شرارات المونولوج لا تكفي لإشعال "ديودراما" ناضجة

الحياة تحضر كمهزلة موجعة في مسرحية "نهاية الحب" المصرية الفرنسية.
الاثنين 2019/10/28
إشارات وانفعالات وإيماءات مكرّرة

يبقى التجريب في ميدان المسرح اجتهادا يستحق الالتفات والتحليل، لكنه يبدو أحيانا وقد صار بحد ذاته مقصدا غائيا طاغيا على عناصر المسرحية المتناغمة ولوازم الاشتغال ومقتضيات الصناعة الفنية، وهذا ما وسم مسرحية “نهاية الحب” المصرية- الفرنسية، المعروضة أخيرا بالقاهرة.

القاهرة – يفتش المسرح الطموح عن فضاءات جديدة لكسر النمط السائد، وقد ينجح أحيانا ويخفق في أحيان أخرى، لكنه لا يكفّ عن المغامرة، وهذا المسعى المحموم إلى التطوير مشحون بالإثارة دائما، ومصحوب بالجدل والأسئلة.

وفي هذا الإطار التثويري المتمرّد على أبجديات العُلبة المسرحية التقليدية، بما قد يحمله هذا التوجه من جنون وشطحات وإخلال بتوازن العملية المسرحية المحبوكة، عرضت مسرحية “نهاية الحب” المصرية- الفرنسية على مسرح الفلكي بالجامعة الأميركية في القاهرة في خمس ليال متتالية.

نزع الدسم

بعشر لغات حول العالم قُدّمت مسرحية المؤلف والمخرج الفرنسي باسكال رامبير منذ إطلاقها في مهرجان “أفينيون” العالمي قبل ثماني سنوات، فكيف كانت ثمرة تعاون “رامبير” مع فريق المصريين والفرنسيين لإنتاج النسخة العربية في ظهورها الأول، باللهجة العامية المصرية؟

لم يخل النص المعاصر من أصداء تقليدية، بالتعويل على فكرة محاكمة مؤسّسة الزواج، وتأثير المشكلات والمنغّصات والضغوط على “كائن الحب” بين رجل وامرأة، وصولا إلى اغتياله، واغتيال طرفي العلاقة معا.

أما المعالجة الحداثية، فقد خرجت بأقصى طاقتها عن المألوف والمتوقّع، بما وجّه دفّة المحاكمة إلى المسرحية ذاتها وصنّاعها في نهاية الأمر، لتقييم ما أفرزوه.

فتحت المسرحية كل بوابات الخلط بين الأمور والمسمّيات والتعريفات، عن عمد في أغلب الأحوال، وربما دون قصد أحيانا أو بسبب الانجراف الشططي وتداعيات اللاوعي وغياب الحسابات، وأول ملامح هذا الخلط مزج الحقيقة والخيال، فالبطلان زوجان بينهما صراع ولحظة مواجهة حاسمة سوداوية، وهما كذلك ممثلان مشاركان في مسرحية ملهاة مأساوية (كوميديا سوداء) من بطولة زوجين متناحرين، وعليهما الاستمرار في العمل وتقمّص دوريهما المرسوم لهما حتى النهاية.

ولدت المسرحية من رحم التصوّر القائل إن الحياة مهزلة موجعة من الواجب خوضها حتى إسدال الستار، وتوالى سيل خلط الأوراق والمفاهيم والجمع بين التناقضات، وربما الرقص على السلالم، على امتداد العرض، الذي استمر ثمانين دقيقة في منظر واحد أقرب إلى الاستاتيكية والتحنيط والتجمّد.

نفي الديكور والحركة والموسيقى والمؤثرات خارج المشهد مغامرة غير مأمونة العواقب، حمّلت الممثلَين ما لا طاقة لهما بحمله

ومن أخطر مطبّات الخلط في النسخة العربية لمسرحية “نهاية الحب”، من ترجمة شادي الحسيني وتمثيل محمد حاتم وناندا محمد وديكور دانيال جينيوتو وإضاءة صابر السيد، ذلك الاتكاء الدائم على نزع الدسم بشكل كامل باعتباره الإجراء الصحي المفيد في كل الحالات والوصفات الفنية والتعبيرية والجمالية، وهذا تعميم قاد إلى الفجاجة والتسطيح في مواضع ليس من سبيل إلى استقامتها بغير الزخم و”الطهو المسبوك”.

وعلى أرضية بيضاء كالثلج، مفرّغة من كتل السينوغرافيا ومفرداتها، وبالقرب من حوائط سوداء مثل ليل أبدي لا ينجلي، واجه الحبيبان بعضهما البعض بخناجر “الكلام” الأحادي وطلقات العبارات المتتالية من أحدهما للآخر بالتتابع ودون رد، وذلك من وضعية الوقوف والاقتراب البطيء، كل واحد صوب الآخر، مع اقتصار الحركة على الانحناءات الهادئة الرامزة إلى التهدّم والسقوط والانهيار أثناء تلقّي الطعنات، والإشارات الجسدية الحساسة الدالة، بالتوازي مع آليات استعمال الشخصيتين للغة وتفجير الانفعالات والإيماءات والاكتفاء بهذه القدرات الذاتية كوسائط لتوصيل النص. جاء نفي الديكور والحركة والموسيقى والمؤثرات الصوتية وخلخلات الإضاءة والتعتيم وغيرها من التقنيات والوسائل والحيل والقدرات المسرحية المعروفة خارج المشهد بمثابة مغامرة غير مأمونة العواقب، إذ تحمّل الممثلان مسؤولية مضاعفة فاقت قدراتهما والإمكانات البشرية الفردية المرجوّة عموما في بناء كيان مسرحي مُتناسق الأركان.

ومثلما أن الهشاشة والرهافة ودموع لحظات الانكسار، على ما فيها من مصداقية ولمحات تأثيرية وخصوبة إنسانية، ظلت مجرد ومضات منفردة حائرة، غير منتظمة بخيوط درامية في سياق عمل مسرحي، فإن شرارات “المونولوجات” الإفضائية المطوّلة حدّ الملل، المتبادلة بين الزوجين المتصلين ظاهريا المنفصلين إكلينيكيا، لم تتمكّن بدورها من إشعال “ديودراما” قائمة على الحوار والصراع المتنامي والمواجهة الأدائية الساخنة بين الشخصيتين.

ولربّما تذرّع العرض في اعتماده البرود والصمت الثقيل والبطء في تصوير الانعكاسات وردود الفعل برغبته في تجسيد صقيع الواقع وجمود الحياة وتبلّد المشاعر ومدى التحجّر الذي بلغه الزوجان في مواجهة كل شيء مهما بلغت قسوته، لكن النقل الفني لهذه المعطيات والأفكار والأحاسيس جاء ميكانيكيا، بما أوقع العرض ذاته في مدارات السكون وانعدام الجذب ولامبالاة المتلقي.

تبادل الأدوار

انقسمت مسرحية “نهاية الحب” ضمن مشهد واحد، إلى مناورتين أو معركتين أو حربين صغيرتين، ففي البداية التزمت الزوجة الصمت، ليشن الزوج غاراته عليها كاشفا رؤيته ومونولوجه الداخلي المعبّر عن أسبابه وتصوّراته حول انتهاء حبهما واستحالة استمرار علاقتهما، وجاءت كلماته سلسلة من الاتهامات الفادحة والواضحة كشفرات سكاكين حادة، كلما تراكمت انهار جسد الزوجة وسقطت أرضا من فرط الألم وشدة التجريح.

وفي القسم الثاني، انقلبت الآية، وتبادل الزوجان مكانيهما على المسرح، وبنت الزوجة دفاعاتها على نقاط الضعف ومواضع الكذب في حديث زوجها، فألقت عن نفسها اتهاماته، وسدّدت هي بدورها طعناتها له في محل مناقشتها أسباب انفصالهما ومسؤولية كل واحد منهما عن ضياع الحب وتعقيد الأمور إلى هذا الحد، لتكتمل الرقصة الذهنية العاطفية باتفاقهما معا على إنهاء العلاقة الجسدية والروحية بالانفصال، والاستمرار في عملهما المشترك كبطلين للرواية التي يمثلانها معا، في حين أنهما اختلفا حول مصير أبنائهما، فكلاهما متمسك بحقه في كل ما يخص الأبناء مستقبلا، بما يعني امتداد دائرة الصراع حتى بعد الافتراق.

أضعفت بنية تبادل الأدوار كثيرا من عوامل نضج العرض، ففرق كبير بين أن يتجاور مونولوجان ذاتيان مُسهبان كنافذتين لإطلالة كل من الشخصيتين على الآخر، على نحو أقرب إلى النجوى أو سيولة الضمير بحرية من دون مقاطعة أو مراجعة أو توقف حتى لالتقاط الأنفاس أو التشكيك في الخطاب اليقيني المطلق، وبين أن يدار الصراع من خلال حوار متوتّر ومواقف متنامية، خصوصا أن لحظة اشتباك واتهامات عميقة متبادلة كهذه (أنتِ باردة/ أنتَ مقرف، لوّثت الهواء) لم تكن لتحتمل مثل هذا الصمت من الطرف الذي يتلقّى اللكمات العنيفة الموجعة.

إن مسرح الثنائيات “الديودراما” كان الأقرب لاستيعاب نص “نهاية الحب”، لو خلا العرض من الكورال الغنائي المقحم في منتصفه “بتغني لمين يا حمام”، دون أي داع أو إضافة فنية، وكذلك لو تم بناؤه وفق ضوابط “الديودراما” وليس خصائص “المونولوج” (الحديث المطول لشخصية مسرحية)، أي أنه كان يجب ملء الفجوات المسرحية بالحركة الجادة والحوار المتواصل والانتقالات والمواجهة الأدائية والمواقف المبرزة للتناقضات والتحوّلات النفسية والتصعيد الدرامي الخلاّق.

مسرحية “نهاية الحب”، تمكنت بجسارة من الغوص في ضريح الوهم لتعرية الذات الإنسانية التي لم تعد تتحمل جذوة العشق المتقدة (كفانا بكاء.. صار حبنا جثة وحياتنا سجنا)، لكنها في الوقت نفسه سقطت في اختبار الفن الصعب فريسة لأوهام شتى تحت عنوان التجريب الفضفاض.

17