شرار ثورة على حكومة العبادي يتفاعل تحت رماد تفجير الكرادة

تداعيات التفجير الدامي الذي هزّ منطقة الكرادة تأبى أن تنتهي رغم محاولات حكومة العبادي تطويقها بإجراءات سريعة من منطلق خوفها من أن يغدو التفجير بمثابة القطرة التي تفيض كأس الغضب الجماهيري، والشرارة التي تطلق ثورة تجرف النظام القائم.
الجمعة 2016/07/08
الحزن يترك مكانه تدريجيا للغضب

بغداد - شدّدت قوات الأمن العراقية من إجراءاتها في بغداد وعدد من مدن جنوب البلاد استعدادا لتظاهرات يتوقّع أن تخرج الجمعة بمشاركة الآلاف من المحتجين الغاضبين من سقوط عدد كبير من الضحايا في تفجير غير مسبوق في شدّته كان قد ضرب فجر الأحد الماضي منطقة الكرادة في العاصمة العراقية، ولا تزال حصيلة قتلاه تسجل ارتفاعا بفعل كثرة عدد الجرحى، وانتشال المزيد من الجثث من تحت الرماد وركام المباني التجارية التي انهارت بالكامل.

وعلى مدار الأيام الماضية، وحتى الخميس، لجأت قوات الأمن إلى استخدام الغاز المسيل للدموع ضدّ متظاهرين يتزايد عددهم باضطراد، منذرا بتحوّل الاحتجاجات إلى ثورة شعبية عارمة ضدّ النظام القائم في البلاد على المحاصصة الطائفية بقيادة الأحزاب الشيعية والذي أثبت على مدار 13 سنة فشله التام على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما فشل في حماية البلد أمنيا والحفاظ على أرواح مواطنيه.

وكشف التفجير الذي شهدته منطقة الكرادة عن مدى الارتباك في الأداء الحكومي في مواجهة تداعيات التفجير، حيث عجزت حكومة العبادي عن توضيح ملابسات الحادث، وكيفية تسلّل الانتحاريين إلى مناطق شديدة التحصين، ما جعل عراقيين يذهبون حدّ الشكّ في أن التفجير من تدبير إحدى الميليشيات المتنفذة بهدف تصعيد وتيرة الصراع الطائفي في البلد.

وبدت الحكومة العراقية والأطراف الفاعلة فيها خصوصا من الأحزاب الشيعية، مستشعرة لخطورة الوضع، وحاولت تطويق الغضب الجماهيري عبر اتخاذ جملة من الإجراءات السريعة، أبرزها تقديم وزير الداخلية، محمّد سالم الغبان، بدفع من منظمة بدر التي ينتمي إليها استقالته من منصبه، بعد أن اتجهت أصابع الاتهام من قبل المحتجين بشكل مباشر لوزارة الداخلية بالتقصير في حماية العاصمة، وبالمسؤولية عن مقتل وجرح المئات في تفجير الكرادة.

وفي أحدث حصيلة للقتلى في التفجير الانتحاري الضخم الذي تبناه تنظيم داعش، أعلنت وزارة الصحة العراقية الخميس في بيان ارتفاع عدد القتلى إلى 292 قتيلا.

وأوضحت وزيرة الصحة عديلة حمود في بيان وزعه مكتبها الإعلامي أن عدد الجثث التي سلمت إلى أهل الضحايا بلغ 115 جثة، فيما يبلغ عدد الجثث المشوهة التي تجري تحاليل لتحديد هويتها قبل التسليم 177 جثة.

العجز الحكومي عن تقديم تفسير مقنع لما حدث بالكرادة وجه الشكوك نحو الميليشيات الشيعية المتنفذة

وجاء التفجير ليوسّع الشرخ بين الحكومة والمواطنين وليضيف سببا آخر للغضب الذي ما فتئ يتصاعد في الشارع العراقي مع اشتداد الأزمة وظهور تأثيراتها بشكل جلي على مختلف مظاهر الحياة في البلاد، من شيوع الفقر والبطالة إلى تردّي الخدمات، وانتشار الفساد إلى انعدام الأمن.

وتبدو حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي مقبلة على أشهر بالغة الصعوبة بفعل العجز عن تلبية أي من المطالب التي خرج المحتجون لأجلها إلى الشارع قبل ما يقارب السنة.

ونقل عن مصادر نيابية عراقية قولها إنّ دوائر مقرّبة من رئيس الوزراء نبّهت الأخير إلى ضرورة الاستعداد لمواجهة ثورة شعبية بكل الطرق، بما في ذلك استخدام القوّة لتطويق الغضب المتنامي في الشارع.

ووفق المصادر ذاتها، فإن الدوائر المذكورة بنت توقّعاها على الحساسية الشديدة التي أصبح عليها الشارع العراقي إزاء سقوط قتلى وجرحى في التفجيرات التي ظهر بجلاء، وعلى مدار سنوات طويلة، عدم وجود أي إمكانية لمنع حدوثها.

ويضاعف من حرج الموقف الذي بات يواجهه نظام الأحزاب الدينية القائم في العراق في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي للبلد وإسقاط نظام حزب البعث بقيادة صدام حسين، أنّ الغضب الجماهيري يأتي من المناطق الشيعية، في العاصمة بغداد وكبرى مدن الجنوب، والتي يعتبرها ذلك النظام خزّانه البشري.

كذلك ساهمت الأزمة المستفحلة في العراق وما تجرّه من غضب جماهيري، في توسيع الخلافات بين أفرع وأجنحة النظام ذاته، وفي تصعيد الصراع على السلطة بين كبار رموزه.

وخلال الأشهر الماضية، برز رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر الذي يتزعّم التيار الصدري، كقطب كبير منافس على السلطة، عبر توظيف موجة الغضب الجماهيري بمحاولة تزعّم الحراك الاحتجاجي.

ووجّه الصدر أصابع الاتهام إلى أنباء عائلته السياسية الشيعية بالمسؤولية عن تفجير الكرادة، متهما وزير الداخلية المستقيل سالم الغبان بـ”تمثيل أجندة خارجية”، ومهددا بـ”وقفة سياسية معه”، وداعيا إلى “كبح جماحه”.

ويرى متابعون للشأن العراقي، أن رهان الصدر على توظيف الغضب الشعبي في صراعه على السلطة وفي مقارعة خصومه السياسيين بمثابة “لعب على حافة الهاوية”، ينطوي على مجازفة كبرى بانفلات ذلك الغضب من الرقابة والتوجيه وتحوّله إلى ثورة شعواء تجرف الجميع بمن فيهم الصدر ذاته كجزء من النظام الطائفي المسؤول عن الكوارث المتلاحقة التي ما انفك العراق يتعرّض لها.

3