شراع المهمشين والبسطاء يرحل في العاصفة

ضجة كبيرة أثارها نبأ وفاة الروائي والأديب السوري حنا مينه عن عمر ناهز 94 عاما، حيث رحل تاركا خلفه إرثا ضخما من الأعمال الأدبية.
الخميس 2018/08/23
التجربة هي كل شيء

صحيح أن حنا مينة طالب في وصيته بألا يحزن أحد على رحيله، قائلا “عمّرت طويلا حتى صرت أخشى ألا أموت، بعد أن شبعت من الدنيا، مع يقيني أنه لكل أجل كتاب”، مطالبا عدم إذاعة خبر وفاته، بسيطا كان وبسيطا خيّر أن يرحل، تاركا خلفه إرثا روائيا كبيرا يضعه في صدارة الروائيين العرب خاصة في تأثيره الكبير على أجيال متعاقبة، رحل مينة الذي لخص تجربته في وصيته قائلا “كل ما فعلته في حياتي معروف، وهو أداء واجبي تجاه وطني وشعبي، وقد كرست كل كلماتي لأجل هدف واحد: نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض”. جسد مينة لم يعد بيننا، لكن آثاره وتأثيره سيبقيان أبدا، كلما نظرنا إلى البحر أو أصابنا هوس بالبحث عن ذواتنا عارية بين الحكايا الحية.

دمشق - بعد أربعة وتسعين عاما، قضاها في متاهات شظف العيش والتشرد والحرمان، ثم الكتابة والسياسة والسجن والنفي والشهرة. يرحل حنا مينة، تاركا وراءه ما يناهز الخمسين كتابا، كان معظمها في فن الرواية. وهو كثيرا ما كان يردد بأن الرواية العربية ستكون ديوان العرب القادم، وهي التي ستسجل ما يدور في العالم العربي من أحداث للتاريخ القادم.

أعمال وروايات

ولد حنا مينة في اللاذقية عام 1924. في بيت لم يكن مستقرا، فهو الرابع بعد ثلاث إناث كانت لوالدتهن كوارث اجتماعية في ذلك الزمن الصعب والمتخلف، ثم جاء الطفل حنا، الضعيف العليل، الذي وجدت فيه والدته الكثير من البهجة والسعادة، ولكن الحياة لم تعط هذه الأم وكذلك الزوج غريب الأطوار وكثير السفر مزيدا من الهناء. وكانت نكبة سلخ لواء إسكندونة، أيام الاحتلال الفرنسي، واحتلال الأتراك المنطقة وتهجيرهم لأهلها، فقام برحلة قاسية في براري المنطقة، حتى وصل إلى مدينة اللاذقية، وعاش فيها، متنقلا بين أنواع عمل كثيرة، فعمل حلاقا على باب ثكنة عسكرية، ثم كاتبا للعرائض على باب المحكمة، إلى أن عمل في البحر، وسافر على متون السفن إلى أعالي البحار وتعلم من البحر الشيء الكثير. وأثناء كل ذلك عمل في السياسة، وقام بتوزيع المناشير السياسية ضد الاحتلال الفرنسي، فلوحق وسجن، كما تعرض للسجن مرارا في أوقات لاحقة.

كتب مينة في الصحافة أولا، ثم وضع مسرحية ضاعت، ثم كتب في فن الرواية، وهو الفن الذي استهواه وقدم فيه معظم أعماله، ولكنه لم يكتب بيتا واحدا في الشعر، رغم أنه كان يحفظه ويردده وكان معجبا بشعر المتنبي وبدوي الجبل والجواهري.

عمل في بيروت لفترة قصيرة عام 1948 ثم عاد واستقر بدمشق، حتى نهاية حياته، انتسب للحزب الشيوعي السوري، ثم استقال منه بعد خلاف مع زعيمه خالد بكداش. كما عمل مينة مستشارا في وزارة الثقافة في عهد الدكتورة نجاح العطار لمدة تجاوزت الخمسة عشر عاما. ألف ما يزيد عن الأربعين رواية، وصلت خمس روايات منها إلى السينما، التي جسدت له “اليازرلي”، إخراج قيس الزبيدي عن رواية “على الأكياس″، ثم رواية “بقايا صور” للمخرج نبيل المالح، ثم فيلم الشمس في يوم غائم وآه يا بحر عن رواية “الدقل” للمخرج محمد شاهين وأخيرا الشراع والعاصفة للمخرج غسان شميط. وكل الأفلام من إنتاج المؤسسة العامة للسينما.

كما نقلت الدراما التلفزيونية ثلاثة أعمال له هي “بقايا صور” و”المصابيح الزرق” و”التجربة الأولى نهاية رجل شجاع″ التي تعتبر نقطة انعطاف في تاريخ الدراما العربية.

الأديب الحي

حنا مينة يترجّل عن صهوة البحر
حنا مينة يترجّل عن صهوة البحر

تميز أدب حنا مينة بالواقعية، وبالنفس الإنساني العميق الذي يعبر عنه، وكان هاجسه الأول الكتابة عن معاناة الناس وتصوير مظالمهم. يكتب حنا مينة عن نظرته للأدب قائلا “كيف يكون الأديب من لحم ودم، وليس من حبر وورق، وأدركت ألا شيء يجعل الأديب حيا، مثل أن يباشر الأحياء، ويخرج من وحدته البودليرية التي لا تتيح سوى السقم والأشباح، وأن التجربة بأوسع وأعمق معانيها، بكل أخلاقيتها ولا أخلاقيتها، هي التي تكسو هيكل الأديب باللحم، وهي التي تجعل الدم يجري في شرايينه، وبذلك تؤهّله لأن يكون خالقا حيا. يخلق شخوصا أحياء يعيشون بيننا، ويتنفسون هواءنا، ويكونون صورة عنا، حتى إذا عايشناهم في الكتب قلنا: هؤلاء هم نحن”.

علاوة على كتاباته الأدبية المختلفة والمؤثرة في مختلف الفنون الأخرى، كان لحنا مينة دور فاعل في تأسيس رابطة الكتاب في سوريا مع العديد من الأسماء الأدبية في الخمسينات من القرن الماضي، مثل حسيب كيالي، صلاح دهني، مواهب كيالي وغيرهم. وكانت الرابطة البذرة الأولى لتأسيس اتحاد الكتاب العرب لاحقا.

ترجمت رواياته إلى تسع عشرة لغة أجنبية، فـ”المصابيح الزرق” التي تعد أولى رواياته تُرجِمت إلى الروسية والصينية، وترجمت “الشراع والعاصفة” إلى الروسية والإيطالية، أما “الثلج يأتي من النافذة” فقد ترجمت ودرست في السوربون بفرنسا لطلاب القسم العربي، وقامت منظمة اليونسكو بترجمة “الشمس في يوم غائم” إلى الفرنسية، كما تُرجِمَت إلى الإنكليزية في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة الأميركية، وتُرجِمَت روايته الشهيرة “الياطر” إلى الفرنسية والإسبانية والرومانية. أما رواية “بقايا صور” فترجمت إلى الصينية والإنكليزية في واشنطن والفارسية والألمانية. فيما “المستنقع″ تُرجِمَت إلى الفارسية، و”حكاية بحار” إلى الروسية. كذلك ترجمت روايته “البحر والسفينة وهي” إلى النرويجية.

خلال تجربته الأدبية الفارقة حصل حنة مينة على جوائز أدبية عديدة منها جائزة المجلس الأعلى للثقافة والآداب والعلوم بدمشق عن رواية “الشراع والعاصفة” عام 1968. وجائزة سلطان العويس من الدورة الأولى عام 1991 على عطائه الروائي. إضافة إلى جائزة المجلس الثقافي في إيطاليا التي فازت بها رواية “الشراع والعاصفة” عام 1993. وجائزة الكاتب العربي. التي منحه إياها  اتحاد الكتاب المصريين بمناسبة مرور ثلاثين عاما على تأسيسه. فيما نال وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة.

غوركي العرب

أدب مينة تميز بالواقعية، وبالنفس الإنساني العميق الذي يعبّر عنه
أدب مينة تميز بالواقعية، وبالنفس الإنساني العميق الذي يعبّر عنه

كتب الشاعر والمترجم السوري محمد علاءالدين عبدالمولى قائلا “حنا بن مريانا البحريّ، الذي سوسحَ القرّاء، وسفّرهم في رحلة الشتاء والصيد، الفتى الحلاّق الذي أمسك في النهاية بلحية البحر ومشّطها وزيّنها وأعدّها لعرس آلهة الماء وحوريات خمارات الواقع والحلم”.

وأضاف “حنا بن مريانا مات أخيرا. تحيط به حسراتنا في أنْ لو أفردنا له حزنا خاصا يليق به، حزنا جليلا يلائم سيرته فينا، سيرته التي أخذت بألبابنا ومراهقتنا وجمّلت وعينا ورفعتنا من ثمّ إلى مصابيح الله الأعلى. لكن حنا مات والبلاد كلها حوله تموت، وقد استنفدت ما خزنّاه من أحزان. أمّا وقد ترجّل مختار البحار عن موجته الأبهى، أمّا وقد أغلق خمّارته البحرية على ما فيها من أغان ورقصات وأجساد وآلام، أمّا وقد أنزل الشيخُ السماء الأخيرة فوق سفينته، فيحقّ له علينا أن نفرد له رغم هذا الحزن العموميّ، حزنه المصنوع من فرحه. حقه علينا أن نشيّع مشوارا طويلا لن يتوقف بموته، الرجل الذي عمّر له في جغرافية الرواية عمارته الخصوصية وسجّلها باسمه، لن تنتهي موسيقى خطواته ونحن نتمشى في مشارق ومغارب السرد الممتع الحلو اللذيذ المفرط في نهنهة القلب ورفرفة السرور”.

وتابع عبدالمولى “مات حنا بيّاعُ اللغة على السّاحل السوري، لغة الملح والسمك والنغم وماريا والطرسوسي، لغة القوة الروحية والفرح المقاوم، اشترينا منه الأمل ومضينا نرشو الليالي بصفحات من حكاياه، اشترينا منه ملامح نهود بحرية تغار منها أيقونات الشرق، وذهبنا نبحث عما يشبه نساءه في الواقع. رشّ علينا حلاّق اللغة مسكَ البداية وكان يا ما كان، جلسنا في دكانته السمائية وهو يصدر أصوات مقصّه اللغويّ جذلا مبتهجا بأنه يخلق قصّات حديثة راحت مثلا في سوق الرواية”.

أما الكاتب الفلسطيني يحيى يخلف فاعتبر أن حنا مينة هو سنديانة الرواية العربية، ومن أعظم الروائيين العرب، ملقبا إياه بنجيب محفوظ بلاد الشام.

وقال يخلف “عاش حنا مينة الأزمان الجميلة وعاش زمن الحرب واللجوء والمنافي. أخلص للكتابة وكرس للسرد سنوات عمره.عرفته عن قرب في دمشق في أواخر السبعينات وتوطدت بيننا الصداقة وبعد رحيلي من دمشق التقيته في مناسبات ثقافية عديدة في بلدان عربية. قرأت أعماله وتعلمت من جماليات روحه وعذوبة حكاياته التي تتدفق بلا انقطاع″.

وذكر الصحافي والإعلامي العراقي علي حسين أنه كان على حنا مينة، صاحب الـ840 شخصية روائية، وما يقارب الـ50 كتابا، أن يعيش أكثر من 90 عاما ليتحقّق له العيش كما أراد، فهو منذ أن كتب وصيته قبل عشرة أعوام في 18 أغسطس 2008 والتي طالب فيها بعدم نشر خبر موته، وأن لا يقام له سرادق عزاء وتأبين، يعرف جيدا أن لا أحد باستطاعته تنفيذ وصية إنسان شكلت حياته وأعماله وجدان وذائقة الملايين من القراء على مدى أكثر من نصف قرن، ولهذا كان يضحك صباح كل يوم وهو يقرأ خبر نعيه في إحدى الصحف، ويردد ما قاله له صديقه الشاعر التركي ناظم حكمت ذات يوم “الحياة لا تريد أن تتركنا نعيش في هدوء يا صاحبي”.

ويتابع حسين اعتاد مينة أن يستيقظ في الخامسة صباحا، يجلس وراء المكتب الصغير وخلفه شهادة الابتدائية التي حصل عليها عام 1932، يعتز بها لأنها الشهادة الدراسية الوحيدة التي حصل عليها، وإلى يمينها إجازة العمل كحلاق مؤرخة 1942، وبينهما صورة لمكسيم غوركي بشاربه الكث فقد قال “عندما قرأت كتاب طفولتي لغوركي أيقنت أن حلاقا مثلي يمكن أن يصبح كاتبا”، فحياته كأديب تبدأ عندما يهديه أحد رفاقه في الميناء نسخة ممزقة من رواية “الأم ” لمكسيم غوركي.

وختم حسين شهادته كاتبا “يغادر حنا مينة عالمنا، بسلطة الحكيم، وبشعر أبيض، وجهاز للسمع، ونظر ضعف في السنوات الأخيرة، وبتلك اللمعة الطفولية، المشاغبة، الضاحكة في عينيه. تاركا ما يقارب الـ50 كتابا والمئات من المقالات عن الأدب والحياة، والأهم تاركا لنا سيرة حياة مضيئة، متصالحة مع النفس والناس ورافضة للظلم وكارهة للفقر الذي ظل محفورا في ذاكرته، محولا الصبي الصغير إلى كاتب يسير بخطواته الكبرى إلى الأمام. بفضل عشقه للحقيقة والكتب والناس″.

أما الشاعر العراقي عبدالعظيم فنجان فكتب قائلا “صدمني خبر رحيل حنا مينة، الروائي السوري العظيم، الذي سلب لبي في بدايات تطلعي الأدبي، حتى أني لم أترك له عملا يصدر دون أن أبحث عنه. رفيقي وصديقي، الذي لا يعرف، والذي أنقذتني روايته العظيمة “الشمس في يوم غائم” من انكسارات وتمزقات فكرية وأيديولوجية في أواخر السبعينات. صاحب اللغة الساحرة، أبي الساحر السري، ولي أمر سعادتي وحزني وحبي، مات. وغصة كبيرة في صدري”.

راوي البحر

هاجس مينا الأول هو الكتابة عن معاناة الناس وتصوير مظالمهم
هاجس مينا الأول هو الكتابة عن معاناة الناس وتصوير مظالمهم

كتبت الأكاديمية والناقدة التونسية سلوى السعداوي إلى روح حنا مينة قائلة “فكّرت، قبل رحيلك، أن أثير تيمة ‘البحر’ في مسألة النقد الموضوعاتي هذه السنة 2018-2019.. واخترت الاشتغال بنصوصك لعمق دلالاتها وفتنة عوالمها السردية. وها أنّك تغادرنا. تذكرت وصيّتك بألاّ يبكيك أحد فلم أبك بل حزنت حزنا شديدا. رحلت أيا نصير البؤساء في الأرض. أيّها الرجل الشجاع في الحياة لم تنته قصّتك في كلّ ما كتبت.. وهواجسك في التجربة الروائية وفي ‘كيف حملت القلم’ عرفتها وخبرتها وتأثرت بها”.

وذكر الكاتب السوري بدرالدين عردوكي “كنا أصدقاء. قرأته وأعدت قراءته. وحاورته حول رواياته مرّتين. المرة الأولى، بدمشق. أقبل علي بلا تردد. وفي المرة الثانية، بباريس، طلب أن يقرأ أسئلتي أولا. كتبت له أسئلتي وتواعدنا في اليوم التالي. جاء متأخرا عن الموعد ساعة كاملة واعترف لي بأنه تردد في المجيء بعد قضاء ليلة لم ينم خلالها بسبب الأسئلة. لكن صديقة مشتركة حثته على المجيء. فجاء حاملا إجاباته التي نشرتها يومها في مجلة اليوم السابع وأعاد هو نشرها كما نشر الحوار السابق في أحد كتبه. أرى أن أفضل رثاء له سيكون قراءته ثانية وثالثة أو، إن أمكن، الكتابة عن منجزه الروائي وسأفعل”.

أما الكاتب الأردني موسى برهومة فذكر أن “الوصيّة الوداعيّة التي تركها الراحل حنّا مينة تعبّر عن كبرياء هذا الأديب السوريّ الذي اختار البقاء في الظل، فشعّ نوره، وبلغ قلوب المحبّين والمعذّبين الذين انتسب إليهم، وظلّ وفيا لخفقاتهم حتى أنفاسه الأخيرة. أوصى صاحب رواية ‘نهاية رجل شجاع‘ بألا يُعلن نبأ وفاته في وسائل الإعلام، ولكنّ ذلك لم يتحقّق، فكيف لمن أثّث الرواية العربيّة بجماليّات البحر والرحيل أن يظل نبأ رحيله طيّ الكتمان في عالم انفجار المعلومات وتشظّيها؟”.

ودونت الكاتبة السورية رباب هلال شهادتها “حنّا مينة… مات. الوقت مساء. أوصد الباب خلفي، كأنما أوصده على ذاكرتي الذهبيّة. ذاكرتي الخضراء، بقايا صور بعيدة عن الحرب. أتبعثر في زواريب جرمانا وأزقّتها، أبحث عن وجوه من كتبْتَ عنهم، عن أبنوسة بيضاء تسطع، عن مصابيح زرق تضيء حلما سوريا جديدا. أبحث عن الطروسي، لا بحر في جرمانا، وإذا لن يكون الياطر هنا ولا المرسى.

ولكن وجوه البشر حولي أعرفها، منذ يفاعتي. الباعة، الحلاقون، السائقون، المشرّدون، والحيارى الباحثون عن نافذة تشرق منها شمس ما، جميعهم قرأت عنهم ورأيت صورهم… أرجع إلى البيت، تعانقني الوجوه في جرمانا وأعانقها، بينما تحضنني صفحات روحك العظيمة، يا راوي البحر والإنسان والأمل”.

14