شراكة أميركية روسية تهدد المعارضة السورية

السبت 2016/07/16

مع نهاية العام 2012، دخل الصراع السوري في حالة من الجمود العسكري وذلك بعد أن انقضت فترة التقدم السريع للمعارضة السورية والتي استطاعت خلالها السيطرة على مساحات شاسعة من البلاد بدا معها أن النظام السوري في طريقه إلى النهاية. ولكن عوامل عديدة، أهمها النجدة التي جاءت من قبل حزب الله وإيران، أبطأت وتيرة تطور الصراع السوري وأدخلته في حالة من الاستعصاء العسكري لا تزال مستمرة.

ومع ذلك، تواصلت الديناميكية العالية للحرب السورية حيث شهدنا منذ بداية عام 2013 تراجع سيطرة الجيش السوري الحر، وتصاعد نفوذ الجهاديين وجبهة النصرة. وعلى المقلب الآخر، اندفع حزب الله بكل قوته وبات الجهاديون الشيعة الركيزة الأساسية لصمود النظام السوري.

كان التطور الأبرز في العام الماضي انخراط روسيا في الحرب دعماً لنظام بشار الأسد، فيما تتراكم التطورات الجزئية منذ مطلع العام الحالي، وتبدو في طريقها لتتحول إلى تطور كبير سوف يتحدد بدقة خلال الأسابيع القادمة.

التطورات في هذا العام 2016 تنذر بضربتين قاسيتين قد تتعرض لهما المعارضة السورية؛ تتخذ الضربة الأولى طابعاً عسكرياً مباشراً، إذ تزامن التدخل الروسي في سوريا وما أدخله للمعركة من قوة نارية هائلة ودقيقة مع تزايد اندفاع إيران ومشاركتها في الصراع السوري. لم تعتد طهران الإعلان عن قتلاها في سوريا، وحين بدأت تفعل ذلك في العام الماضي كانت تصنفهم كـ”متطوعين” ذهبوا من تلقاء أنفسهم للدفاع عن المقدسات الدينية التي يهددها “الإرهابيون” في سوريا. ولكن، منذ بضعة أشهر، تقوم وسائل الإعلام الإيرانية بالإعلان عن قتلى عناصر الحرس الثوري الإيراني في سوريا ومنهم قادة بارزون. في الأسبوع الماضي، أعلنت عن مقتل 13 مقاتلاً دفعة واحدة ونشرت صورهم في مشهد تحريضي يحاول إثارة وتحشيد الجمهور الإيراني خلف نهج الصقور، بقيادة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، والمتحمسين للمزيد من التورط العسكري في سوريا. الأرجح أن مرد ذلك هو ارتفاع وتيرة التدخل الإيراني في سوريا، وحصوله على التغطية اللازمة سواء المباشرة من روسيا أو غير المباشرة من الولايات المتحدة.

ظهرت نتائج التصعيد الروسي – الإيراني منذ بداية العام الحالي حيث تقدم النظام والقوات المساندة له في ريف مدينة حلب بهجمات عسكرية واسعة النطاق. وتظهر النتائج اليوم بصورة أوضح باستكمال المخطط المرسوم منذ بداية هذا العام والذي يحاول حصار مدينة حلب لإخراجها من دائرة الصراع بصورة أو بأخرى. سيكون حصار حلب، في حال تم تكريسه، تطوراً عسكرياً كبيراً. ستكون تلك أولى الضربات الكبيرة التي تتلقاها المعارضة، والتي قد تكسر الجمود وتفتح الباب لتداعيات أخرى سوف تظهر تباعاً في الأشهر القادمة.

الضربة الثانية تتعلق بتصاعد التنسيق الروسي – الأميركي وانتقاله من المستوى السياسي إلى المستوى العسكري، كما يبدو من المقترح الذي قدمه الرئيس الأميركي باراك أوباما لنظيره الروسي. اقترحت واشنطن تشكيل مجموعة عسكرية مشتركة مع الجانب الروسي تضع مخططاً تفصيلياً لاستهداف جبهة النصرة في سوريا. مما لا شك فيه أن جبهة النصرة شكلت عبئاً متزايداً على المعارضة السورية قوّض صورتها الدولية وأضعف وحدتها وزاد الشكوك الدولية من حولها. وعليه، فليس استهداف جبهة النصرة والتخلص المفترض منها هو الضربة المقصودة للمعارضة، وإنما التغيرات الواضحة والعميقة في المقاربة الأميركية للأزمة السورية ولآليات حلها إلى درجة جعلتها تتقاطع من نظيرتها الروسية في بعض النقاط، وتتطابق بصورة تامة في نقاط أخرى.

لطالما ارتكزت المقاربة الأميركية في ما يخص سوريا على أهمية حدوث “انتقال سياسي” قبل الشروع في أي عمل عسكري ضد جبهة النصرة. أما اليوم فيبدو أنها تتراجع أمام الثبات الروسي، وسيكون إعلان الحرب المشتركة على جبهة النصرة، في حال تم ذلك، بمثابة نهاية للمقاربة الأميركية واستسلامها لنظيرتها الروسية.

كانت الولايات المتحدة تطالب من أجل الدخول في شراكة عسكرية تامة بأن تتخلى موسكو عن الأسد، ومن ثم تنازلت وراحت تطالب بضغوط روسية تدفع الأخير إلى القبول بتسليم صلاحياته لهيئة حكم انتقالي. استمرت التنازلات الأميركية فاقتصرت المطالب مطلع العام الجاري على السماح بدخول المساعدات وإنهاء الحصار. أما اليوم فإن الشرط الأميركي الوحيد هو وقف القصف الجوي للمنشآت الطبية ولبعض المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، والتي ستحددها بالتعاون مع موسكو.

هنالك مؤشرات على أن واشنطن قد تتبنى موقفاً مطابقاً لموقف موسكو حتى في ما يخص تصنيف الجماعات الإرهابية، إذ قد تقبل بتصنيف حركة أحرار الشام وجيش الإسلام كمنظمات إرهابية. لم تحدث النقلة الأميركية بصورة رسمية حتى الآن، ومن الواضح أن البنتاغون يعارض بشدة الليونة التي يبديها وزير الخارجية جون كيري. ولكن انتصار موقف الرئيس الأميركي ووزير خارجيته سوف يوجه ضربة مباشرة وقوية للمعارضة السورية، وقد يشكل نقطة تحول في سير الصراع السوري.

كاتب فلسطيني سوري

9