحزبية على أسس صحيحة عقب الثورة الليبية، كما لم تمارس التشكيلات الحزبية عملها بشكل طبيعي، ينضاف إلى ذلك انتشار السلاح، وتنامي نفوذ الميليشيات وتناحرها، وهذا ما أوقع البلاد في براثن المعارك التي هددت حياة بعض المرشحين للانتخابات، ممن يتمتعون بشعبية كبيرة وإجبارهم على الانسحاب”.

وأكد رشراش أن الاختلافات داخل النخبة الحاكمة في ليبيا، وانقسام البلاد إلى منطقتين، إحداهما تحكمها حكومة الوفاق الوطني في طرابلس بالشمال الغربي، التي أفرزتها مفاوضات مدينة الصخيرات المغربية ولم تحظ بإجماع الشعب الليبي، ومنطقة أخرى في شرق  بنغازي تقودها حكومة الإنقاذ الوطني المكلفة من قبل البرلمان الليبي، الذي انقسم في ما بعد إلى مجموعتين، مجموعة في شرق البلاد وأخرى في غربها، علاوة على الصراع الدولي، وجميع هذه العوامل خلقت حالة من الفوضى والصراع في ليبيا، وحادت بالبلاد عن مسار التغيير والتحول الديمقراطي.

خيبة المصريين

عمرو هاشم ربيع: تزييف إرادة الناخبين في مصر يبدأ من إعداد قوانين الانتخابات
عمرو هاشم ربيع: تزييف إرادة الناخبين في مصر يبدأ من إعداد قوانين الانتخابات

قامت ثورة 25 يناير بالأساس من أجل إنشاء نظام ديمقراطي ومجتمع أكثر عدلا وحرية وانفتاحا، لكن بعد نحو تسع سنوات من الإطاحة بحكم الرئيس الراحل حسني مبارك تبدو مصر، بعيدة تماما عن التمتع بحياة سياسية واجتماعية واقتصادية مزدهرة.

ورسمت مؤسسة “فريدوم هاوس” الأميركية، التي ترصد واقع الديمقراطية والحريات في جميع دول العالم في تقريرها لعام 2018، صورة قاتمة عن الأوضاع في مصر.

وانتقد التقرير بشدة أوضاع الحريات في مصر، مشيرا إلى ما أسماه “قمع النظام لمعارضيه، وتبني قانون جديد يستهدف تضييق الخناق على دعم المنظمات غير الحكومية”.

ويعزو مراقبون الأوضاع المتردية التي آلت إليها مصر إلى العمليات الانتخابية التي لم تكن “حرة”، بل شهدت في معظمها الكثير من المخالفات، حالت دون أن تخطو مصر خطوات ملموسة نحو الديمقراطية والانفتاح السياسي والحرية.

وقال الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بمصر، عمرو هاشم ربيع، إن تزييف إرادة الناخبين يبدأ من إعداد قوانين الانتخابات، ويأتي في الكثير من الأحيان لصالح تكتلات وقوى سياسية بعينها، وبالتالي فإن المشرّعين يحددون شكل المنافسة بين المرشحين وتضع الحكومة المصرية ضوابط عملية المنافسة ولا يمكن لأحد أن يتخطاها.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، إن ذلك ما حدث في انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة في مصر، والتي أجريت بنظام القائمة المغلقة المطلقة، وأفرزت وجود قائمة واحدة تمثل الأغلبية نجحت بكاملها في ظل إدراك باقي الأحزاب أنها لن تحصل على مقاعد وإن حصلت على 49 في المئة من الأصوات، لأنها ستذهب جميعها إلى القائمة التي تحصل على أكثر من 50 في المئة.

وأشار إلى أن المشكلة الأخرى التي تواجهها الانتخابات في مصر ترتبط بتأميم الحياة الحزبية، ووجود أحزاب موالية للحكومة من تيارات مختلفة، إلى جانب عدم مراقبة أوجه الصرف المالي خلال فترة الدعاية الانتخابية، وصولا إلى الرشاوى العينية التي تصل إلى الفقراء لدفعهم نحو صناديق الاقتراع مع استغلال انخفاض مستويات التعليم وزيادة معدلات الفقر في مناطق بعينها تشهد كثافة تصويتية.

وأوضح أن كل هذه الممارسات لا تؤدي إلى وجود مجالس نيابية تحافظ على المكتسبات التي حققتها الثورات، ويصبح الأداء ضعيفا وغير مرضي للمواطنين الذين يلجأون غالبا إلى مقاطعة الانتخابات، والعزوف عن المشاركة السياسية عموما.

انقسام الجزائريين

التقرير السنوي عن حالة الديمقراطية في العالم لعام 2020، الذي تصدره وحدة البحوث بمجلة "الإيكونوميست" البريطانية الشهيرة، يرسم صورة قاتمة عن حالة الديمقراطية في العديد من الدول العربية
التقرير السنوي عن حالة الديمقراطية في العالم لعام 2020، الذي تصدره وحدة البحوث بمجلة "الإيكونوميست" البريطانية الشهيرة، يرسم صورة قاتمة عن حالة الديمقراطية في العديد من الدول العربية

شهدت الجزائر في فبراير 2019 حراكا شعبيا مناهضا لسلطة الرئيس المريض عبدالعزيز بوتفليقة واستمرّ لحين تعليقه منتصف مارس، ونجح في الضغط على السلطة السياسية ودفع الرئيس بوتفليقة إلى التنحي في أبريل 2019.

وخرجت الجزائر من الانتخابات الرئاسية، التي نُظمت بعد استقالة بوتفليقة، بأقل الأضرار عندما فاز الرئيس عبدالمجيد تبون، بعد أن كان متوقعا أن تشهد أحداث عنف ومقاطعة غير مسبوقة، تفقدها الكثير من المصداقية، خاصة وأن تصويت الخارج، لم يكن يبشر بخير.

لكن أجواء الانتخابات لم تكن مثالية ولا حتى ملائمة في بعض المناطق، في ظل انقسام حاد بين الجزائريين، بين مؤيد ومعارض لإجرائها، وصل الأمر إلى حد التخوين المتبادل، بل واستعمال العنف من طرف البعض لإفشال الانتخابات، حيث تم حرق مركز السلطة الوطنية للانتخابات بولاية البويرة (وسط)، وإلغاء الانتخابات في ولايتي بجاية وتيزي وزو بمنطقة القبائل (وسط)، بعد تعذر إجرائها، وشهدت عدة مدن بينها العاصمة الجزائر مظاهرات معارضة لتنظيم الانتخابات.

وتنوعت آراء الكتاب والمحللين حول الانتخابات الرئاسية الجزائرية. ففي وقت يرى فيها البعض انتصارا لوجهة النظر الساعية لحماية واستدامة مؤسسات الدولة، يرى البعض الآخر أن الجزائر لم تشهد عملية انتخابية حقيقية وذات مصداقية حتى تتمكن من التصدي للتحديات الاقتصادية التي تواجهها، وتؤسس لنظام ديمقراطي حقيقي يحترم حقوق وحريات الفرد، الذي طالما حلم به الشعب الجزائري.

الانتخابية لم تكن "حرة" بل شهدت في معظمها الكثير من المخالفات حالت دون أن تخطو مصر خطوات ملموسة نحو الديمقراطية والانفتاح السياسي والحرية

وقال الصحافي الجزائري صابر بليدي إن “دخول المال الفاسد في الاستحقاقات الانتخابية، شكل أحد تجليات الانحراف السياسي في الجزائر، فلم تعد للمواعيد الانتخابية محطات لتنافس المشاريع والأفكار والخطط الإنمائية، وإنما فرصة لإشاعة ممارسات الرشوة وشراء الذمم والأصوات، الأمر الذي أفقدها قيمتها ودورها في تكريس حرية الرأي والاختيار”.

وأضاف بليدي لـ”العرب” “ارتبطت تلك المواعيد الانتخابية بتزوير إرادة الناخبين والتلاعب بأصواتهم، وباتت أيضا مرادفا لممارسات منبوذة أخلاقيا وسياسيا، الأمر الذي فاقم من حجم الهوة بين الشارع بشكل عام، وبين مؤسسات الدولة ومخرجات المواعيد الانتخابية، فصار الانعزال السياسي ملاذ غالبية الجزائريين، بدل الانخراط في مسار لا يؤتمن حتى على الصوت الذي يُدلى به في صناديق الاقتراع”.

وتابع “بالموازاة مع تراكم المصالح الضيقة بين المنتفعين (المرشح والمقترح)، لم تعد المؤسسات المنتخبة خاصة خلال العقود الأخيرة، تعكس إرادة الجزائريين، بسبب هيمنة المال السياسي على المواعيد الانتخابية، حيث تبذل أموال طائلة لشراء المناصب النيابية التي تكفل لأصحابها الحصانة والإفلات من المساءلة أو العقاب”.

سوريا والعراق ولبنان بلدان تأثرت فيها أصوات الناخبين على مدار السنين بالنزعة الطائفية
سوريا والعراق ولبنان بلدان تأثرت فيها أصوات الناخبين على مدار السنين بالنزعة الطائفية

واعتبر الصحافي الجزائري أن مسلسل الاحتجاجات الشعبية المفتوحة في البلديات والولايات وحتى البرلمان، يوحي بأزمة ثقة مستشرية في مؤسسات الدولة، التي لا تعكس إرادة واختيار الناخبين، بما أن الإدلاء بالصوت لم يعد المقياس الوحيد لإفراز من يمثل الشارع، بل إن إرادة التزوير هي التي تفرض على الناخبين من يجب عليهم انتخابهم، سواء كان ذلك داخل المؤسسات الرسمية أو الحزبية.

وشدّد بليدي على أن هيمنة المال السياسي على الاستحقاقات الانتخابية، وتغييب إرادة واختيار الناخب، هي أحد أوجه الأزمة السياسية التي تتخبط فيها الجزائر، وأبرز أسباب القطيعة بين الشعب والسلطة، حيث غدت المواعيد الانتخابية فرصة للمنتفعين ولا تعني بأي حال من الأحوال شؤون المجتمع والمصلحة العامة للبلاد.

وتمثل الحالات السابقة مجرد نماذج لواقع سياسي سائد في المنطقة العربية، لكن عند النظر في أوضاع سوريا والعراق ولبنان نجد أنها بلدان تأثرت فيها أصوات الناخبين على مدار السنين بالنزعة الطائفية.

12