شراء الذمم وبيع الضمائر

الخميس 2014/10/02

أكتب اليوم عن مشكلة اجتماعية عانت منها مجتمعات كثيرة، وضربت فيها مجتمعاتنا أرقام السبق، مشكلة لكل الأحزاب والجمعيات وحتى بعض المؤسسات بها صلة، صلة تتفاوت قوتها أو ضعفها، غالبا ما تكون ذات صلة بدواع تأسيسية عقائديّة أو حتى انتهازيّة، لا فائدة من شرحها في حديثي هذا، اعتقادا مني أنّ جماهيرنا تعرفها، أو على الأقل يُشْعرها بها حدسها الذي كثيرا ما يصدق ويخبر باليقين.

لم أذكر حتى الآن ما هي المشكلة لتأكدي من أنّ الكثيرين من القرّاء قد عرفوها. أما الذين لم يتوصلوا لحزرها، فليعلموا أنها وباء إذا تسرى في مجتمع ما، أتى عليه كما يأتي السوس على أنبل أنواع الخشب. إنه بكلمة مختصرة الرشوة، ذلك التصرف الخسيس الذي تشترى وتباع بها الذمم والضمائر، على حساب الشعوب والمجتمعات، فينخر مدخراتها وأرصدتها، ويستولي على المقود المسير فيوجه المركب وجهة تخدم صالح الراشي، وتملأ جيوب المرتشين، فتكون خسارة البلد والشعب الذي وقع فريسة.

كتبت في الأسابيع الأولى من الانتفاضة التي سمّاها الآخر “الربيع العربي” وناديت في مقالي بالانتباه إلى جمعيات تأسست في تونس، قلت إن ظاهرها خير وباطنها شر، ملاحظا بل مطالبا، كمواطن، بأن تعتني الحكومة والسلطات بالأمر، قبل أن يتفشّى الدّاء فيصعب علاجه. أشرت، إلى تمويل مشتبه فيه، تمتّعت به بعض الجمعيات، حصرتها آنذاك في عشرين جمعية، وختمته بالإشارة إلى المساعدات المشكوك في طهارتها، يقدمها أعوان أو أنصار أو جنود تلك المؤسسات الناشئة وغيرها، في المناطق الفقيرة المحتاجة من البلاد. لم تكن تلك المساعدات، بريئة ولا نزيهة، لم تقدّم لوجه الله بل هي، نوع من الرّشوة مستترة، لكسب المناصرة والتأييد، والرّشوة محرّمة دينا. فآيات كثيرة من الكتاب الكريم تنهى عنها وتحذّر من عواقبها، ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، حسب ما رواه عبدالله بن عمرو، قال: “لعنة الله على الراشي والمرتشي”.

ذهب صوتي كما قد يذهب الآن سدى، وحملته كغيره من الأصوات الرياح، رياح صَمْت الحكومة آنذاك وإهمالها، كي لا أقول تواطؤها، فانهمر السّيل وفاض، وها هي الحكومة الحاليّة تنتبه للأمر وما يتبعه من مضار وأخطار، فتوقف نشاط مئة وخمسين جمعيّة -حسبتها عشرين- “قالت إنّها خيريّة”، أوقفت نشاطها للتأكد من سلامتها تمويلا وغاية ونشاطا. كلّ هذا يعلمه الكثيرون، بما فيهم أو في مقدّمتهم، المسؤولون والمنتسبون لبعض الأحزاب، فلا نراهم يعملون بما أوصى به الدّين الحنيف الذي يدّعي بعضهم أنّه يدافع عنه. لكن، ما هو أدهى وأخطر، وأبعد عن النزاهة والطّهر، فتُدِينه كلّ المفاهيم، هو ما يرافق المساعدات المشار إليها، من بث آراء، وزرع أفكار، وجلب ميولات، أستطيع تسميتها بما عرف لدى أنظمة بعيدة عن الحرّيات والدّيمقراطية، ألا وهو غسل الأدمغة، والسّيطرة على العقول، مرورا بإطعام البطن الجائع والجسد المرهق. أين الدّين في كلّ هذا؟ وأين مفاهيم الحرّيّة، والعدالة وطهارة اليد وكلّ تلك المبادئ الرّنّانة التي ينادي بها كلّ من دب وهب فوق المسرح السياسي وغير السّياسي؟

نعلم أنّ الرّشوة واستغلال المال العام لفوائد ومصالح فرديّة أو حزبيّة، أصبح مرضا اجتماعيّا تفشّى في كثير من البلدان، ونشاهد ذلك يوميا، لا أدلّ عليه أكثر من المحاكمات المتعدّدة الجارية حاليا، في عدد من البلدان المتقدّمة المتطوّرة، ضدّ رؤساء ومسؤولين كبار في السلطة، وضدّ أحزاب ومسؤوليها، متهمين باتخاذهم الرّشوة، والاستحواذ على أموال الشعب، والحصول على تمويلات غير واضحة المصادر.

كلّ هذا يدان ولا يقبل في أيّ بلد كان، وتجب مقاومته بكلّ الوسائل القانونيّة المتاحة. لكن ما لا يغتفر البتّة، والذي يعتبر خيانة، هو قبول تمويلات أو مساعدات أو مساهمات أو هبات من خارج الوطن، ومن غير أهله، لبعث حزب أو جمعية، أو أيّة حركة مهما سمت غاياتها، لأنّ ذلك ليس سوى زيغ وبيع ذمّة وضمير، لأنّ من يموّل يحكم، ومن يحكم يوجّه، ومن يوجّه له غاية أو غايات، هي قطعا لفائدته وخدمة مصالحه.

إنّ هذا النوع من التمويل ليس سوى بحث عن كسب مودّة المستلمين، كي يصبحوا مناصرين، غيري يسميهم عملاء، وما هذه وأيم الله، سوى رشوة جماعية، ونحن في خضم انتقال، وتحوير، وتغيير، سعيا وراء الإصلاح، والقضاء على الفساد والظلم وعلى الرشوة، لأنها نوع من الظلم ورمز فساد، والإتيان على المرتشين بكلّ أشكالهم وطرقهم وأساليبهم، والوصول إلى وضع ونظام لا مكان فيه إلا للمخلص النزيه، ولا عمل إلا لصالح الوطن بمواطنيه، وكلّ هذا بشفافية ووضوح.

لا أريد التوقف هنا عند نوع من الرشوة، سُتِر بقانون أو قوانين وضعت على حساب الثورة، كالتعويض الذي أزال عن الكفاح والجهاد والوطنية كلّ قدسياتها. هل يعوض المجاهد عن جهاده وهو المتطوّع، لم يأمره أحد بما أتاه سوى ضميره وإخلاصه؟ فهل نعوّض اليوم الزعماء الثعالبي أو ثامر أو ضحايا السجومي، أو الذين استشهدوا في حرب بنزرت؟ أو أنّ الانتفاضة الأخيرة أسمى من سابقاتها؟ يجب مساعدة المحتاجين من ضحايا الظلم، أي نعم، لكن بعد الاستقرار، والخروج من المرحلة الانتقالية، التي لها أولويّات، أهمل معظمها، واعتُني بما يمكن تأجيله. إنّ الرشوة ضلال، وقبول عون الأجنبي لحكم المواطن أكثر ضلالة، والمستعين بغيره مهان، لأنّ حكمتنا الشعبيّة تقول: “المتغطّي بلحاف الناس عريان”.

أختم قائلا للذين بعون الأجنبي يهيمنون، اعتبروا بمن سبقكم في ذاك الطريق فهم كثر، واستسمح الصحفي مهدي يوسف كاجيجي الذي كتب يوم 18 سبتمبر مذكرا مواطنيه أن الاتكال على النفس خير من الاتكال على هذا وذاك، لأنّ الآخرين يصنفون غير حلفائهم القلّة تحت تصنيف العملاء. ثمّ يقول “وليتذكر جماعة الرز واللحم أن أصحاب التفكير من الشِّمال إلى اليمين، لا قلب لهم، والعلاقات تستمر لديهم باستمرار المصلحة. شاه إيران كان ابن الغرب المدلل، وصاحب عرش الطاووس. لكن عندما انتهى دوره، تسللت طائرته على ممرّ مظلم، وانطلقت تجوب مطارات العالم، تبحث له عن تأشيرة دخول و قبر يدفن فيه، فلم يرحمه سوى زعيم من بلد مسلم، يفكر من اليمين إلى الشِّمال”.

إنّ الماسك بالسّلطة، أو الرّاغب في الوصول إليها في البلاد المسمّاة نامية، يجب أن يكون مربّيا لا حاكما، والمربّي قدوة وأمثولة. إننا على أبواب تحوّل شبيه بمغامرة، فقد حان وقت الوضوح والصّدق والصراحة! فلنترك الدين لأهله وأهل العلم به، ولنبتعد عن التبعية، ولنجهر بصوت عال بالسبيل المتّبع والوجهة المقصودة، فنحن في عهد الحرّيّة والشّفافيّة، ولا نريد بأي حال، إبدال ظلم بآخر، أو فساد ظاهر بمثله مقنع، تستره قوانين.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9